الرباط ـ «القدس العربي»: عند سفوح جبال الأطلس المتوسط تقع مدينة صفرو جنة الكرز أو زهرة الأطلس أو حديقة المغرب الغناء كما تلقب، أحدى أقدم المدن المغربية تقع على بعد 28 كلمترا جنوب شرق مدينة فاس. وفضلا عن تاريخها وعراقتها، حبتها الطبيعة بأجمل الوديان والضيعات والحدائق محاطة بغابات الأرز وعلى حقولها تنبت أنواع عديدة من الفواكه كالأجاص والتفاح والكرز الذي تشتهر بأجود أصنافه وحملت اسمه وتضم أقدم مهرجان في المغرب على الإطلاق يمجد هذه الفاكهة التي تسمى في المغرب «حب الملوك».
وتشير وثائق تاريخية إلى أن صفروا أقدم من مدينة فاس ثاني أكبر مدن المغرب المدينة الممتدة لأربعة عشر قرنا إلى الوراء. حيث يقال إنه في الوقت الذي كانت فيه مدينة فاس مجرد قرية صغيرة كانت صفرو مدينة عالية الأسوار والأبواب. ويحكى أن المولى إدريس الثاني مؤسس مدينة فاس قال قولة شهيرة: «سأرحل من مدينة صفرو إلى قرية فاس» وهي المقولة التي ما زال يفخر بها سكان صفرو ويواجهون بها كل من استصغر من شأن المدينة وقدم عليها مدينة فاس. وورد في كتاب «روض القرطاس» لابن أبي الزرع أن السلطان المولى إدريس كان قد أقام في حي في المدينة أطلق عليه اسم «دشر حبونا»، وشهد خلال مقامه كرم وطيبة أهل المدينة لذا فالمتجول في دروبها وأحيائها العتيقة يستشعر عبق الماضي ويستشف جليا أنها مدينة أعرق مما قد يتصور المرء رغم ما يصفه بعض ساكنتها بالظلم الذي لحقها بسبب انصراف الأضواء عنها نحو الجارة فاس.
من الكهوف نحو العمران
يقول لغويون أن اسم صفرو كان بداية أصفراو وتعني باللغة الأمازيغية المنطقة المقعرة. فجغرافيا هي منبسط بعد ارتفاع جبال الأطلس التي تكسوها ثلوج سرعان ما تصير وديانا وشلالات تسقي أراضي صفرو. وتشتهر المدينة بكهوف عميقة نحتتها الطبيعة في سفوح الجبال واتخذها أول سكان المدينة مستقرا ساعدهم في ذلك خصوبة الأرض ووفرة المياه. ولا تزال هذه المغارات لحد اليوم قائمة وتعد من آخر المغارات الآهلة بالسكان في القرن 21 سيما في منطقة البهاليل التابعة لصفرو والتي شكلت أول تجمع بشري للمدينة قبل أن تظهر أول نواة عمرانية على شكل قلعة في النصف الثاني من القرن السابع ميلادي. ويقطن كهوف البهاليل حوالي 100 عائلة ورغم أن الدافع الأكبر لاستيطانهم لها هو الفقر وأزمة السكن غير أن بعض تلك العائلات عملت على تجهيز كهوفها بشكل يليق باستقبال السياح الذين تستهويهم فكرة تجريب السكن في مغارة، وعمل جل سكان القرية على بناء طوابق إضافية تعلو الكهوف بشكل جعل من المنطقة أشبه بلوحة فنية فريدة زادها جمالا ألوان البيوت الزاهية والجسور التي تربط أزقتها التي تحتاج مجهودا بدنيا لصعودها فيما يبدو المشهد ككل كلوحة من أعلى قمة جبل كندر الذي يعد أعلى قمم البهاليل.
وتشتهر نساء قرية البهاليل بحياكة الزرابي التقليدية وبصناعة «العقاد» أي أزرار القفاطين والجلابيب التقليدية المصنوعة بطريقة تقليدية بخيوط حريرية ملونة ومذهبة وهي حرفة تقليدية تستلزم الدقة والصبر وساعات عمل طويلة تقضيها نساء المنطقة في أزقتها الضيقة فيما يعمل الرجال في الضيعات المجاورة وفي حقول أشجار الأرز والزيتون المنتشرة بكثافة.
أورشليم الصغيرة
أطلق عليها شعراء وكتاب تسمية الجزء الفلسطيني في المغرب لأنها محاطة بأكبر غابات الزيتون والأرز وتنتشر في حقولها وحدائقها أعشاب عطرية على رأسها الزعتر البري برائحته النفاذة، لكنها عرفت أكثر عبر التاريخ بلقب أورشليم الصغيرة الذي أطلقه عليها اليهود المغاربة حيث اشتهرت قديما بتواجد نسب مهمة من المغاربة من ديانة يهودية. فبحكم موقعها الجغرافي في العصر الوسيط كمحطة تمر منها القوافل التجارية القادمة من شمال المغرب والمتجهة نحو مدن تافيلالت وسجلماسة وبحكم خضرتها ووفرة مياهها اختارها تجار يهود كمستقر لهم وشيدوا بها حيا يهودي خاص بهم لازال قائما إلى اليوم ويعرف ب «الملاح» وكللوا إقامتهم فيها بتشييد أسواق ومحلات تجارية فازدهرت بذلك تجارتها وتوسع عمرانها وأصبحت على مدار قرون نموذجا مغربيا للتسامح والتعايش بين الديانات، غير أن رحيل جل اليهود المغاربة بعد موجات الهجرة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة ترك في قلب الصفريوين غصة من رحيل جزء من هوية المدينة. ويحكي لـ «القدس العربي» بمرارة أحد تجار السوق القديم، حكاية يهودي مغربي فضل البقاء في صفرو رغم إغراءات الهجرة وكان أشهر من يصنع حلويات «الشباكية» الخاصة بشهر رمضان الفضيل في المدينة في مثال واضح على التعايش والمودة التي جمعت يهود ومسلمي المدينة لكنه رحل إلى دار البقاء قبل سنتين.
من اهرموموا إلى «رباط الخير»
تحيط بصفرو مدن صغيرة تابعة لها إداريا وتحمل عبر تاريخها أحداثا سياسية طبعت المغرب خصوصا «رباط الخير» التي عرفت قديما باهرمومو المطلة على ثاني أعلى جبل في المغرب بعد قمة توبقال وهو جبل بويبلان المرتفع عن سطح البحر بأكثر من 3000 متر ويعرف توافد عدد كبير من السياح من هواة التزحلق وتسلق الجبال لاحتفاظه بالثلوج طيلة فصل الشتاء والربيع . وأهرموموا كلمة أمازيغية تعني «الأسد الصغير» هي أول منطقة في المغرب تحتضن مدرسة عسكرية لتكوين ضباط الصف في افريقيا سنة 1952 من طرف فرنسا التي اتخذتها مكانا لتخزين العتاد والأسلحة زمن خضوع المغرب للحماية الفرنسية. وتخرج منها عدد كبير من رجالات الدولة في المغرب، لكنها أغلقت تماما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في مدينة الصخيرات على الملك الراحل الحسن الثاني في تموز/يوليو 1971 حيث قام الجنرال محمد اعبابو مدير المدرسة آنذاك بالمحاولة الفاشلة التي جرت في مدينة الصخيرات نواحي مدينة الرباط العاصمة مستعينا بطلبة مدرسة اهرموموا. ومنذ ذلك الحين تم تغيير اسم اهرمومو إلى «رباط الخير» وأغلقت المدرسة تماما فيما دخلت البلدة الصغيرة بعد تلك الأحداث طي النسيان. لكنها وبعيدا عن الجانب السياسي والعسكري الصارم من تاريخها تعد الآن محطة سياحية لعشاق الطبيعة والغابات والشلالات المتدفقة رغم بعض الإهمال الذي تعرفه على مستوى البنى التحتية وقلة الوحدات الفندقية. فيما يعيش أهلها على الزراعة وخيرات الأرض .
عيون في محيط صفرو
تموقع صفرو على سفح الجبال جعل مياهها وفيرة ووديانها لا تجف طوال السنة. فبلدة «العنوصر» مثلا تشتهر بعين للمياه المعدنية على ضريح سيدي علي بوسرغين الذي يقصده الزوار من كل حدب وصوب طلبا للبركة وللزوج المتأخر أو للإنجاب بالنسبة للعقيم. لكن العديد من زواره يقصدونه تحديدا لأن مكانه على قمة جبل يوفر رؤية بانورامية لمدينة صفرو بغاباتها وبلداتها الصغيرة المجاورة التي تذكر أهل المدينة أنها كانت يوما مدينة حقيقية فيما فاس المجاورة كانت مجرد قرية. وتمتد عيون الماء المعدنية والكبريتية المعالجة للأمراض الجلدية على امتداد سفوح الأطلس ضواحي صفرو مثل «عين الله» الشهيرة بمعالجة داء العيون وحامة مولاي يعقوب الشهيرة وعين «سيدي حرازم» و»عين الشفا» و»عين أيفران» وغيرها.
أسوار ومساجد
لطبيعتها الجغرافية المنبسطة ولعبها دور ملتقى للقوافل التجارية كان لزاما أن تحاط صفرو بالأسوار التي تحمي سكانها ومن يمر عبرها من تجار وقوافل. ومن أشهر هذه الأسوار سور الغديوة وبني مدرك وسور عرسة الدار. وتتخلل هذه الأسوار أبواب ضخمة أشهرها باب المقام، وسط المدينة الذي تقابله ساحة كبيرة تعد ملتقى للحفلات والتظاهرات الفنية التي تحتضنها المدينة. وهناك باب ستي وباب المجلس وباب زمغيلة. ولأن الأسوار تحيط عادة بالمدن القديمة حيث التجمعات السكانية والنشاط الاقتصادي وكل أشكال الحياة، فهي تتوفر على أبراج وحصون دفاعية ما زال بعضها قائما في صفرو. وكانت وزارة الثقافة المغربية أطلقت السنة الماضية مشروع صيانة وترميم مآثر وأسوار صفرو شملت كل أسوار وأبراج المدينة وأيضا بلدة البهاليل المصنفة تراثا وطنيا والشهيرة بكهوفها وشملت باب لغريس وباب الدرب الكبير وباب الزاوية الناصرية.
ومن أهم معالم المدينة التاريخية هناك «المسجد الأعظم» أو «الجامع الكبير» وهو أحد رموزها الدينية ويعود بناؤه إلى عهد السلطان مولاي سليمان العلوي قبل سبعة قرون حيث شكل منارة دينية وشرعية وفكرية ومركزا لتعليم أصول الدين والفقه والشريعة ويتميز بهندسته المغربية الأصيلة وصومعته الشاهقة.
الزوايا والأضرحة
صنع شهرة صفرو التاريخية أكثر التعايش بين مختلف الديانات والأعراق وتوارد أولياء صالحين وزوايا دينية صوفية طبعها نهج التسامح وتقبل الآخر المختلف منها، على سبيل المثال لا الحصر زاوية مولاي علي الشريف التي تأسست سنة 1728 بقصد استقبال علماء تافيلالت. وزاوية سيدي أحمد بنعيسى التي بنيت سنة 1730م من طرف الطائفة العيساوية وزاوية سيدي لحسن بن أحمد، التي تأسست في القرن 18 ويوجد فيها ضريح سيدي لحسن وتشتهر بإحياء ليلة المولد النبوي بذكر القرآن والمدائح النبوية. ويقصدها عدد كبير من الزوار خاصة في المولد النبوي وأيام الجمعة. ومن الزوايا الشهيرة زاوية سيدي عبد القادر الجيلالي، وهو ولي صالح يقصده المهمومون ومن يحملون آمالا تأخرت أو أمنيات لم تتحقق. وتعرف المدينة أيضا بأضرحتها التسعة أشهرها سيدي بومدان وسيدي أحمد التادلي، وسيدي علي بوسرغين.
مهرجان «حب الملوك»
يصفونه بقيدوم المهرجانات أو شيخ المهرجانات في المغرب. بدأت أولى دوراته سنة 1919 بمناسبة جني فاكهة الكرز أو حب الملوك التي تتم خلال شهور حزيران/يونيو وتموز/يوليو وهي فاكهة تشتهر بها مدينة صفرو والنواحي وأهم ما يميز الاحتفال هو اختيار ملكة جمال حب الملوك ووصيفاتها سنويا. وكانت فكرة الاحتفال بالكرز قبل أكثر من 100 سنة تقوم على تنظيم موكب استعراضي يجوب شوارع وأحياء المدينة تتخلله فرق وفقرات فنية وعربات تستعرض كميات من فاكهة الكرز ويتقدم الموكب دمية من القش قبل أن تصبح امرأة حقيقية، وذلك تماشيا حينها مع أعراف وتقاليد المدينة المحافظة التي ترفض تقدم امرأة مكشوفة في أبهى حللها الموكب الاستعراضي. غير أنه مع خضوع المغرب للحماية الفرنسية ومجيء حاكم فرنسي للمنطقة أعجب بتقليد استعراض حب الملوك وقرر تطوير الفكرة وله يعود الفضل في تطور فكرة مهرجان حب الملوك وتعويض دمية القش إلى ملكة حقيقية وهو حاكم المدينة آنذاك الفرنسي بيير سوغان، الذي استلهم فكرة الاحتفال بفاكهة حب الملوك من مهرجان مماثل تنظمه بلدة «أولفي» في ضواحي مدينة تولوز الفرنسية التي تشتهر بزراعة الفاكهة نفسها حيث استنسخ بيير سوغان فقرات مهرجان أولفي بما فيها فقرة تتويج الملكة كل سنة، وذلك سنة 1934 حيث أصبح رسميا يحمل اسم «مهرجان حب الملوك» وأول ملكة توجت كانت فرنسية تدعى سوزان برنار، ولأن المدينة عرفت قديما بأورشليم الصغيرة لوجود نسبة مهمة من اليهود المغاربة قبل هجرتهم إلى إسرائيل كانت تتنافس على اللقب فتيات مسلمات ويهوديات ومسيحيات وكان الاختيار يتم عبر مبدأ التناوب بين فتيات الديانات الثلاث. فشكلت بذلك المدينة نموذجا للتسامح والتعايش بين الديانات الثلاث. لكن مع استقلال المغرب عن فرنسا سنة 1956 ورحيل يهود المدينة انحصر اختيار الملكة بين سكان المدينة قبل أن يفتح باب الترشيح في دورات لاحقة أمام فتيات كل المدن المغربية. حيث يشترط المنظمون أن تتوفر إضافة على جمال الشكل التكوين العلمي والمستوى الثقافي والقدرة على الانخراط في العمل الجمعوي لصالح نساء وشباب وأطفال المنطقة. ومع تطور المهرجان واكتسابه إشعاعا دوليا تم ابتكار وسائل احتفال جديدة تماشيا مع التغيير الذي عرفه المجتمع المغربي، حيث أصبح أكثر تنظيما بسبب تضافر جهود السلطات المحلية، والإقليمية والمصالح الخارجية والفاعلين في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية وشركاء مؤسساتيين، وبدعم من مؤسسات وشركات من القطاع الخاص والعام. فيما انضافت إلى وصيفات الملكة الاحتفال بعروس عربية وعروس أمازيغية على إيقاع أهازيج وفلكلور مغربي عريق، قبل أن يجبن شوارع المدينة في عربة مكشوفة مزينة بأيادي الصناع التقليديين ويوزعن فاكهة الكرز على الجمهور. وتستمر الاحتفالات مدة أربعة أيام تشمل أيضا موكب مشاعل شموع ومنصات حفلات يحييها فنانون مغاربة مثل أسماء المنور وحاتم عمور وأحمد شوقي وسعد المجرد. ومع تحول المهرجان إلى حدث فني عالمي شاركت فيه فرق فنية من مختلف دول العالم فضلا عن قدمه وصموده ومكانته التاريخية رغم أن المغرب يزخر بمئات التظاهرات والمهرجانات الفنية، حظي قبل أربع سنوات بتصنيفه من طرف منظمة اليونسكو كثرات عالمي للإنسانية.
ورغم زخم التاريخ وخصوبة الجغرافيا من سهل وجبل وأنهار ومياه وشساعة المساحة. ورغم اختلاف التسميات من حديقة المغرب إلى زهرة الأطلس لكن صفرو تتخذ في مخيال مغاربة باقي المدن شكل فاكهة الكرز الحمراء الشهية. فهي عاصمته وحديقته وأول ما يستقبلك عند زيارة المدينة التي تبدو للوهلة الأولى صامتة وديعة فيما تاريخها البعيد يشهد بالفعل أنها كانت مدينة صاخبة حين كانت فاس مجرد قرية.
أحلام يحيى