المعرفة «عربيا» بوصفها قدرة غير خاضعة لنهايات منجزة

حجم الخط
0

تسعى كافة الأمم والحضارات في عالم اليوم، إلى الاستحواذ على المعرفة، باعتبارها أداة لتثبيت الوجود، ومصدراً للقوة. لا بد من امتلاكها، وإدراجها في منظومات وطرائق وظيفية، مهيمنة، تكفل تحولها إلى دافع للإنتاج، والقوة سواء أكانت اقتصادية أو سياسيّة.
لكن أسئلة المعرفة تتصل ببنى عميقة، أو مستترة، غير ظاهرة للعيان. في التّكوينات الحضارية العربية المعاصرة المعرفة كيان، وفي أحيان أخرى ماهية. يستدعي ذلك التّعامل معها من منطلق فعل اقتراض، أو انتقال، فثمة أنساق من الاستجلاب للمعرفة، من خلال تبنيها، أو تجريبها، ومن ثم النظر في ما يلائم، وما ينفع، مع نفي غير المتّسق من الهوية، والمرجعيات الأيديولوجيّة.
انطلقت المعرفة مع الفلاسفة، حيث كانت تستهدف قديماً المعرفة لذاتها، وفي غمرة الانشغال في توصيف المعرفة اكتشف الإنسان الطاقات الكامنة من أجل إحداث تغيير يؤدي إلى تحسين حياة البشر، والذهاب بها بعيداً، وبذلك فقد عملت التفسيرات الميتافيزيقية والعقلية في بعض الأحيان جنبا إلى جنب، غير أن الغلبة كانت للمعرفة بظاهرها النفعي، ولهذا سعت أوروبا الرائدة في هذا المجال إلى تبني المعرفة المنتجة، والفاعلة.
ونتيجة لهذا ما فتئت تحرص بعض الثقافات وشعوب العالم لإدراك المعرفة بأنها نهج، وليس ماهية، وبهذا فقد تبنت آلية إنتاج المعرفة، واستثمارها، وهذا أدى إلى تحييد بعض التّفسيرات الغيبية، وجعلها في مجال آخر كي لا تعمل على إعاقة إنتاج المعرفة. امتلكت بعض شعوب العالم آلية المعرفة، وأحدثت تغييراً في أنماط وجودها، فاستحوذت على زمام المبادرة في تشكيل أنظمتها السّياسية والاقتصادية والثقافيّة كي تتيح مجالاً للتحول، كما في بعض دول شرق آسيا، وغيرها.
المعرفة كانت قاعدة للتقدم، لكن المعضلة الحقيقية في المجال العربي تتمثل بأن المعرفة قد أضحت محددة ضمن أطر (المعلومة) أو (المحتوى)، والأهم من ذلك، بأنها ليست ماهية إنما نمط تفكير، وممارسة؛ ولهذا سقطت العقلية العربية في استجلاب المعرفة، ولكن دون طرائقها، وكما يقول هيغل فإن الزهرة ليست سوى صورة زائفة من صور النبات، ما يعني أن ثمة تنافراً معرفياً بين كلا المكونين، على الرغم من وجود الطبيعة السّيالة بين المكونين. فالمعرفة لا تعني ذلك المنجز الظاهري، إنما يجب البحث في المسار كما يشرح هيغل في معرض مناقشته لروح المعرفة، وسبلها، وهذا يقودنا بطريقة أو بأخرى إلى أهمية الحرص على توفير مسارات المعرفة، وقبل كل ذلك تحديد سياقات إنتاج المعرفة، وهنا لابد من توصيف هذه السّبل في كيفية تحقيق أو التوصل إلى المعرفة، أو ما يصطلح عليه بنظرية المعرفة لا المعرفة بعينها.
المتأمل في كافة تجارب النّهضات الاقتصادية التي قصدت سّبل المعرفة بوصفها أداة، يلاحظ أن معظمها قد تعلّم درس المعرفة أو الطريق إلى المعرفة، في حين أن الأمم التي حاولت أن تنظر إلى المعرفة بوصفها شيئاً وجوداً فحسب، قد ضلت طريقها نظراً لخلل في المنهج، والفهم، كما السّياقات، ولعل أهم مظاهر خلق مسارات المعرفة ما يتحدد بالنظر إلى المستقبل، أو الصورة المتخيلة للإنسان، والعالم، والبيئة، والثقافة، والاقتصاد، ولكن ضمن منظور كلّي شمولي، لا مجزّأ.
ربما يأتي من يقول بأن الثقافة العربية أمست مجتمعات معرفية غير أنها حقيقة ليست سوى حاضنة المعرفة، للتجربة، لا بوصفها نتيجة، فكيف يمكن أن تنتج المعرفة في ظلال القمع، وانعدام الأسئلة. معنى الحرية هنا، لا يعني مجالاً فردياً وعاماً فحسب، إنما الحرية في مناقشة المعرفة، وبوجه خاص البنى التحتية، الكامنة.
لا شك بأن البحوث العلمية في ظاهرها تنطوي على فرضيات، ولكنها فرضيات محكومة بمصائر موجهة، أو حدود، كما أن أهداف البحث لا تؤدي إلا للبحث بحد ذاته. إن المتأمل في مشكلة البحث يعرف أن ثمة حاجة لسد نقص أو خلل ما، والعالم العربي يطفح بالمشكلات، غير أن بحوثنا لا تقود إلى اختبار المشكلات الحقيقية إنما الظاهرية أو الهامشية، وهكذا تنشغل المعرفة بحدود المعرفة، ومظاهرها، إذ ليست ثمة مراجعة نقدية… ولكن لماذا تنأى بعض البحوث عن مناقشة المشكلات؟ ربما لأن أي دعوة للبحث فيها يعني تهديداً لمنظومة معرفية جاهرة، منقولة، أو موروثة، أو مرتبطة بقوى أخرى.
لعل العالم العربي الوحيد الذي لا يحتكم إلى معرفة محكومة بقوة القانون، أي أن مجال الحقيقة والنقد غير المحميين، فالحقيقة مقتصرة على فئة معينة، أو أي أسئلة أخرى مرفوضة، ربما لأنها تعني تهديدا للقيم الهرمية للمعرفة الآتية من قبل منظومة سلطوية، ولعل هذا يفسر العداء العربي للمناهج الفلسفية في المدراس، فضلاً عن محاولة إقصاء كافة مجالات النقد.
تذهب نظريات المعرفة إلى صعوبة تحديد جوهرها، كما يشير دنكان بريتشارد في كتابه «ما المعرفة؟» 2010، ولهذا فإنه يدعو إلى الكف عن محاولة تحديد المعرفة، وتعريفها إلى ما هو أشد أهمية، وأكثر جدوى، أي السعي نحو الطرق التي تكتسب بها المعرفة.
إن ادعاء المعرفة أو لنقل الحقيقة مكمن الخطورة في أنساق التفكير العليا، وهنا أحيل إلى المعنى الكلّي للتفكير في العقل العربي، فالحقيقة ليست مجالاً موضوعياً لا ذاتياً فقط، إنما هي أمر بالغ الخطورة كونها أمراً غير قابل للحسم، فهي تضطر إلى البحث وابتكار نمط تفكير، ونقد، وتحليل، ما يعني نتائج ربما لا تستقيم، أو لا تستجيب لمعيارية بعض السّلطات الهرمية.
ولهذا، فإن أسلم الطرق يتحقق من خلال تحديد المعرفة بوصفها جوهراً لا يمتلكه سوى أجسام معرفية محددة، تُنشأ من قبل البعض، أو أن يتم استحضار المعرفة، وتكوينها بوصفها المجال المعرفي الوحيد أو الأوحد، غير أنها ليست سوى ادعاءات مستمرة حول الحقيقة.
إن المتأمل في البحث المعرفي ذي الطابع الأركيولوجي سوف يلمح ما تنطوي عليه من بعض البحوث من إمكانيات في تشكيل مفهوم المعرفة ونقضها، أو بوصفها جوهراً.
في اللغة على سبيل المثال ثمة دعوة لإقصاء أي أنساق من التحول والتغير لأن اللغة باتت منجزة، ولا مجال فيها لأي تعديل أو تطوير، لقد توقفت اللغة لدى البعض، واقتصرت على ما وضعه المتقدمون. دخلت اللغة العربية نفقاً مظلما من الإقصاء والتراجع حتى باتت في حالة نضال وجودي ، وحين تتم الدعوة للنهوض بالعربية، فإن من يقوم بهذا الفعل، ويشرف عليه هم ذاتهم من يمتلكون معرفة اللغة بوصفها ماهية، وجوداً موضوعيا منجزاً. جرى إعادة إنتاج المعرفة عينها، ولكن ضمن أنساق وسياقات تبدو أكثر حداثة، ولكنها في الحقيقة لم تقدم أداة للبحث في اللغة، علاوة على إطلاق طاقاتها.
إن إشكالية المعرفة وإنتاجها في العالم العربي محاكاتها لأنساق الحكم، والإدارة، فهي ذات طبيعة متوارثة، أو رعوية… قبلية، كما طبقية. ليس ثمة فراغات تسمح بتشكل معرفة من خارج الحدود، من الأطراف أو من الطبقات المهمشة والمقصيّة في المجتمع، أو لنقل المجال الأكفأ. لذا تبقى المعرفة العربية في حدود الماهيات المحددة مسبقاً، ليس ثمة مسارات أخرى، فكافة الطرق موضوعة، أو مغلقة.
ولعل التأمل في طبيعة التراتبية الهرمية للمؤسسات العلمية سوف يقع على توفر سدنة المعرفة الذين يعدون أدوات للإبقاء على المعرفة بحدوها الناعمة، أو تلك المعرفة التي لا تتصل بقيم التأمل. على سبيل المثال مجال الشعر الحر، الذي إلى الآن، ما زال يعاني من حصار في بعض المناهج العربية، فما بالك بقصيدة النثر، ومع أن الشعر الحر ظهر مع قصائد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وغيرهما، غير أنه لم يعرف طريقه إلى المناهج العربية إلا بعد عقود، لقد حاول حراس المعرفة بتمثيلها (الوجود) إقصاء أي مسارات يمكن أن تقود إلى اكتناه قيم الثورة الجديدة في الشعر العربي.
لقد نشأت تحولات الشعر من قبل الشعراء الذي ينتمون إلى التيارات المخالفة، ومع ذلك فإن المؤسسة التعليمية التي يفترض أن سدنتها من المتنورين، حاولوا قدر المستطاع إقصاء أنساق التحولات ومسارات التطور، ولعل هذا يفسر أن الآداب العربية لم تتمكن من معانقة العالمية إلا بالحدود الأدنى، ولعل هذا يفسر أن الأسماء العربية التي برزت عالمياً كانت نتاج الغرب الذي كان يتيح سبل المعرفة، لا المعرفة بوصفها جوهراً واحداً لا متغيراً.
ومن مظاهر التفسيرات المعرفية بوصفها جوهراً ما يخرج به البعض حول تفسير الظواهر الفلكية، والمبادئ العلمية، على الرغم من أنهم ليسوا علماء في مجال الفيزياء، أو الفضاء، هم فقط متحدثون في مجالات عامة، أو غير ذلك. لابد من نبذ المعرفة (الجوهر) والدعوة إلى المفهوم الذي توصل له بريتشارد أي معرفة القدرة، فالمعرفة مع أنها تنطلق من الافتراض الذي يمكن أن تتوصل له بالصدفة، ولكن هذا لا يكفي (2010).
ثمة قصوراً هائلاً في آليات المعرفة، واكتسابها، فنحن نعمل بالمعرفة، وأنساقها المجردة، أي أن الاشتغال بالهيكليات، التي تعدّ إحدى آفاتها النقل لتجربة الغرب الذي يدعو إلى تبّني الأنساق بوصفها أدوات للتعلم لا بوصفها أدوات لإنتاج المعرفة كونها قد تجاوزتنا في مراحل معينة. هذا النسق أقرب إلى التعليمي، في حين أن ممارستنا تهدف إلى اتباع المعرفة والأنساق المجردة بوصفها معرفة فقط. ويبدو التساؤل مشروعاً حول مدى توفر سياسات للمعرفة، والبحث العلمي المكرس، لا لمعرفة الحقائق فقط، إنما الأهم امتلاك الطرائق والسياقات التي يمكن أن تؤدي إلى معرفة، كون المعرفة غير خاضعة لنهايات منجزة كما يروّج البعض.

٭ كاتب فلسطيني أردني

المعرفة «عربيا» بوصفها قدرة غير خاضعة لنهايات منجزة
ليست ماهية وإنما نمط تفكير وممارسة
رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية