القاهرة ـ «القدس العربي»: أثار قرار الحكومة زيادة أسعار الأدوية، بنسبة 20٪ للأقل سعرا من 30 جنيها للتغلب على اختفاء 4 آلاف دواء رخيص السعر من السوق المصري بسبب عدم قدرة الشركات المحلية على الإنتاج، غضب واستياء الرأي العام المصري.
وتعود أزمة اختفاء بعض الأدوية من السوق لعدة أسباب، أبرزها ارتفاع سعر الدولار الذي تجاوز الـ11 جنيها مؤخرا، ما ضاعف أسعار المادة الخام التي نستورد حوالي 95٪ منها، بالإضافة إلى انتشار مافيا الأدوية وانتعاش السوق السوداء، ليفاجأ المريض بكارثة زيادة أسعار الأدوية بنسبة تجاوزت المعلن 20٪، لتصل في بعض الأدوية إلى 200٪.
وكان الدكتور أحمد عماد، وزير الصحة، أعلن «إن تحريك سعر الأدوية يصب في مصلحة المواطن وكانت للحكومة أسبابها».
وأضاف «أن الحكومة ستسحب قرار الزيادة بعد ثلاثة أشهر ما لم تلتزم الشركات بتوفير الأدوية الناقصة والرخيصة في متناول المواطن البسيط خلال تلك الفترة.»
وأوضح «أن ارتفاع أسعار الدولار والمواد الخام تسببت في إغلاق شركات أدوية محلية، وأثر ذلك على إنتاج الأدوية والمحاليل حتى أن أحدى مستشفيات محافظة بني سويف أغلقت، لذا فكرنا في تحريك الأسعار».
وتابع: «وجدنا أن الحل تحريكها لـ 20٪ من صفر حتى 30 جنيها، وكانت 65٪ من الزيادة للأدوية لذات الأسعار القليلة، ومن 20 لـ 30 جنيها بنسبة 10٪، وانتظرنا مردود القرار خلال 5 أيام، ووجدنا ان الزيادة كانت بالشريط وليس العبوة مثل القرار، وأحيانا بحد أقصى، وتم التصويب أن يكون على العبوة لما فيها من شرائط وبحد أقصى 6 جنيهات».
وعبر بعض أصحاب الصيدليات عن الصدمة الشديدة من مساومة بعض شركات الأدوية المواطنين على توفير بعض الأنواع غير الموجودة في السوق مقابل رفع الأسعار، خاصة أن التسعيرة الجبرية تحقق خسائر كبيرة لهم.
وقال الدكتور محمد سعودي، وكيل نقابة الصيادلة، في تصريحات لـ«القدس العربي»، أن «قرار ارتفاع أسعار الأدوية يعد عشوائيا، بالرغم من احتياج سوقها إلى مثل هذا القرار إلا ان طريقة صدوره عشوائية للغاية، وهدف القرار هو تحقيق الكثير من الربح للشركات المصنعة لتلك الأدوية».
وأضاف «لم تكن المرة الأولى التي حدثت فيها زيادة في أسعار الأدوية، ولكنها الأولى التي يزيد فيها عدد الأدوية التي انطبقت عليها زيادة الأسعار إلى 7000 أو 8000 صنف».
وأكد «ان القرار تم استغلاله بشكل واسع ويعتبر حلما كبيرا للشركات المصنعة ولكن كان لابد من استثناء المزمنة مثل أدوية الضغط والسكر من القرار».
وأوضح «ان ارتفاع أسعار الدولار بشكل كبير والضغط الذي تتعرض له الدولة من أصحاب الشركات بسبب شكواهم المستمرة وادعائهم بانهم يتعرضون للخسارة، دفع الدولة إلى اتخاذ مثل هذا القرار وبهذه الطريقة الخاطئة».
وأضاف «نحن لسنا ضد القرار بصورة كاملة ولكن زيادة أسعار 7000 صنف من الدواء مرة واحدة؟ وهذا لا يدحض أن هناك بعض الشركات تتعرض للخسارة في بعض الأصناف وهناك شركات في حاجة إلى زيادة أسعارها في بعض منتجاتها، ولكن ما تم هو تطبيق عشوائي».
وأكد «بعد هذا القرار لا توجد أي حجة من الشركات المصنعة في قيامها بتوفير الأدوية للمواطنين، وهذا القرار سيقضي بشكل كبير على مشكلة نقص الدواء، مع التأكيد على تطبيق ما يخص الصيادلة من زيادة الخصم النقدي».
ويؤكد المختصون في صناعة الدواء أن الخسائر التي تكبدتها شركات الأدوية قبل تحريك الأسعار كانت بالملايين بسبب ارتفاع سعر الدولار، موضحين أن تلك الخسائر كانت ستؤدي إلى توقف صناعة الدواء في مصر بسبب نقص المواد الخام، ما سيضر بالمريض.
كما حمّلت نقابة الصيادلة وزارة الصحة والإدارة المركزية للصيدلة، كامل المسؤولية عن تضارب ونشر معلومات خاطئة عن أسعار الأدوية، مؤكدة أنها المرة الأولى في التاريخ يحدث تحريك أسعار الدواء من دون رؤية أو استراتيجية لتنفيذ القرار.
وأوضح الدكتور أحمد فاروق شعبان، رئيس لجنة الصيدليات في نقابة الصيادلة والأمين العام للنقابة، أن وزارة الصحة هي المسؤولة بالكامل عن تضارب الأسعار.
وأكد، للمرة الأولى في التاريخ يتم تحريك سعر الأدوية بهذه العشوائية، إضافة إلى عدم وجود جداول بالأدوية التي أعيد تسعيرها، كما أنه وللمرة الأولى تنشر الإدارة المركزية للصيادلة قائمة أسعار في جريدة رسمية «الأهرام» ولا تعتد بها بسبب الأخطاء الكارثية في فرق التسعير.
ومن جانبه، أكد الدكتور محيي الدين عبيد، نقيب الصيادلة، «أن قرار الحكومة تعديل أسعار الدواء جاء في إطار إصلاح المنظومة الدوائية بشكل لا يؤثر على المريض»، موضحًا أن هناك أنواعا تم تسعيرها في عام 1995 ولم تشهد أي تغيرات.
وأضاف، «كان يوجد دواء مستورد بـ 85 جنيهًا ومثيله المصري بـ 7 جنيهات»، لافتا إلى أنه تم رفع الدواء المصري إلى 9 جنيهات، وتخفيض المستورد إلى 30 جنيها.
وقال الدكتور محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء:»إنهم فوجئوا أن الأصناف التي سيتم رفع سعرها بنسبة 20٪ تمس شرائح أصحاب المعاشات القليلة والأمراض المزمنة الذين سيدفعون أضعاف ثمن الأدوية التي يستخدمونها» موضحا أن 72٪ من الـ13 ألف نوع دواء مسجل في الصيدليات، سوف يزيد سعرها.
وقال الدكتور أحمد العزبي، رئيس هيئة صناعة الأدوية، إنه لا يوجد ما يسمى بالدواء الغالي والرخيص، حيث إن صناعة الدواء واحدة على مستوى العالم بالمواد الخام وطريقة التركيب، والمختلف فقط التسعيرة.
بينما أعلنت لجنة الصحة في حملة «مين بيحب مصر» عن استيائها جراء قرار زيادة أسعار الأدوية.
وفي بيان للحملة، أكد الدكتور عمرو سليم، رئيس لجنة الصحة في الحملة، «أن قرار ارتفاع أسعار الأدوية يصب في مصلحة الشركات وضد المواطن البسيط، ويخلو من مبادئ تكلفة الإنتاج، وهامش الربح المعقول للشركات والموزع والصيدلي».
وأشار البيان، إلى أن «الشركات امتنعت عن بيع الأدوية للصيدليات لحين استقرار الأسعار وبيع المخزون بالسعر الجديد، في حين أن القرار يشمل تشغيلات الأدوية التي تلحق القرار، كما أن شركات التوزيع تتعمد تغيير الأسعار في فواتير الشراء على عكس سعر الدواء على المدون على العلبة، بما يعتبر غشا تجاريا يحاكم عليه القانون».
ووجه سليم في نهاية البيان، خمس نصائح للمريض المصري بعد غلاء أسعار الأدوية، أولها: أن يكون الدواء مسعر جبريًا بقوة القانون، لذا اطلع على فاتورة شراء الدواء قبل شرائه بالسعر الجديد، ثانيا: الصيدلي هو الخبير الأول للدواء فاسأله عن مثيل الدواء الأرخص (المادة الفعالة نفسها باسم تجاري مختلف)، ولا تبحث عن خصم للأدوية فهي قد تكون من مصدر غير موثوق منه، ولا تشتري الأدوية من غير الصيدليات المؤهلة لذلك كالعيادات ومراكز الخصوبة والنحافة فهي خارج نطاق المراقبة والتفتيش الدوري، وتوجه لإدارة الصيدلة بمديريات الصحة بمحافظتك وحماية المستهلك عند الشكوى.
وأبدى الكثير من المواطنين غضبهم من قرار ارتفاع أسعار الأدوية، مؤكدين أن الزيادة لن تخدم المواطنين البسطاء خاصة محدودي الدخل، فيما عبر أحدهم عن استيائه الشديد، قائلًا: «العملية جايبة آخرها»، مؤكدًا أن والدته توفيت بسبب نقص الدواء في أحد المستشفيات، لافتًا إلى أنه يجب توافر العلاج بسعر مناسب للجميع.
ورأى آخر: «أن الأهم هو الحصول على الدواء لعلاج المرضى وليس سعره، لكن هناك الكثير من المواطنين لا يستطعيون شراءه، لذا يجب مراعاة الفقراء وإذا أردنا رفع أسعار الدواء لابد من زيادة المرتبات».
والجدير بالذكر، أن الدكتور أحمد عماد الدين، وزير الصحة، كان أعلن الأسبوع الماضي، «إن مجلس الوزراء وافق على رفع أسعار الأدوية التي يقل سعرها عن 30 جنيها بنسبة 20٪».
وقال «إن رفع أسعار الأدوية المحلية 20٪ جاء لمصلحة المريض في الدرجة الأولى لضمان توفير الأدوية ذات السعر المنخفض، مقابل عدم اللجوء إلى البديل المستورد بأسعار باهظة». مضيفا: «القرار جاء لإنقاذ الصناعة القومية للأدوية من الانهيار بسبب فرق سعر التكلفة عن سعر البيع».
وأوضح «أن هناك 4 آلاف دواء غير متوفر في السوق المحلي من 12 ألف صنف دواء هي عدد أصناف الأدوية في السوق المصرية» مشيرا إلى أن الشركات المحلية لإنتاج الأدوية لم تعد قادرة على تصنيع الأدوية رخيصة الثمن لأن ثمن إنتاجها أصبح مرتفعا بينما أسعارها منخفضة للغاية، لافتا إلى أن البديل هو لجوء المريض إلى شراء الأدوية المستوردة مرتفعة الثمن.
وأضاف «إن جميع الشركات مطالبة بختم الأدوية بباركود لإمكان تتبع الغش الدوائي لأول مرة في السوق المصرية»، منوها إلى الاتفاق بين وزارات الصحة والتموين والإنتاج الحربي لتوفير الأجهزة لشركات الدواء التي ستفعل منظومة الباركود لمنع الغش التجاري.
محمد علي عفيفي