في الوقت الذي تنتقد فيه أنظمة الدول النامية بقوة صندوق النقد الدولي، باعتبار أنه نشأ برعاية الدول الأغنى للتحكم في الاقتصاد العالمي، نجد أن معظمها يواصل الاستدانة منه والسير خلف وصفاته الاقتصادية مع نعتها بالفاشلة وغير المتسقة مع المطالب الوطنية.
تزداد الديون الربوية بشكل يجعل سدادها مستحيلاً، كما هو حال ما يقارب الثلاثين من الدول التي أعلنت عجزها التام عن السداد. رغم ذلك فإن الحل لا يبدو لهذه الدولة أو تلك إلا بمواصلة طلب مزيد من القروض على أمل أن تساهم الديون الجديدة في حل المشكلات القديمة.
ما هو سر هذا التناقض الذي يدفع بالدول النامية والأقل نمواً لانتقاد الصندوق بقوة ووصفه بيد الاستعمار الجديدة للتحكم في القرار ولاختراق السيادة من جهة، وللمزيد من الاقتراب منه والاستماع لوصفاته ونظرياته المحفوظة، التي لا تتجاوز الدعوة لتخفيض الإنفاق الحكومي، عبر تقليص الخدمات الاجتماعية، ورفع الدعم وتشجيع الخصخصة ومضاعفة الضرائب من جهة أخرى؟ الشعوب المستضعفة ترى في الصندوق الدولي عدواً ووسيلة للهيمنة، وهو ما تصوره لها الحكومات التي تود تبرير فشل سياساتها الاقتصادية بالديون التي أعاقت نهضتها الاقتصادية، لكن الحقيقة هي أن الصندوق ليس عدو الشعوب الوحيد، بل عدوه الأول هو تلك الحكومات الفاسدة التي توصل البلاد إما لمرحلة الاستدانة بعد تدمير الاقتصاد ونهب جميع الموارد مهما كان البلد غنياً، أو لمرحلة الاقتراض رغم عدم وجود حاجة ماسة له وبشروط صعبة ومجحفة.
الحكومات لا تتأثر بهذه الديون، بل على العكس هي تستخدمها للمتاجرة بها والزعم بأنها موروثة بشكل تاريخي عن أنظمة سابقة. أما الأسرة السياسية الحاكمة، في غالبها، فإن تأثرها محدود ولا شيء سوف يكدر استمتاعها بحياة الرفاه، سواء تضاعفت الديون أو بقيت على حالها، هذا إذا لم نقل أنها مستفيدة من كل دين واقتراض جديد لما سيوفره لها من عمولات وأرباح.
ولأن الحديث عن فساد الأنظمة يعتبر من المحرمات في معظم تلك الدول التي تعاني من مشاكل اقتصادية، والتي تعجز عن الوقوف بندية أمام غيرها، ولا تظهر قوتها وشدتها إلا على الضعفاء من مواطنيها، لهذا السبب فإن كثيراً من المحللين يكتفون بانتقاد صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات التمويلية، بالتركيز على نظرية المؤامرة التي تربط الصندوق بالولايات المتحدة، التي تتحكم في الأسواق العالمية بفرضها عملتها كمعيار، والتي تعتبر الشريك الأهم للصندوق والموجه الفعلي لسياساته.
هؤلاء المحللون سيركزون على وجه واحد من وجوه الحقيقة، وهو التآمر الغربي والنزعة الاستعمارية، التي لا تفكر إلا بحماية المصالح وزيادة الأرباح، وهي النزعة التي جعلت الدول الأكبر تصل إلى نتيجة مفادها، أن الوسيلة الأفضل لتطويق الأعداء والمنافسين المحتملين هي لف حبل من الديون على عنق اقتصادهم، وهو ما سيسمح في الوقت المناسب بالتدخل في شؤونهم السياسية من بوابة النصح الاقتصادي. حتى وإن كان كل ذلك صحيحاً وبلا مبالغة فسيبقى الوجه الآخر للعملة، وهو أنه وبتجاوز مسألة الفساد فإننا لن نستطيع أبداً أن نجد حلاً ناجعاً ونهائياً لمشكلة الدين الخارجي.
