معركة الرقة ومنبج: هل حان وقت الكيّ لعلاج سرطان «تنظيم الدولة»؟

حجم الخط
1

موسكو ـ «القدس العربي»:على الرغم من الاختلاف الكبير في مواقف كل من الولايات المتحدة وروسيا من الأزمة السورية منذ اندلاعها، إلا أن البلدين يتفقان ـ اتفاقاً غير معلن ـ على أمرين اثنين، على أقل تقدير:
الأول ـ الحرب على المنظمات الإرهابية في سوريا، وخاصة تنظيم «الدولة الإسلامية»، الذي اقتنع الطرفان ـ ومعهما المجتمع الدولي برمته ـ بأن الزمن يعمل لصالحه، لأنه أظهر قدرة كبيرة على الصمود والتمدد، وأن مواصلة التهاون معه والاستخفاف بأمره، يمكن أن تعرّض الأبرياء في مختلف بقاع الأرض للخطر.
الثاني ـ ضرورة أن يتم القضاء على المنظمات الإرهابية في سوريا قبل نهاية ولاية الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما.
يرى محللون أن أوباما أجّل التعامل بجد مع هذه القضية إلى أن تنطلق المنافسة الحقيقية على البيت الأبيض بين مرشحيْ الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وإذا ما تسنى لإدارة أوباما تحقيق نصر حقيقي في حربها على الإرهاب، الذي يمثل تنظيم الدولة الإسلامية عمودَه الفقري، فإنها ستقدم خدمة جليلة للمرشح الديمقراطي، إضافة إلى أن اسم أوباما سيبقى خالدا في ذاكرة أجيال الأمريكيين، وهو أمر لا بد أن أوباما يحلم بتحقيقه.
هذا ما يتعلق بمسوغات الجانب الأمريكي، حسب ما يراه الكثير من المحللين. أما الجانب الروسي فأصبح على قناعة بأن أوباما لا يُبدي اهتماماً كبيراً بالشأن الداخلي السوري، وأنه لن يتخذ أي إجراء جديّ وحازم إلا إذا كان القضاء على التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها «داعش» هدفاً أساسياً له. ولهذا راح الروس يسابقون الزمن لترتيب الوضع السوري وفق ما تقتضيه مصلحة بلادهم الاستراتيجية، خشية أن تؤول ملكية البيت الأبيض إلى رئيسٍ تجري رياحُه بعكس ما تشتهيه سفن الكرملين.
وبمثابة تأكيد غير مباشر لوجهة النظر هذه، يلفت أصحابها إلى أن الروس كثفوا من اتصالاتهم مع الأمريكيين ـ بشكل غير مسبوق ـ في الأسابيع الأخيرة، بهدف إقناعهم بالمباشرة في العمل معاً على تصفية تواجد «جبهة النصرة» في الشمال السوري، بالإضافة إلى تدمير أسس «الدولة الإسلامية». ورغم وجود اتفاق بالخطوط العريضة بين الطرفين على هذا الهدف، إلا أن التداخل الكبير بين الفصائل المسلحة التابعة للمعارضة المعتدلة وتشكيلات «جبهة النصرة» لا يزال يشكل عائقاً أمام انتقال الطرفين إلى مرحلة العمل المشترك. إذ تؤكد المصادر الأمريكية أن الروس يستهدفون كل الفصائل التي تحارب قوات النظام السوري وحلفائه، في حين أن الأمريكيين يرفضون استهداف أي فصيل غير مدرج في قائمة التنظيمات الإرهابية التي اعتمدها مجلس الأمن الدولي.
وفي هذا السياق تنقل صحيفة «كوميرسانت» ـ في ملحقها «فلاست» الصادر في 30 أيار/مايو الماضي ـ عن مسؤول في الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، أن موسكو «قدمت لواشنطن قائمة مفصلة بفصائل المعارضة المسلحة، وبأماكن انتشارها، وبتعداد عناصرها. فردّ الأمريكيون بتقديم ثلاث قوائم تضم 268 فصيلاً مسلحاً معارضاً؛ زعموا أنها قبلت بالالتزام بالهدنة. ولدى قيام الجانب الروسي بالتدقيق في القوائم الأمريكية، تبين أن 130 من التشكيلات المذكورة هي تشكيلات «متطرفة». ورغم أن المراسلات بهذا الشأن لا تزال مستمرة لأكثر من شهرين، إلا أن الطرفين لم يتوصلا بعد إلى اتفاق» بشأن التنظيمات المسلحة التي ينبغي استهدافها.
على الصعيد نفسه، أدلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بتصريح لفت فيه إلى أن «الأمريكيين وعدوا بالعمل مع جهات موالية لهم على تحقيق انفصال جغرافي بين فصائل المعارضة الوطنية وجبهة النصرة، إلا أن ذلك لم يحدث حتى اليوم رغم مضي أكثر من ثلاثة أشهر على صدور قرار مجلس الأمن الخاص بوقف الأعمال العدائية في سوريا».
يلاحظ المتتبع للشأن الروسي أن قلق القيادة الروسية يشتد مع مرور الوقت دون إحراز تقدم ملحوظ في المجال الذي يعتبرونه أولوية لهم. وهذا ما يفسر إقدام وزير الدفاع سيرغي شويغو على إطلاق تهديد بـ»أن روسيا تحتفظ لنفسها بحق المباشرة ـ بشكل منفرد ـ في سحق كل من لا يلتزم بوقف إطلاق النار من الفصائل المسلحة في سوريا، اعتباراً من 25 أيار/مايو«. ومنذ صدور ذلك التهديد تكثفت الاتصالات الهاتفية بين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي لافروف، وبين مجموعات العمل المعنية في البلدين. وأكدت هذا الأمر مستشارة الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي سيوزان رايس في تصريح أدلت به لصحيفة «واشنطن بوست»، جاء فيه: «نحن على تواصل دائم مع الروس، وبشكل يوميا عملياً». وهذا ما أدى إلى تأجيل التصرف بشكل منفرد من قبل روسيا لبعـض الوقت.
وثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الغارات الجوية المكثفة التي بدأ طيران روسيا والنظام السوري بشنها مؤخراً على عدد من الأحياء في مدينة حلب، وعلى عدد من القرى والبلدات في ريف حلب الشمالي والشمالي ـ الغربي، تُمثل بداية تنفيذ ما توعّد به الوزير شويغو. حيث تسعى روسيا إلى السيطرة بأسرع ما يمكن على الحدود بين سوريا وتركيا في محافظتي إدلب وحلب، لكي تحول دون وصول المساعدات من تركيا إلى فصائل المعارضة المسلحة، التي يعتبرها المجتمع الدولي معتدلة، وتعتبرها روسيا ومعها النظام السوري وإيران، منظمات متطرفة، لا بل إرهابية.
أما المحور المتعلق بمحاربة تنظيم «الدولة» فيبدو أقل تعقيداً، بسبب الإجماع على اعتباره منظمة إرهابية، على المستوى السوري؛ نظاماً ومعارضة، وعلى المستويين الإقليمي والدولي.
ولا بد من الإشارة إلى أن الإعلام الروسي لم يكن يولي كبير اهتمام لما كان يجري في سوريا قبل أيلول/سبتمبر من العام الماضي. وما إن دخلت القوات الروسية إلى سوريا حتى أصبح الشأن السوري يحظى بنصيب وافر من التغطية والتحليل في مختلف وسائل الإعلام. وهذا ما أسهم في كسب تأييد شعبي واسع لقرار التدخل العسكري الذي اتخذ في الكرملين. لكن هذا التأييد بدأ يتناقص متأثراً بطول المدة وبسقوط ضحايا من العسكريين الروس، وبتزايد حدة الانتقادات من قبل نشطاء حقوق الإنسان، وكذلك بسبب استمرار تدهور المستوى المعيشي للمواطنين. حيث يرى الكثيرون أن التدخل العسكري في سوريا فاقم أزمة اقتصاد البلاد. ونلفت في هذا السياق إلى الاستطلاع الذي أجراه «مركز ليفادا لدراسة الرأي العام» ـ خلال شهري شباط/فبراير وآذار/مارس الماضيين ـ الذي أظهرت نتائجه أن نسبة الروس الذي يثقون برئيسهم «ثقة مطلقة» انخفضت من 26٪ في العام الماضي إلى 21٪ في الاستطلاع الأخير. ومن المرجح أنّ التدخل في سوريا واحد من أسباب ذلك.

 

معركة الرقة ومنبج: هل حان وقت الكيّ لعلاج سرطان «تنظيم الدولة»؟

نصر اليوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية