طرابلس (شمال لبنان) – جوزيف سلوم: حبها لطرابلس وشغفها بآثار هذه المدينة القديمة، جعلها تسهم في تعريف الناس اليها، من خلال جولات سفر بين تاريخها القديم والمعاصر. بدءًا من الحقبات القديمة في رحلة زمنية حتى أيّامنا هذه.
ميرا منقارة، إبنة طرابس التي تخرّجت من الجامعة اللبنانية، متخصصةً في الإرشاد السياحي، والتي عملت في هذا الحقل منذ العام 2002، عادت في مشروعها لتعريف الناس على المدينة في نيسان/ أبريل من العام 2014. المدينة التي لطالما إعتبرت مهمشة بسبب ما صورّه الإعلام عنها، من خلال التركيز على المعارك التي تحصل فيها. وهي على عكس ذلك، مدينة مليئة بأحداث وقصص تاريخية جميلة يعود عمرها إلى القرن الثالث عشر. تقول ميرا: «لقد حزنت كثيرًا إلى ما آلت إليه المدينة من الوضع المتردي جرّاء المعارك العنيفة»، وأضافت:» بعد توقف المعارك، وجدت الفرصة إلى إحياء مشروعي السياحي في المدينة لتعريف الناس على جمالها وتاريخها».
بدأت جولات الشابة الثلاثينية من خلال دعوة وجهتها عبر صفحتها على فيسبوك»Mira’s Guided Tours» إلى جولة سياحية في طرابلس القديمة، وقد ضمّت الجولة الأولى ما يقارب الـ25 شخصًّا توزعّوا بين لبنانيين وأجانب مقيمين في لبنان يريدون التعرف على المدينة. في الأسواق القديمة، تأخذ ميرا زوّارها في رحلة عبر التاريخ. من حمام عز الدين الذي يعود إلى القرن الثالث عشر، إلى الحمامات الأخرى القديمة التي تضمّها المدينة كحمام النوري وغيرها، بالإضافة إلى الأماكن التي تعود إلى حقبة المماليك والعثمانيين والتي تشكّل جزءاً لا بأس به من تاريخ المدينة. بالإضافة إلى ذلك، تأخذ ميرا زوّارها في جولة على المساجد والكنائس في المدينة القديمة كما في المينا، والمداراس والخانات، هذه الخانات تضم قصصًا عن صناعات من عمر نشأتها، والتي ما زالت تحافظ على إستمراريتها، ما يميّزها عن باقي المدن اللبنانية.
لا تقتصر جولاتها ميرا على المدينة القديمة، بل تتضمن أيضًا معرض رشيد كرامي والمينا ومحطة القطار القديمة. إختيار المعرض هو بسبب طلب الناس لمعرفة ما هو المعرض وماذا يضم، فأهميته معرض تكمن بجمالية هندسته. المشروع الذي يحمل توقيع أحد أهم المنهدسين المعماريين البرازيلي الأصل أوسكار نيماير، لا يستقطب الكثير من الناس لزيارته كمعلم سياحي بقدر ما يزوره مُخططو المُدن والمعماريون. تقول ميرا منقارة في هذا السياق: «لقد تطلّب موضوع إقامة المشروع السياحي جهدًا كبيرًا، وقد أخذ وقتًا لا بأس به من البحث خصوصًا عن معرض رشيد كرامي» وتضيف :» إن الناس يتجهون دائمًا إلى المدينة القديمة ولا يعرفون الكثير عن طرابلس الحديثة، بالإضافة إلى كون مهندس المعرض أحد أهم المهندسين المعاضرين.» كما تحدثت ميرا عن محطة القطار القديمة وارتباطها بتاريخ لبنان وليس فقط بتاريخ المدينة فحسب، والتي تتخذ من خلال جولتها فرصة لتعريف الناس عن تاريخ سكك الحديد في المنطقة.
في الجولة أيضًا وجبة غداء من أشهر الأطباق الطرابلسية. في سياق حديثها عن الجولة تقول ميرا: «أحب هذه المدينة، وأنزعج كثيرًا من تشويه صورتها.» وتضيف:» إذا ما كان لهذه الجولات هدف، ألا وهو تعريف الناس على جماليتها وكسر الصورة النمطية والتهميش التي تتعرض له».
لم تجد الشابة طبعًا، دعمًا من وزارة السياحة أو الآثار، فالأولى وفي سياق تعريفها للسياح على لبنان من خلال حملة إعلانية قامت بها الوزارة في الأشهر القليلة الماضية، كانت قد إستثنت طرابلس منها، مهمشةً أهمية المدينة على الصعيد التراثي. تشير منقارة : « لا أنتظر دعمًا من أحد، فأنا أقوم بعملي بسبب شغفي لتعريف الناس على مدينتي التي أحب».
تصف ميرا هذه الجولات بأنها «العودة إلى طرابلس»، تبدو الشابة فرحة بما تقدّمه، واصفةً بالإنجاز؛ تعريف من يجهلون هذه المدينة، على تاريخها القديم والمعاصر. تجد ميرا نجاحها بفرح الناس بسفرهم في أزقة هذه المدينة وشوارعها، مع الرائحة المنبعثة من خان الصابون والصوت الذي يخرج من سوق النحّاسين.
لطرابلس ما يميّزها، رغم محاولات كثيرة لتشويه صورتها، لكن المدينة تعود من جديد ولكن ليس بفضل مشروع سياسي أو خطة أمنية، بل بجهود شبان وشابات مثل ميرا، أرادوا إعادة الحياة السياحية إلى مدينة جميلة ظُلمت بتهميشها.