استعادة الدور الروسي
بعد ان فقد الاتحاد الروسي موقعين استراتيجيين مهمين هما العراق وليبيا وبقي ‘متفرجا’ على التطورات المستجدة في بعض الدول العربية، وجد نفسه خارج اللعبة ومعزولا عن الأحداث، وحتى عديم التاثير فيها، فشعر بانه يخسر مواقع استراتيجية مهمة أخذت تقع تحت سيطرة الغرب.
روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي السابق تريد أن تستعيد مجد الإمبراطورية السوفييتية ودورها على الساحة الدولية كمنافس للولايات المتحدة؛ ولذلك بدأ بوتين في استعادة عافية روسيا الاقتصادية، لكي يكون قادراً على لعب هذا الدور، وما مكنه من استعادة عافية الاقتصاد الروسي الارتفاع الأخير في أسعار البترول، ما انعكس بالإيجاب على الاقتصاد الروسي. ولهذا بدأ يستعيد الدور الروسي في المناطق التي تراجع فيها الدور الأمريكي، ولاسيما منطقة الشرق الأوسط، مستغلاً الأزمة الأمريكية بسبب الحرب على العراق، وتزايد كراهية الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط لسياساتها، وتزايد تأييدها للممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية. فقد دعا بوتين الى وضع استراتيجية جديدة لأمن الطاقة وإنشاء منظمة خاصة بالبلدان المصدرة للغاز على غرار ‘أوبك’ .
ثم أخذ يبذل جهودا كبيرة لاستعادة دوره، ولا سيما في الشرق الاوسط، الذي تشهد ساحته سباقا محموما بين الحرب الباردة والحرب الساخنة على خلفية الحراكات الشعبية العربية. فهذا السباق بدأ ساخنا سنة 2003 لدى احتلال العراق من دون ان يحرك الاتحاد السوفييتي ساكنا، ثم في ليبيا عندما تدخلّت قوات الحلف الأطلسي (مع دور أمريكي محدود) الى جانب ‘الثوّار’ ضد نظام القذاّفي. فبعد انهيار النظام ومقتل الرئيس القذافي وجدت القوى الغربية نفسها في مواجهة قوى مسلّحة، تنتمي في الغالب الى الحركات الاسلامية المتطرّفة التي سيطرت بقوة السلاح على اجزاء كبيرة من ليبيا، ونشرت الفوضى ووجّهت اسلحتها ضد التيارات الليبية المختلفة وحتى ضد القوى التي ساندتها (اغتيال السفير الأمريكي). وبالتالي فان سيطرة الجماعات الإسلامية المتشددة والمتطرفة على مقاليد الحكم في تونس ومصر وإلى حدٍ ما في ليبيا، جعل روسيا تخشى من أن تقوم الجماعات الإسلامية في الدول المتاخمة لروسيا بالاستقواء وتنفيذ العمليات الإرهابية ضد المصالح الروسية في عقر دارها، الأمر الذي من شأنه أنْ يُهدد الأمن والآمان في العمق الروسي.
وهكذا فان روسيا بقيادة بوتين قررت خوض سباقين: واحد على صعيد الحرب الباردة، والثاني على صعيد الحرب الساخنة في الشرق الاوسط على خلفية الصراع الدائر في سورية، التي ربما تعتبر آخر معقل لروسيا في الشرق الاوسط. ولكن الحرب الباردة لم تنحصر هذه المرة بالدولتين العظميين وانما تتجلى بسياسة المحاور: المحور الاول يتكون من الدول الغربية ودول اقليمية مثل اسرائيل تركيا والسعودية وقطر (سائر دول الخليج). ويتكون المحور الثاني من روسيا والصين وايران وسورية وحزب الله والعراق (الى حد ما).
لقد بلغ السباق بين الحربين الباردة والساخنة بقرار روسيا تزويد سورية بصفقة صواريخ إس 300 المتطورة التي بإمكانها قصف الطائرات الاسرائيلية او التركية فور انطلاقها من مطاراتها واعتراض الصواريخ الاسرائيلية التي تطلق على اهداف سورية. وقد اعلنت موسكو أنها لن تتحمل الاعتداءات الاسرائيلية على دمشق، وأنها قد تزود سورية إضافة لصواريخ ‘S-300’ بصواريخ أرض – أرض حديثة من طراز ‘اسكندر9K 720- وصواريخ اليخون. فقد حذر الرئيس الروسي رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو، أثناء زيارة الأخير لروسيا، بالتوقف عن أعمال العداء على الفور، والامتناع عن مهاجمة سورية، ويضغط على الولايات المتحدة كي لا تتدخل عسكرياً في سورية، أما نتنياهو، فقد هدد الرئيس الأسد بقوله ‘إذا قمت بالرد على هجماتنا فإن نظامك قد يسقط’. واعلن مؤخرا انه في حال تسليم الصواريخ الروسية فانه سيضربها.
قد تكون لسباق التسلّح هذا ثلاث نتائج مهمة: اولا – إن حصول سورية على صواريخ الدفــــاع الجوي الحديثة يجعل إقامة منطقة الحظر الجوي أمرا عسيرا. ويُذكر أن معارضين سوريين دعوا حلف شمال الأطلسي إلى إقامة منطقة حظر جوي في سورية. وأيدت تركيا وإسرائيل هذه الدعوة، الا ان الغرب متردد في اتخاذ قرار في هذا الشأن.
ثانيا ان الصفقات الروسية مع سورية قد تؤدي الى قيام توازن قوى (او ميزان رعب) قد ينجم عنه استمرار الصراع في سورية وامتداد امده الذي ربما تكون له نتائج ايجابية بالنسبة الى اسرائيل بالذات طالما انه يؤدي الى تدمير سورية الوطن والكيان وهذا هو هدف اسرائيل من هذا الصراع.
ثالثا – الميزان الإستراتيجي بين واشنطن وروسيا ليس هو المحرك الوحيد للسياسة الأمريكية، بل أيضا خشية امريكا من الدخول في حرب جديدة بعد أن انسحبت من العراق، وبعد حربها الفاشلة في أفغانستان، ناهيك عن ان الوضع في سورية ضبابي للغاية، الأمر الذي لا يسمح لواشنطن بأن تُخاطر في حرب واسعة النطاق، اضافة الى أن الولايات المتحدة تطمح إلى تحسين علاقاتها مع روسيا في مناطق أخرى من العالم، وعليه، فإنه في القضية السورية لا توجد لأمريكا الأسباب المقنعة لتفضيل الموقف التركي على الموقف الروسي.
ان السياسة الغربية والصهيونية تواجه الآن مأزقا استراتيجيا لا مخرج له في ظل ميزان القوى الحالي، فخيار الحرب قد تكون له نتائج وخيمة، ولاسيما بالنسبة لاسرائيل والدول المحيطة، رغم التهويل الاسرائيلي وقرع طبول الحرب، اذ ان اسرائيل هذه لن تجرؤ على القيام بأي تحرك عسكري بمفردها الا باشراك الحلف الاطلسي، وهذا غير متحمس لخوض حرب مجهولة النتائج.
والوجه الثاني لهذا المأزق هو انه في حال انتصار نظام الأسد على المعارضة والمرتزقة فإنه ‘سيقوم بالانتقام من الدول العربية والغربية التي تقوم بدعم المعارضة، بما في ذلك تركيا، وهذا الأمر سيكون الضربة القاضية لسياسة وزير الخارجية التركي داود أوغلو، بأن بلاده تطمح إلى ‘صفر مشاكل’ في سياستها الخارجية’، على حد قول الباحث الإسرائيلي مارك هيلر. ومن المرجح ان الغلبة ستكون لخيار الحرب البادرة، فالرئيس اوباما لن يخوض حربا في سورية. كما انه بدون التدخل العسكري الامريكي في سورية سيفسح المجال امام انتصار النظام. ولهذا وافق على حضور مؤتمر جنيف.
وهذا ينذر بفشل المشروع الغربي الصهيوني- التركي الذي يوظف الحركات الاسلامية في اذكاء الحروب الأهلية في الوطن العربي بغية تقسيمه وتفتيته، او بكلمات اخرى، انه يبشر بانتصار المشروع القومي العلماني التوحيدي الذي يحظى بتأييد الاكثرية الساحقة الصامتة من الشعوب العربية.
كاتب فلسطيني