عمر أميرلاي: الفنان المبدع

حجم الخط
0

حين كنت أشاهد فيلم عمر أميرلاي ‘الحياة اليومية في قرية سورية’ إنتاج عام 1972-1974، تساءلت لماذا اختار أميرلاي قرية سورية من قرى الجزيرة والفرات وهي ‘قرية المويلحة’ النائية لتحقيق فيلمه التسجيلي، وهو ابن العاصمة، وتوه عاد من باريس، بينما نجد أبناء تلك المنطقة، من الفنانين والأدباء، لا يكترثون بما يجري في مناطقهم من القرى السورية النائية؟
هل هو الفن، الصدق، الرؤيا؟ اسئلة عديدة تطرح نفسها ذلك حين يشاهد المرء ذلك الفيلم والذي سنجد فيه، من خلال ذلك الاختيار، أن مخرجه استطاع أن يقرأ بدايات مشروع النظام السوري المخرب. ذلك الفيلم سيكون المقدمة لفيلمه الكبير ‘طوفان في بلاد البعث’، حيث سنجد فيه المادة التسجيلية الخالدة عن الوضع الروحي لإنسان تلك المنطقة وللإنسان السوري عموما في زمن البعث.
في عام 1970 يقدم عمر أميرلاي فيلمه الأول ‘محاولة عن سد الفرات’. يزور من أجله المنطقة الشرقية، كي يكتشف بعد عمله في ذلك الفيلم حقيقة النظام السوري وخباياه، فيقوم في عام 1972 بإعداد فيلمه الثاني ‘الحياة اليومية في قرية سورية’. هذا الفيلم الذي يتغلغل داخل الريف، يستجوب النفوس ويعرض الأحلام والمعاناة اليومية، ويستجلي من خلاله الأسباب التي كانت وما تزال الحجر العثرة أمام تطور تلك المنطقة، وبالتالي تطور سورية على نحو أعم. لقد كان ذلك الفيلم هو فيلم التحول بالنسبة لاميرالاي، وقد دفعه الفيلم، وماجاء فيه من مداخلات مع أسر القرى،إلى كشف حقيقة النظام السوري الذي انبهر به معظم المثقفين في البداية، وكشف فيما بعد كيف يجيد النظام وضع الأقنعة وتلوينها بالتحرير والممانعة. بذاك الفيلم وضع يده على العطب السوري، بينما نجد فنانين آخرين وأدباء يهللون للحركة التصحيحية ولاهتمامها بالمناطق النائية التي هي رمال وجفاف وفقر. لقد حمل عمر أميرلاي عدته إلى تلك القرى، قرى الرقة ودير الزور والتي منها برز كتاب كبار، من أمثال الروائي عبد السلام العجيلي والكاتب الدرامي جان آلكسان؛ وبينما كان اميرلاي يصور فيلمه الناقد ‘الحياة اليومية في قرية سورية’ كان آلكسان يكتب عن سد الفرات، ويعالج قضية الغمر، التي ستدفع بعائلات وبقرى بأكمالها إلى الرحيل، معالجة فضفاضة مدفوعة من فكرة أنها من أجل الحرية والاشتراكية، من أجل حياة أفضل. مسلسله الإذاعي (مرابع الريف) من بطولة حسان دهمش وآخرين، مسلسل عالج قضايا تلك المناطق معالجة ساذجة تسودها الفكاهة والهزل، ويكتب أيضا في تلك الأثناء عبد السلام العجيلي مسلسله الشهير ‘النوق البيض’ ليعرض في إذاعة لندن القسم العربي، وهو مسلسل عن البداوة والقبيلة والشيوخ، بعيدا عن هموم المنطقة التي من المفروض انها كانت في طريق تحولها نحو المدنية. كان المسلسلان قد حققا نجاحا جماهيريا واسعا؛ حتى وإن كنا سنقرأ للعجيلي بعد سنوات، في نهاية السبعينيات، رواية ‘المغمورن’ فسنرى بتلك القراءة مقدار الفرق بين رؤيته لما يجري وبين رؤية اميرلاي. يهدي العجيلي روايته ‘المغمورون’ إلى بناة الأمجاد فيقول: ‘إلى الذين على رؤوسهم المغمورة بمياه السد بُنيت أمجاد وازدهرت حظوظ، إلى المغمورين أهدي روايتي هذه’.
لم يأخذ أغلب الفنانين والأدباء السوريين الدور الريادي المطلوب منهم، كانوا تحت جناح النظام وفي ظلاله، إلا النذر اليسير منهم الذين لم يشكلوا ظاهرة، وكانوا فرادى سرعان ما يحتال عليهم النظام ويطوي صفحاتهم، وكانوا في الأغلب من الساحل السوري- سعد الله ونوس وممدوح عدوان..- ولم يكونوا أصواتا قوية في الداخل، كانت أصواتهم رومانسية في أغلبها، وظلت تعيش في حيز ضيق؛ والسبب على ما أظنه هو انحسار قوة الشباب، وتدمير روحهم المبدعة من خلال تدجينهم في صفوف الطلائع والشبيبة، حيث الإجادة في تعبئة العقول اليانعة، في كيفية الدفاع عن مادة وهمية أسمها الوطن والحرية والاشتراكية. إن روح الشباب هي الدافع الحيوي للفنان، وستكون هي روح الإنتاج والخصوبة، تلك الروح ستوجه الفنان من دون أن يدري نحو الطريق التي ستختاره له. من دون شباب لن يكون هناك فن، ولن يكون هناك مستقبل، وهكذا فقد كتب النظام مستقبل سوريا ذلك حين وجه شبابها التوجيه المنظم الممنهج والذي استطاع في النهاية زراعة ما يريده فيهم.
فإن يقدم روائي كانت له شهرة واسعة في الأدب روايته قائلا: ‘إلى الذين على رؤوسهم المغمورة..بنيت أمجاد..’ يقدمها بهذا المعنى وما يحمله من مجاملة خفية لنظام البعث الأسد، فهذا يدل أشد دلالة على أن الأدب والفن السوريين كانا في حالة يرثى لها. بعد حرب تشرين يجب أن تظهر ‘أزهار تشرين المدماة’ للعجيلي، ويجب أن يكتب حنا مينا رواية المستنقع، ويجب أن تظهر مسرحيات وقصائد تمجد ماحدث، من دون نقد ومن دون رؤيا لما يجري. لم يكن ثمة مستقبل في خافية الأديب السوري، ولا في خياله، سوى مستقبل البعث، ومستقبل كان قد تم صياغته مسبقا من قبل الطاغية ومن قبل مراكزه الأمنية التي ستدمر وتسمم روح الشعب. تنتشر العيون في كل مكان، وفي وقت لاحق ستدخل البيوت والعائلات، ويصبح الأخ مخبرا عن أخيه.
لم يكن عمر أميرلاي مخرجا سينمائيا مميزا فحسب، بل كان قبل ذلك رائيا مبدعا، يرى المستقبل ويقرأ الحاضر قراءة خالية من البهرجة، قراءة لا تنطلي عليها أبواق الدعاية والإعلام. كان، ربما، في اشتراكه بانتفاضة أيار/ مايو في فرنسا عام 1968 وما نتج عن تلك الفعالية النادرة، من اختبار ومعايشة لمعنى المدنــية، واختبار ومعايشة لمعنى الحرية والإنسانية، ما جعله يرقى إلى مقام المثقف الحقيقي الذي لم نعد نراه بيننا وقد انطلى علينا الأمر في الوهلة الأولى، نحسب أن المثقف هو من يقرأ ومن يعرف، لكن المثقف ليس كذلك، بل هو الذي يقول ثم يفعل الفعل التطوري. من يشاهد أفلامه سيرى مقدار الغضب الذي يحمله على النظام السوري، غضب صامت. يتفنن في اختيار المنطقة التي يسير على حدودها، يتحاشى الأمن فيخطو في مناطق الخطوط الحمر التي عرف بواسطتها، بذكاء حصيف، كيف يتخلص من ربقة العسكر الذي كان شماعة تعليق، يعلق معظم الفنانين أسباب عدم نقدهم للوضع السوري عليها.

[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية