في احتمالات معركة «عاصمة الخلافة»: هل سيكون لواء ثوار الرقة واجهة الواجهة العربية لطرد تنظيم الدولة؟

حجم الخط
3

لا يتوفر حتى اليوم أي إطار مُفسِّر، أو واضح يمكن من خلاله فهم سياسة الإدارة الأمريكية في سوريا، أقرب إلى مطابقة واقع الحال من بحث أصدرته مؤسسة «راند» قبل بضعة أشهر، تحت اسم «خطة سلام من أجل سوريا». هذا البحث يلحظ موازين القوى القائمة على الأرض عبر مناطق السيطرة الترابية ودور القوى الإقليمية والدولية الداعمة لها، لكنه يؤطرها ويوظفها جميعاً داخل منظور «محاربة الإرهاب».
وبذلك يُدخل ثلاث قوى في حساباته لصياغة حل سياسي نهائي في سوريا تُرشح نفسها إليه جميعاً عبر محاربة تنظيمي النصرة و«داعش». فللأكراد، ومن ورائهم الولايات المتحدة الأمريكية، الاستيلاء على المنطقة الشمالية والشمالية الشرقية لخط إقليم متصل يفصل «داعش» عن تركيا؛ وللنظام، ومن ورائه روسيا وإيران، مناطق سيطرته من السويداء وريف دمشق الجنوبي إلى أطراف الساحل السوري مع تركيا شمالاً؛ وللمعارضة «المعتدلة»، ومن ورائها السعودية وتركيا وقطر والأردن، جيبان في إدلب شمالاً ودرعا جنوباً.
 ومن مناطق سيطرتها تستطيع هذه القوى الثلاث تعظيم حظوظها في البقاء في المشهد السياسي وصياغة مستقبل سوريا عبر القضاء على تنظيم «داعش» في شرق سوريا، حيث تُحول مناطق سيطرته إلى أرض مفتوحة للحرب والإدارة الدولية، ودخول قوات «محايدة» لضمان عدم حدوث أعمال انتقامية.
هذه التخطيطة العامة لا تزال صالحة في خطوطها الرئيسية لفهم سلوك الأطراف كافة، بغض النظر عن الإرادة والفهم الخاصين بكل منها. وبهذا المعنى فإن ثمة اليوم حرباً مفتوحة يحاول كل طرف أن يسجل فيها أكبر عدد ممكن من النقاط؛ والسباق المعلن اليوم للوصول إلى الرقة يدخل في حسابات الأطراف كافة، ولو أن قوى المعارضة الوطنية المرتبطة بالثورة غير مُمكّنة فعلياً من المساهمة فيه إلا بدور ثانوي، وقد يكون هامشياً في الحسابات السياسية النهائية. وبهذا المعنى فإن معركة الرقة، التي أعلنها الأمريكيون عبر «وكلائهم» على الأرض قبل نحو شهر، جارية بالفعل، وإن استُخدمت بعض عناصرها في سياق التمويه العسكري عبر ضغط إعلامي وشيء من التحشيد العسكري على جبهة شمال الرقة، سرعان ما نُقل إلى جبهة منبج وغرب الفرات.
 لكن ما تحقق فعلياً، من منظور عسكري، ومنذ منتصف العام 2015 وانسحاب تنظيم «داعش» من منطقة تل أبيض، هو تشكل جبهة واحدة طويلة تمتد من ريف محافظة الحسكة الجنوبي مروراً بريف محافظة الرقة الشمالي وصولاً، أخيراً، إلى منبج واعزاز ومارع في ريف حلب الشمالي في الأيام الأخيرة. كما شُدد الحصار على مناطق سيطرة «داعش» في الرقة ودير الزور وريف حلب الشمالي، وكُشفت أخيراً آليات عمل التنظيم الدفاعية وتكتيكاته على الأرض، بالإضافة إلى الخلخلة التي بدأت تظهر في صفوف مقاتليه والفئات الاجتماعية المرتبطة بها عبر استبطان الهزيمة المقبلة.
هذا التموضع لقوات سوريا الديمقراطية في الشمال، إضافة إلى زيادة عديد الخبراء والمقاتلين الأمريكيين على الأرض، وزيادة عدد المحطات والقواعد العسكرية الأمريكية في القامشلي وبالقرب من عين العرب والجلبية شمال الرقة، يضع هذا الطرف في موقع المبادرة للقيام بأكثر من خطوة عسكرية محتملة، قد يكون قطع طرق الرقة- دير الزور أحدها لإطباق الخناق على قوات تنظيم «داعش» في هاتين المدينتين.
خطوة مثل هذه تجعل من احتمالات حدوث تنسيق أو تعاون، من مستوى ما، مع قوات النظام، التي تحاول هذه الأيام التقدم عبر البادية باتجاه الرقة، تطوراً واقعياً، سياسياً وعسكرياً.
لكن يبقى أن دخول الرقة، أو ما طُرح كطُعم إعلامي وسياسي تحت اسم «تحرير الرقة»، هو العقدة الأشد إلغازاً، والجائزة الأكثر أغواءً لكل الأطراف. فمَنْ يُراد له الاستيلاء عليها، أو تحريرها لحظة يكون ذلك ضرورياً سياسيا؟ ذلك أن معركة الرقة ضُخمتْ وسُمنتْ لتبدو خاتمة الحرب وفاتحة السياسة، في سوريا على الأقل.
لا يمكن لتعبير «تحرير الرقة» أن يحمل معنى بالنسبة لجمهور الثورة في سوريا إلا إذا كان مَنْ يقوم بفعل التحرير هذا هو أحد فصائل المعارضة المنضوية تحت راية الثورة ومُسمى الجيش الحر. والفصيل المحلي الوحيد الذي يحمل هذه المواصفات هو «لواء ثوار الرقة»، الذي دخل في تحالف اضطراري مع الميليشيات الكردية عقب هزيمته العسكرية أمام تنظيم «داعش» في الرقة مطلع العام 2014، ما أفقده دعم وتفهم القوى الدولية والإقليمية المؤيدة للثورة وتعاطف جمهورها رغم معقوليته السياسية والجيوسياسية. هذا الموقع الملتبس لمقاتلي اللواء لا يرشحهم، في أفضل الأحوال ووفق موازين القوى الحالية، لأكثر من دور في معركة تحرير الرقة يشبه ذاك الذي قام به مقاتلون محليون قبل أسبوعين في معركة خلبية جنوب الشركراك في ريف تل أبيض. آنذاك استخدم الأمريكيون والأكراد عشرات الشبان العرب المحليين في فتح معركة «جس نبض» مع تنظيم «داعش»، راح ضحيتها حوالي مئة منهم بعد عملية انتحارية وكمين داعشيين.
وهنا، فإن لواء ثوار الرقة يمكن أن يكون الجسر الذي يمشي عليه الأمريكيون والأكراد لفتح الرقة، فيما تذهب الحصيلة السياسية إلى أيدٍ أقدر على توظيفها وفق الاستراتيجية الأمريكية. في المقابل، يبقى سيناريوهان آخران محتملان يصب كلاهما في مجرى إعلان نهاية الثورة وتصفيتها نهائياً: فإما دخول الأكراد بغطاء غير مسبوق أرضاً وجواً من الأمريكيين، أو دخول بقايا جيش النظام والميليشيات الداعمة له في ظل تفاهم روسي- أمريكي مع خفض لحضور الإيرانيين على الأرض لامتصاص ردود فعل طائفية محتملة. وفي الحالين فإن مرحلة كبيرة تكون قد طُويت، ليظهر بعدها مشهد يصعب التكهن بملامحه في هذه اللحظة.

في احتمالات معركة «عاصمة الخلافة»: هل سيكون لواء ثوار الرقة واجهة الواجهة العربية لطرد تنظيم الدولة؟

أحمد الحاج الصالح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية