باريس ـ «القدس العربي»: يفترش محمد، داخل احدى محطات المترو الباريسية لينام. يضع رأسه فوق جرائد، أعداد من صحيفة «20 دقيقة» التي توزع مجاناً. وحين يستيقظ من غفواته المستقطعة، يتحدث مع المنتظرين أمام أبواب عربات المترو. يخبرهم عن أولاده الثلاثة في وهران، الذين تركهم بعد تقديمه اللجوء الإنساني هنا. لكنه إلى اليوم وبعد مضي 5 سنوات لا يزال ملفه عالقاً في احد دوائر الهجرة. وهو ما دفع به ليعيش متسولاً في الشوارع.
لا يملك محمد، سوى بضع سانتيمات ليعيل بها نفسه، في الصباح الماطر، يرتدي جاكيتاً شبه مهترئ، ويضع حول رقبته شالاً صوفياً متسخ. يقول بلغة فرنسية مكسّرة، ان «الحياة هنا صعبة»، لكنه لا يستطيع العودة قبل ان يتمم أوراقه. «لقد اضطررت للعيش كمتسول»، يقولها بانكسار، وهو يتحدث عن تجربة مؤلمة عاشها في باريس. «عائلتي فقيرة للغاية، ولدي مشاكل إرث مع بعض الأقارب وهددوني بالقتل. لا يمكنني العودة. أطفالي تعيلهم زوجتي بعمل في البيوت. أشتاق إليهم. خمس سنوات لم أرهم».
يحبس محمد، دموعه بين قبضة يده، وهو يحاول ان يشرح بعضاً من تفاصيل يومياته، متشرداً على نواصي الطرق وبين محطات المترو. «لا أنام في مكان محدد. الشرطة تلاحقنا. أحياناً تهتم بنا بعض الجمعيات الأهلية وتؤمن لنا خيماً. لكن دائماً ما تأتي الشرطة وتطردنا. لا نملك بيوتا ولا مأوى. بعضنا ينام تحت الجسور. أنا اتنقل كل يوم من مكان إلى آخر».
ينتظر الرجل الثلاثيني، ان يستعطيه المارة. يضع عبوة من السردين فارغة قربه. يسقط فيها الجوالون بعض النقود. انها كل ما سيعيله في يومياته. لكنه أيضاً يحظى بوجبة طعام واحدة في احدى الجمعيات الخيرية، «لا أتذمر. لا أملك خياراً آخر».
مشهد محمد، يتكرر في العاصمة الفرنسية. مشهد مألوف. يمكن ان يراه السائح والمواطن العادي في معظم أحياء وطرقات ومحطات المترو الباريسية. لكن هذه الظاهرة المتمددة صارت عبئاً في ظل الأوضاع الأمنية، ومع تمديد فترة حال الطوارئ وأمام تحديات منها انطلاق المباريات لكأس أوروبا في كرة القدم الذي ستستقبله فرنسا في 10 مدن من بينها باريس. يقول جان بيار، وهو متطوع في جمعية لإعانة المشردين «بعد تطبيق قرارات متعلقة بقانون الطوارئ، صارت ملاحقة المشردين من ضمنها. التأكد من هوياتهم. وبعضهم يتعرض للضغط والسجن لأيام. يصبحون عرضة للشك. خصوصا أثناء نومهم في أماكن حساسة، مثل محطات المترو والقطارات والـ»سي أن سي أف»، وأمام مباني تابعة لوزارات أو سفارات أو قنصليات». ويضيف الشاب، الذي يحاول ان يحصي في المنطقة السابعة عدد المشردين، ان «المشردين أنواع. لكن هناك غالبية تعاني من ضائقة اجتماعية واقتصادية. ووجدت نفسها في الشارع».
من هذه الحالات، ماريان، الاربعينية، التي طردتها عائلتها من المنزل. تعيش ماريان في الشارع منذ 8 سنوات. حاولت ان تعمل، لكنها مدمنة على الكحول. تقول، ان حياتها انقلبت رأسا على عقب. تطلب السيدة، سيجارة من أحد العابرين، يشعلها لها، وهي تشكره بأناقة، ثم تشتمه بعد ابتعاده عنها بخطوات. تقول ان المشرد عليه ان يكون وغدا. تضحك فتبان أسنانها متسخة، «لا أحد يهتم بنا. أولادي تركوني، ماذا علي ان أفعل. لا أملك المال للعيش إلا في الطريق». تروي ماريان حوادث تتعرض لها، كونها امرأة، «البعض يفكرنا نعمل في البغاء. لست جميلة وانا امرأة تكبر في السن، لكن هناك رجالا كثر يعاملوننا على أننا نبيع أجسادنا».
حال ماريان مشابه لحال نساء مشردات كثيرات. لكنهن في المقابل، وجدن لأنفسهن احاطة مع مجموعات ليجدن الأمان. هذه «المجموعات» ليست قديمة في حالات التشرد الباريسية، وتحولت مع الوقت إلى ما يشبه «مافيات». كل مجموعة تضم من ستة إلى 15 شخصاً، ومعهم كلاب جوالة. بعضهم يتعاطى المخدرات ويشرب الويسكي المغشوش بنهم. وبعضهم يريد فقط ان يحيا على الهامش.
يقول، جون، وهو رجل في الستين، انه حاول ان يعمل لكنه لم يجد أي عمل. وجد نفسه وحيداً في الشارع. «انا عازب. وكل ما تقدمه لي الدولة من مساعدات لا يكفي للطعام. والايجارات غالية في باريس. وقدمت على مأوى في احدى الجمعيات وانتظر». يحاول جون أحياناً ان يصمم بعض الأساور من التنك المتروك في عبوات النفايات. ويبيع قطعه بيورو واحد، «أحياناً أبيع 20 قطعة واستأجر بها سريراً في أحد النزل الرخيصة في مونبارناس. يعرفني الشاب الذي يعمل في وردية الليل، ويساعدني بما أملك لقضاء ليلة في سرير نظيف على الأقل».
تقدم الحكومة وبعض الجمعيات المساعدة للمشردين تحت الجسور، والنائمين على الأرصفة، في فتح مراكــز ايواء لكنها لا تسع للجميع. لكن ما يسعفهم هو محاولة هذه المراكز ان تؤمن لهم الاستحمام ووجبة واحدة.
صهيب أيوب