البلجيكي جان كلود بيروت: شاعر التيه والهرب

حجم الخط
0

كَرَّس الشاعر والرَّوائِي البلجيكي جان كلود بيروت حَياتَه للكِتَابَة والتَّشكِيل، وهما لَعَمري يُشَكِّلان بالنِّسبَة إليه المَنجَى والمَلجأ بعيدًا عن شظف العيش. فمُنذُ طُفُولتِه عَاهَدَ نفسَه على الكِتابَة كُلَّ يوم بَعدمَا فَرَّ عند جَدته هَاربًا من بيتِ والدَيه. ثُمَّ بَعدها مُلتَحقًا بِأسرة وليام برنس التي تَبنَته. هنا أشبع الشاعر رغبته في المعرفة، وانفتح على عوالم أخرى من خلال الأسفار التي رافقهم فيها نحو إيطاليا والبرتغال وفرنسا.
بعدما درس الأدب، اتجه اهتمامه بالقانون حيث صار محاميا يدافع عن المهمشين، لكن الفاجعة حلت به حين اتهمه القضاء بمساعدة أحد المساجين على الهرب، فاضطر إلى الهرب مرة أخرى من بلجيكا إلى فرنسا بعدما حُكمَ عليه بالسجن ظلما، وظل لمدة خمس سنوات تائها يتنقل بين فرنسا إسبانيا وإيطاليا، حتى تلقى حكم العفو، لكنه رفضه، لأنه برأيه لا يمكن العفو عن المظلوم.
خلال تلك السنوات تخلى «بيروت» عن زوجته وابنته وفَقد عمله، لكنه عاد من جديد للقاء مع الكتابة والشعر والقصيدة، وصار طريق التيه والسفر موطنه الآخر، رحلة في المكان ومع المكان بدءا من فرنسا روثل وباريس مرورا بسويسرا (منطقة جورا)، حتى استقراره في أواخر حياته في الساحل البلجيكي، فتجربة الانصهار مع الأمكنة والتيه عبرها جعلته منذورا للكتابة والتشكيل والرسم، فقد خلف بيروت ما يزيد عن خمسين عملا أدبيا وأكثر من ستين لوحة تشكيلية، تُزيِنُ البَعض مِنها أغلفة كُتبِه.
في السنَوات الأخيرة من حياته، أعاد الشاعر فَتْح مُذكَرته: قصائد يَهبُ من خلالها رُوحه المُتعثرة لاقتحامات قلق هادئ تحت ريح الشمال، مُعاودًا رُؤية الشباب البعيد، وزمن الأغاني السعيدة. فقد صار هذا المسكن المؤقت الذي يَبري فيه جثته القادمة، هذا الجسد الضامر والمريض، صار مركز مراقبة لعالم يبدو منتهٍ بنهاية الشاعر. وهو حين يرد على الاتهامات التي تَسمهُ بالعَتمة يقول:
كُلُّ ما أرسُمهُ في ظِلِّي/ أملؤهُ بالضَّوء/ كلُّ ما أكتُبُه في الشِّتاء/ ليست سوى كَلمات فَاتِحة.
إنَّهُ يعرفُ تمام المعرفة بأن الحياة فرصة استثنائية، وأن الموتَ الذي يَحُفنا من كل الجوانِب ليس شيئا ذا بال. فيقول مُتحدِّيًا:
لا يعنيني أن أشيخ/ أحيا في طُفولة الزَّمن/ هل سأغادر الزمن القديم جدًا/ والذي سأراه تحت الأرض.
لكن هل سَتنجو الرُّوح من خيبات الجسد؟ من خِيَاناته؟ هنا يتبدى شكُّ الشاعر حين يقول: «نموت ونحن نعانق حياة / تحولت إلى وجود واحد/ ولم نعد نعرف ماذا نقول/ للمرئي واللامرئي.
وفي ديوانه «الزمن القديم جدا» يعود الشاعر إلى طفولته النَّائية والوحيدة، وما تبقى منها من كنوز الأيام الضائعة، كنوز قلبت كيانه مادام لم يتنازل عن الفرحة والمفاجأة. ومع أضواء الغروب الأخيرة، يرى الشاعر ظله فيقول: «لأن هدف الحيوات/ هو الموت نسمع/ الأغاني البعيدة للبراءة/ التي تختلط بالذكريات». هنا يلتحق الشاعر بأقرانه من الشعراء الذين كرسوا حياتهم للقراءات العميقة والمحاورات الداخلية أمثال ماكس جاكوب، جان بيير كولومبي، فيليب جاكوتي. هؤلاء المنبهرون بسقوط المطر، والمشغولون بسير العالم، المصغون لأغاني الريح، وعبر هذه العودة إلى الماضي البعيد استعادة للذكريات التي تُضفي الحياة على كل ما مرَّ ومشى عليه الزمان، وفي كل عودة تماس قريب مع ما آلَتْ إليه الروح والجسد من تعب وآلام وخيبات، حين يكتشف الشاعر ضعفه ووهنه فيقول: «الزمن تحت الثقل يسحقني/ ويجعلُ مني ذلك الظل المُجوَّف.
وفي ديوانه «أجوَا» وهو اسم لمنطقة موجودة في الشمال الغربي لسويسرا حيث المكان معروف بنُسَاكه وقِديسيه الذين كرسوا حياتهم للاعتكاف والتأمل، يتغنى الشاعر بالأراضي والغابات والحقول المهجورة، ويدعو القارئ إلى أن يقاسمه تجربة التأمل حيث الزمن يتمدد ببطء في صيف سان مارتن. هنا يحاول جاهدا القبض على صدى عالم مفقود، فيتبَدى من خلال الكلمات نوع من الحكمة التي تطبع القصائد وتضفي عليها لمحةً من الحزن العميق فيقول:
في أجوا الريح الكبيرة هذه الشاعرة البديعة / تنثرُ القوافي تحت خطواتها/.
وهو بعد الريح يكتب شعره خفيفا يحاكي انحناءات هضاب «أجوا»، وأضواءها الحانية وثنائية الموت والحياة تعبر قصائده المحروثة بالتساؤلات. يقول الشاعر: لمْ يعدْ عندي أي مبرر للخوف/ من الموت، مما تبقى/ ما جدوى أن نخاف السلام حين نعرف الحرب.
ومع ذلك يظل الشاعر مدينا لهذا المكان الذي يهبه شيئا من الحياة، إنه لا يختفي وراء متناقضات الحياة، بل يتحدث بضمير المخاطب تحت سماء صيفية يبقى تحتها غير عابئ بما تَحمِلُه الحَيَاة من أفراح وأترَاح، إنه يعرف تماما أن العالم يتغير، وأن الحياة تواصِلُ دورتها المُزدوجة. حيث يقول: حَيَاتي في الكِتاب/ الذي لن أكتبه.
لكن وَضعه المَّادي أجبَرَهُ على مُغَادرة «أجوَا» الفاتنة، فالحياة هناك صارت مُكلّفة.
في أواخر حياته وصراعه مع مرض السرطان، قال جان كلود بيروت: « فقدت كل قوة، وصلت إلى نهاية روايتي، لم يبق لي سوى الشعر». وكان الشاعر في بداية الصيف قد نشر ديوانه «هذه الرُّوح التائهة» يبث فيه لحظاته الأليمة.
«ملاكٌ يمر لا نسمعه/ يضربُ بجناحيه في المطر/ لو تأملنا لحظةَ / صمت لكنه يهرب/ ما يَتركه هل سيكونُ لنا الوقت/ أن نضفر منه عِقدًا من نجوم/ مِن ورق من أجل القمر الباهت / الذي نرسمه ونحن ننتظر/ أن يصمت القلب النابض.
يَكتُبُ بيروت شعر الروح والمعنى، بقصائد هوائية خفيفة تتخللها لغة سهلة ممهورة، تتغذى على موسيقية عالية بفضل وفائه للإيقاع فيقول: «ما يَهمُني في الكِتابة هو الإيقاع، القافية كذلك حين تأتي بشكل تلقائي، وإلا فأنا أتجاوزها…»، وعلى الرغم من أنه كَتبَ العَديد من الرِّوَايَات، فَإنه يقول: «الشعر يقولُ أشياء لا تستطيع الرواية قولها».
إنها كتابة الرعشة الحنون، كتابة القلق المسافر في الدم التي رافقته طوال مساره الإبداعي الطويل والحافل بالارتجاجات، كتابة تستمد قوتها من الحنين لماض ولَّى، وحاضر يهرب منا كل يوم، فاستعان بالقِراءة على قَسوة الحَيَاة، وَظلَّت بالنسبة إليه «طَريقة لِتَعلُّمِ الحَيَاة»، إلى أن وافته المنية في الرابع والعشرين من أيار/مايو عام 2014.
أمام خيبَاتِ الأيام، ظلَّ يَتنَقلُ بين الكِتابة والرَّسم لِيُسجِّلَ هذا القَلق عبر الحرف واللَّون، من دون أن يتخلى عن إنسانيته الشفافة، على الرغم من التعب والمرض، وظل معانقا للكتابة، وفيا للقصيدة التي منحته حياة فريدة، رغم المثبطات، لكنه استعان على قسوة الحياة بحنان الشعر ولذاذته، فكان الغداء والبلسم ومعنى الوجود.

٭ أديبة مغربية ـ بلجيكا

البلجيكي جان كلود بيروت: شاعر التيه والهرب

سناء بلحور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية