الإرهاب العربي يرافق انبعاث الشعب اليهودي في بلاده منذ قتل ابراهام يلوبسكي في نس تسيونا العبرية قبل 128 سنة. وسيبقى مصدر اقلاق دائم حتى السلام المنشود. لا يمكن القضاء عليه كما لا يمكن تصفيته بحملة عسكرية في قطاع غزة. يمكن فقط ضربه وتخفيض مستوى اللهيب لزمن ما ونكون متحفزين. ومع ذلك هناك اكثر من نصف مواساة، إذا ما راجعنا ما حدث منذ القتل في نس تسيونا لعرب بلاد إسرائيل مقارنة بازدهار يهودها. كل حدث من النوع الذي حصل مساء أول أمس في حي الترفيه شارونا في تل أبيب هو نجاح للمشاغبين. فقد تمكنوا من قتل أربعة يهود. وحتى الصور التي يبدو فيها الإسرائيليون يفرون خائفين فزعين في مدينتهم تضر. نوع من الرغبة في نبش الجرح الذي وان كان ومحظور منعه، ولكن ينبغي أن نعرف بان لحق الجمهور في المعرفة يوجد ثمن.
بشكل جوهري كان الرد الإسرائيلي ناجحا جزئيا فقط. فجريمة قتل كهذه كان ينبغي ان تنتهي بمقتل المخربين. ليس في فعل مرفوض من اطلاق النار بدم بارد على مخرب جريح ومحيد، بل في ظل العمل. ان الفشل الاساس لإسرائيل التي تدافع عن نفسها ليس في ليل القتل بل في نهار الهدو؛ فالحكومات على اجيالها وعدم بجدار امني ولم تفي. فهذا جزئي ومخروق وغير مجهز وغير مصان بما يكفي.
ويبرز الفشل اكثر في السلوك مع المشغلين للمقيمين بلا تصاريح. فعندما يمسك الفلسطينيون يعادون إلى بيوتهم، ويخرج ارباب عملهم اليهود بلا شيء. مخرب قاتل طعن جنديا في جفعتايم امسك به، وارباب عمله في الموقع المجاور عوقبوا بوقف البناء اسبوعين. نكتة محزنة.
المواطن مستعد لان يسلم بانفجار الإرهاب الذي لا يمكن احباطه مسبقا (محافل الامن تسجل نجاحا واضحا)، ولكن لا يوجد ما يدعو إلى التسليم بالاهمال واللامبالاة وعدم الاكتراث الذي في الايام ما بين الطعن وبين اطلاق النار.
يجب فهم المعضلة
علقت هذا الاسبوع في عصبة ضيقة كانت تستمع صدفة لمحاضرة تفصيلية لخبير شهير عن وضع ومكانة إسرائيل في المحكمة الدولية في لاهاي. لو كان بوسعي ان اقول عمن يدور الحديث، لحظيت اقوالي بعناوين صاخبة ولكن على اي حال، فانه عالم لا يمكن وصفه بـ «اليساري». واليكم اهم ما جاء في اقواله بصياغتي:
لسنوات صدت إسرائيل توجه الفلسطينيين إلى المحكمة لانهم ليسوا دولة. ولكن منذ قرار الامم المتحدة في 2012 تغيرت الامور، واليوم يعترف بهم كـ «فلسطين» في مؤسسات عديدة. وكنتيجة لذلك فان إسرائيل التي كان يمكنها أن تمتنع في اعقاب حملات عسكرية عن تشكيل لجان تحقيق رسمية، ستضطر إلى عمل ذلك كي تتفادى لاهاي. في هذا المجال يحقق ابو مازن انجازات، والمقاطعة ـ الـ بي.دي.اس ـ تلحق به.
بين اجراء واجراء يوجد مهلة زمنية، واليمين في الحكومة يخطيء في وهم الهدوء، ولكن ليس هي. فمن يعرف الساحة الدولية ـ وهو خليط من القانون والسياسة ـ يعرف بان الواقع الجديد يتسلل حتى عندما لا يكون ظاهرا. واذا ما وصلنا لا سمح الله إلى البحث في مسألة إذا كانت المستوطنات هي «جريمة حرب» ـ فلن تميز المحكمة في لاهاي بين الكتل الاستيطانية وغيرها. حتى هنا.
بنيامين نتنياهو يعرف المسألة بتفاصيلها، وهي احد الاسباب الذي يجعله «يقف بقدميه على نقطتين». فيستأنف ويوقف ومرة اخرى يستأنف لضم اسحق هرتسوغ إلى الائتلاف بدلا من نفتالي بينيت. ليس لانه يوجد بينهما خلاف حقيقي حول قيام فلسطين، بل لان نتنياهو يفهم بان بينيت (وكذا اليمين في الليكود) يمنعون عنه قدرة المناورة في مؤتمر دولي يستهدف احباط التوجه الفلسطيني إلى لاهاي.
بين الادوات السياسية التي عرضت على إسرائيل بدت المبادرة المصرية هي أهون الشرور. فقد تركت له مجال مناورة، وهذا هو الانطباع الذي اخذه الروسي ايضا في اثناء زيارته إلى موسكو. وباستثناء انه في هذه اللحظة لا يوجد في الائتلاف اغلبية لمثل هذا المؤتمر الذي اعد في الاصل تمهيدا لانضمام المعسكر الصهيوني إلى الحكومة.
ان فهم المعضلة، والحاجة إلى خطوة سياسية تؤدي إلى الصدام مع اليمينيين المتطرفين في الليكود وفي الائتلاف، هما التفسير الجوهري للمراوحة في المفاوضات بين نتنياهو وهرتسوغ. قبل اسبوع كان رئيس الوزراء مصمما على الانفصال عن وزير التعليم. وصحيح حتى يوم امس مساء تم تنسيق البث بينهما. لكم من الوقت؟ احد لا يعرف.
باستثناء انه في هذه الاثناء لا توجد مبادرة سياسية مصدرها الحكومة. نظرت هذا الاسبوع إلى خريطة الفعل (اضافة إلى زيارة نتنياهو إلى موسكو) ووجدت ان الانجازات الوحيدة سجلتها السفارة الدولية المسيحية ـ منظمة تعد عشرات الملايين تمول نشاطهم من اجل إسرائيل من جيوبهم. ومؤخرا عقدوا في جنوب افريقيا مؤتمرا يدحض الحجة بان إسرائيل هي دولة أبرتهايد وفتحوا ممثليات في تركيا الإسلامية في كوبا. وجلبوا إلى هناك بشرى سياسية وجماهيرية. هذا مثير للانفعال، ولكن من في إسرائيل المتهكمة امتلأ بالتقدير؟ وعلى اي حال، فان هذه قطرة في بحر مقارنة بالحرب التي يخوضها ابو مازن ضد إسرائيل في ساحة القضاء الدولي.
إسرائيل اليوم 10/6/2016