ومن أجل التهرب من مناقشة جدوى المشاريع الوهمية التي تشرع فيها الأنظمة الفاسدة، وتنفق عليها المليارات من أجل الدعاية السياسية، وإثبات أنها في طريقها لتحقيق إنجازات تنموية كبرى، تركز المراكز البحثية التي تعمل في الغالب بتمويل رسمي أو شبه رسمي، على الأحاديث العاطفية التي تصور هذا الحاكم أو ذاك وهو يقود صراعاً شرساً ضد المؤسسات الغربية، التي يقودها يهود أوروبيون وأمريكيون بهدف تدمير اقتصاد البلد لصالح الأعداء.
ولأن نظرية المؤامرة فيها قدر كبير من التشويق فهي تجد الكثير من المستمعين الذي سيتناقلون قصصاً من قبيل أن صندوق النقد الدولي مذكور في بروتوكولات حكماء صهيون، التي تحدثت عن السيطرة على الاقتصاد العالمي، عبر إغراق الحكومات بالديون، وأن تحرير التجارة ما هو إلا غطاء لتحطيم الاقتصاديات الوطنية عبر ضرب الصناعة المحلية، وتحويل بلدان العالم إلى مستهلك لصادرات العالم الأول.
بالمقابل هناك من يرى أنه لا يوجد أمام الحكومات أي طريق ثالث، فمثلما لا يستطيع أغلب الناس شراء بيت أو الشروع في مشروع مهــــم، بدون أخذ قرض ما، فكذلك الحكومات لا تستطيع إقامة مشروعاتها التنموية المهمة، بدون الاستعانة بالخبراء الأجانب الذين سيقدمون لها ليس فقط المال الكافي ولكن أيضاً الدراسات التي تعين على تنفيذ هذه المشاريع.
لكن هذا هو بالتحديد أساس المشكلة، فالمشاريع لا يقوم باقتراحها ومتابعتها في الغالب خبراء وطنيون، إما لعدم وجود خبراء ذوي كفاءة أو لعدم رغبة السياسي في الاستعانة بهم، لأنه لا يريد أن يسمع إلا من يؤيد نيته لإنفاذ المشروع ويخشى أن يعقّد الأكاديميون ذلك ويضعوا أمامه العراقيل التي قد تصدر الكثير من الضوضاء.
وهكذا، إذا تمت الاستعانة بخبراء الصندوق، فإنه سيصبح من الطبيعي أن يقدموا خدمة لداعميهم ومموليهم على حساب البلد صاحب القضية، فيقدمون لك قرضاً بشروط على هواهم، وفترة سداد يعلمون هم قبل غيرهم أنها مستحيلة التنفيذ.
لكن علينا ألا ننسى أن هناك في الوقت ذاته دولا نجحت في الاستفادة من علاقتها بالصندوق، كتركيا التي تحولت من مقترض بائس إلى دولة مانحة لكثير من الدول حول العالم. في المثال التركي الذي استفاد في فترة ما من هذه القروض في بناء الدولة الحديثة دليل مهم على أن المشكلة ليست فقط في النظام الدولي الجشع، ولكنها بالأساس مشكلة تخطيط داخلي، ولذلك فإن دراسة نجاح تركيا وغيرها من البلدان، على قلتها، في تجاوز المؤامرة الغربية، والاستفادة من قروض الصندوق من أجل خلق طفرة اقتصادية ونمو، هذه الدراسة ستكون مفيدة لمن يرغبون بجدية في الخروج من قبضة الدين.
أما قصر المسألة على أنها صراع مع المقرضين الجشعين الغربيين فسوف لن يقود إلا إلى اللجوء إلى بدائل اقتراض جديدة كالصناديق الأخرى العربية أو الإسلامية، أو إلى البديل الجديد المنافس الذي ترعاه الصين والمسمى بالبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وهي جميعاً وغيرها، وإن كانت اشتراطاتها أخف وفوائدها أقل، إلا أنها لن تستطيع أن تعالج أصل المشكلة، ولن تستطيع منع خسارة المشاريع التي تأسست على دراسات غير علمية، أو تلك التي يبحث صانع القرار على تمويل لها رغم علمه بفشلها، وكما يقول المثل العربي «فإن الظل لن يستقيم أبداً طالما كان العود أعوج».
وهكذا تذهب الحكومات ويتم استبدال الحكام الفاسدين في الغالب بغيرهم عبر توريث عائلي أو حزبي، ويبقى الشعب ليواصل اجترار مراراته التي تتنوع ما بين بطالة وارتفاع لسعر الدولار وازدياد لحدة الفقر، في الوقت الذي تستفيد فيه النخبة المقربة من الحاكم من هذه الحلقة المعقدة للفساد فتزداد ثراء.
٭ كاتب سوداني
د. مدى الفاتح