الأردن وتحول دراماتيكي في مواجهة النسخة المحلية من الإرهاب: إنتهاء صلاحية «تفاهمات الماضي» وإتجاهات إلى مواجهة مفتوحة

عمان ـ «القدس العربي»: زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يوم الثلاثاء الماضي لمقر المخابرات العامة معزيا بضحايا ما سمي بعملية البقعة، والتأكيدات التي صدرت عن الملك شخصيا خلال الزيارة، تفتح المجال مجددا لإعادة تقييم وإنتاج المشهد الداخلي الأردني خصوصا في ظل التحديات التي بدأت تفرض نفسها على شكل جرعات من الإرهاب المصنوع محليا.
التحديات هنا حصريا كثيرة وإلى حد ما جديدة وتفرض على صانع القرار الأمني الأردني بصمات من نوع مختلف بعدما أظهرت عملية مخيم البقعة ان محاولات التنظيمات المتشددة والتكفيرية والجهادية والتي يصنفها الأردن الرسمي نفسه بالإرهاب، أصبحت محاولات جدية ولا بد من التعامل معها بلغة الأمن والقانون في السياق المحلي.
الأردن بهذا المعنى قد يكون في مواجهة نمط جديد من الأجندات الأمنية لا يتطلب فقط تحديثا وتغييرا في الرموز والأدوات، بقدر ما يتطلب استراتيجية تعامل مختلفة وفي كل المعايير لا تقف عن حدود رد الفعل عندما يتعلق الأمر بنظريات الإرهابيين حول الجهاد في الأردن ولكن تتجاوز لصالح الاحتواء المسبق والعمل مباشرة في الميدان هذه المرة ضد التيارات السلفية الجهادية التي يمكن ان تشكل خطرا أو تسعى للصدام مع السلطة والقانون والنظام مستقبلا.
الأردن وفي المطبخ السياسي الأمني يواجه فيما يبدو هذه الأيام تحديات أساسية من طراز مختلف.
غرفة القرار قدرت مبكرا ان اشتداد العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة في سوريا والعراق وتحديدا في الرقة والأنبار سيدفع قيادة هذه التنظيمات إلى استراتيجية تخفيف الضغط عن المركز واشغال الأطراف.
معنى ذلك ان تنظيمات مثل داعش ستعمد إلى تحريك ما يسميه خبراء بأسلوب الذئاب المنفردة في عمليات فردية صغيرة هنا وهناك. يقول الأمنيون الأردنيون اليوم بوضوح انها لن تستثني بلادهم ويفسر على هذا الأساس ما حصل في مخيمي اربد والبقعة خلال الشهور الأربعة الأخيرة.
التحدي الثاني الذي تقر به الوقائع يتعلق بتكريس القناعة ان العائدين من سوريا والعراق من السلفيين والجهاديين لا يمكنهم التحول إلى صامتين أو محايدين، وبالتالي سيتحولون في كل الأحوال إلى خلايا نائمة يمكنها ان تضرب متأثرة بالتنظير الشرعي الجهادي.
العائدون من سوريا من الأردنيين تحبسهم محكمة أمن الدولة لخمس سنوات. والمشاركة في الجهاد بالنسبة لأي أردني سواء في العراق أو سوريا تعني انه حصل على تدريب من نمط خاص وبالتالي عقوبات المحكمة والملاحقات القانونية والاعتقالات لا تفيد عمليا في السيطرة على مساحات التأثير الجهادي في فكر العائدين من سوريا والعراق.
هؤلاء مؤهلون بوضوح للتفكير بتنظيم عمليات فردية تحت قاعدة الفكر الجهادي داخل الأردن، وهي عتبة جديدة تماما في الخبرة الأردنية المتعلقة بمكافحة الإرهاب والتشدد، وقد أثبتت الخبرة الأمنية الأردنية المعتمدة كونيا بشؤون الإرهاب في سوريا والعراق بانها قد تكون قاصرة عندما يتعلق الأمر بالوضع الداخلي.
سياسة المناصحة التي تقودها في مراكز التوقيف والسجون شخصيات رفيعة تخفق بدورها في تحقيق نتائج فعالة، وما حصل في عمليتي اربد ومخيم البقعة ان النجوم الأساسيين في العمليتين كانوا عائدين من سوريا.
العائدون من سوريا يشكلون اليوم التحدي الأساسي الثاني، فالخبرة تفترض انهم يحتفظون بصلات واتصالات مع أطراف في سوريا ترعى تغذيتهم بالأفكار الجهادية داخل الساحة الأردنية، ولأن العملية تنطوي على مبايعة عبر الوكيل للمراجع الجهادية، تكاثرت هذه المحاولات على أساس ان كلفتها المالية أصلا لا تذكر لان فلسفة الذئب المنفرد المعزول تتحدث شكلا ومضمونا عن خلية صغيرة لا يتجاوز عدد أفرادها ثلاثة أو اربعة أشخاص.
على هذا الأساس يعتقد وفي نطاق واسع في الأردن أن تفصيلات المواجهة مع الخلايا النائمة أو التي يمكن ان تستيقظ في أي وقت ستختلف بعد الآن، وبالتالي يحتاج الأمر وفقا لمراجع سياسية عليا إلى نمط جديد من التفكير بالمواجهة ينتهي بتغيير قواعد اللعبة تماما، وبالضرورة يحتاج المشهد لأدوات وبرامج مختلفة عن تلك التي تختزلها وتختزنها ذاكرة الأردنيين سواء كانوا في صف الدولة وأجهزتها أو في صف التيار الجهادي السلفي.
التحدي الثالث يتعلق اليوم بالكلف الاجتماعية والسياسية وحتى الامنية والاقتصادية لأي مواجهة تتطلبها الظروف اليوم مع الحواضن الاجتماعية في مختلف مناطق وأنحاء المملكة .
الحديث هنا عن تحول دراماتيكي في مجال المواجهة يستهدف البيئة التي ينشط فيها جهاديون سلفيون يمكن ان يتحول أي منهم اليوم وتحت وقع تأثير الخطاب الجهادي التعبوي إلى قنبلة موقوتة تنفجر بدون كلف في حضن الدولة ومؤسساتها او حتى في حضن المجتمع.
هذا التحول يعني ببساطة ومن باب التحليل السياسي، وقف سياسات التسامح وتكتيكات الوساطة الأمنية مع المنظرين السلفيين وسيعني في مرحلة لاحقة انتهاء صلاحية كل الترتيبات والتفاهمات السابقة مع تعبيرات التيار السلفي الجهادي، لان أي تفاهمات ومهما كانت خلفيتها قد تسقط اليوم إذا ما قررت الدولة مضطرة مواجهة التيارات والحواضن.
نتحدث هنا عن مداهمات واعتقالات ومحاكمات عريضة، ونتحدث عن مواجهات أمنية قد تصبح عنيفة في أي وقت مع بعض الحواضن الاجتماعية وعن لغة اجتثاثية خالية من التسييس يدعوا لها اليوم بعض رموز الدولة الأردنية.
الغطاء الشعبي متوفر لهذه الحملة الاجتثاثية المحتملة بسبب عمليات القتل التي تطال الأبرياء وخطورة العمليات الإرهابية على الأمن والاستقرار الاجتماعيين، وهو غطاء لا يوفر بدوره مظلة لإعادة حساب التقييمات والأجندات الإقليمية.
هل تتجه بوصلة الدولة الأردنية لمثل هذه المواجهة الشاملة؟ الأيام القليلة المقبلة ستجيب على هذا السؤال.

الأردن وتحول دراماتيكي في مواجهة النسخة المحلية من الإرهاب: إنتهاء صلاحية «تفاهمات الماضي» وإتجاهات إلى مواجهة مفتوحة

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية