الاستراتيجية الأمريكية لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» لا تتضمن تحرير الرقة حاليا

حجم الخط
2

واشنطن ـ «القدس العربي»:تحظى مدينة الرقة باهتمام استثنائي في لعبة الصراع في سوريا، فهي رمز للثورة ضد حكم الرئيس السوري بشار الأسد والعاصمة الفعلية لتنظيم «الدولة الإسلامية» وهي ستحدد المنتصر الفعلي للحرب الدموية بين أطراف النزاع الذين يتلهفون لدخول المدينة، حيث تتنافس قوات النظام المدعومة بغطاء جوي روسي كثيف والميليشيات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة للاحتفال بالقضاء على المعقل الأهم للجماعة المتطرفة في سوريا وبالتالي إكتساب المزيد من الشرعية في الحرب الأهلية.
ولإدراك خطورة تداعيات نتائج معركة الرقة، علينا الاعتراف بان نجاح قوات الدفاع الذاتي الكردية في استعادة السيطرة على المدينة سيعني الكثير في الطريق إلى انشاء دولة كردية في المنطقة، علما ان الميليشيات الكردية قد تمكنت بالفعل من اقتحام العديد من القرى والبلدات التي تسيطر عليها جماعة «الدولة» ومن بينها قرى لا تبعد أكثر من 30 ميلا عن المدينة المحاصرة. وفي الجانب الآخر، فإن الدول الغربية بما في ذلك الولايات المتحدة ستضطر للتعامل مع نظام الأسد وستتراجع عن مواقفها السابقة إذا حقق جيش النظام انتصارا في مدينة الرقة،وهذا يعني بالتالي اعترافا بدور روسي في المنطقة بعد ان أثبتت الضربات الجوية بانها الدافع الرئيسي لتقدم الجيش النظامي السوري نحو المدينة ناهيك عن المساعدات اللوجستية التي قدمتها للقوات البرية. ومن الواضح، كما لاحظت منصات إعلامية أمريكية مدى حماس النظام السوري الذى بدأ يتفاخر باقتراب وحداته العسكرية من المدينة، أما عناصر التنظيم الذين وجدوا نفسهم بين فكي كماشة من الشمال والجنوب، فقد تحركوا إلى مناطق آمنة داخل المدينة.
والسؤال الذي يناقشه العديد من المحللين في مركز بحوث الشرق الأوسط الأمريكية هو من سيفوز في معركة الرقة، القوات الموالية لموسكو أو تلك الموالية لواشنطن؟ وبغض النظر عن الإجابة، فإن الولايات المتحدة تواجه بالفعل هذه الأيام مهمة صعبة للغاية، فنجاحها سيعتمد على قدرتها في الحصول على مزيد من قوات المعارضة. ووفقا لما قاله كابتن البحرية جيف ديفيس، فإن وزارة الدفاع تدرس العديد من المقترحات للتسريع في هزيمة التنظيم عبر تمكين القوات المحلية وخاصة قوات الجبهة الديمقراطية السورية.
وتترافق حملة الرقة مع حملات أخرى كبيرة تستهدف القضاء على التنظيم، حيث تستعد القوات العراقية المدعومة من الولايات المتحدة لاستعادة مدينة الفلوجة بينما تستعد الميليشيات الكردية لحصار مدينة منبح التي تعد بمثابة طريق الإمداد بين تركيا وسوريا.
إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بدورها معروفة بأنها تنفذ استراتيجية ضعيفة للغاية في سوريا، حيث تراجعت واشنطن عن مواقف سياسية بشأن الصراع السوري، كما تراجعت أيضا، عن برامج عسكرية فاشلة مثل تسليح وتدريب جماعات المعارضة، وعلى الأرجح، فإن ترددها في تقديم الدعم للهجوم على مدينة الرقة خشية استفادة الحكومة السورية بالكامل من نتائج المعركة، سيضيف علامة جديدة على سجل الولايات المتحدة في الشأن السوري. وقد برز التردد الأمريكي بخصوص الرقة مثلا في عدم تحديد جدول زمني، حيث رفض المسؤولون الأمريكيون تماما رسم معالم جدول زمني لاقتحام الرقة على النقيض من وزير الدفاع الفرنسي جان ايف الذي قال ان عملية استعادة الرقة والموصل يجب ان تحدث قبل نهاية العام الجاري، مشيرا خلال زيارة سابقة إلى بغداد إلى أن تحرير الموصل والرقة سيعتبر نقطة تحول كبيرة في المعركة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».
وفقا لقراءة دقيقة لـ «القدس العربي» بشأن معركة الرقة، فإن الولايات المتحدة لم تشمل استعادة مدينة الرقة في المرحلة الثانية من الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» بل كان هناك تركيز على تفكيك أوصال «دولة الخلافة» وحصار معاقل الجماعة. وهذا الاستنتاج، يتضح تماما من خلال أقوال الكولونيل ستيف بروان المتحدث باسم قوات التحالف، إذ قال في وقت سابق، ان تحقير التنظيم في المرحلة الأولى وتفكيك الدولة المزعومة للخلافة في المرحلة الثانية، سيؤدي بالتأكيد إلى هزيمة الجماعة في المرحلة الثالثة. مؤكدا ان القتال في سوريا سيتركز في المرحلة الثانية على عزل الرقة من خلال التقاط المزيد من القرى المجاورة لكي يتم قطع طرق امدادات التنظيم بشكل نهائي في سوريا، وهذا يفسر الاهتمام الكبير بإستعادة مدينة منبج. وكما هو واضح تماما، فالرجل لم يعلن وجود نية أمريكية لاستعادة المدينة خلال هذه المرحلة، وبالتأكيد فإن هذه الوتيرة البطيئة جدا في التحرك ستعني السماح لقوات الأسد بالإندفاع نحو المدينة وتحقيق انتصار مع دعم علني لحزب الله والميليشيات الشيعية والحرس الثوري الإيراني إلا إذا كانت هنالك صفقة خفية بين موسكو وواشنطن بخصوص ذلك.
هذا الاستنتاج لا يصل إلى حالة من القناعة الأكيدة بعدم تحول صناع السياسة في واشنطن إلى عملية تفكيك المراحل، أي بلغة أخرى، الإسراع في استعادة السيطرة على المدينة خاصة بعد أن تمكنت الميليشيات الكردية من انتزاع السيطرة على الكثير من البلدات الحدودية، مما هز قناعات القيادات العسكرية الغربية بان دحر الجماعة المتطرفة في معاقلها الرئيسية في الموصل والرقة قد يستغرق شهورا أو سنوات ولكن المشكلة الحقيقية التي ستنتظر الجميع بعد تحرير الرقة هي، في الواقع، بداية مرحلة من تقسيم سوريا بين الأطراف المتصارعة واشتعال فتنة كبيرة بين الأكراد والسنة في الشمال السوري. في نهاية المطاف، هناك دلائل متزايدة على تقدم للروس وقوات النظام في اتجاه الرقة، وتخبط أمريكا وتردد للجماعات الموالية لها، وهناك ثقة زائدة بشأن هزيمة كبيرة مرتقبة لتنظيم الدولة في عاصمته الفعلية ولكن لا أحد يريد الاعتراف بأن استعادة المدينة بداية لصراع دموي جديد وتغيير لخريطة المنطقة.

الاستراتيجية الأمريكية لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» لا تتضمن تحرير الرقة حاليا

رائد صالحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية