العمال في الوردية الصباحية في فرع مطعم بنديكات في منطقة شارونه جاءوا في السابعة صباحا إلى عملهم كالعادة. وفي الساعة الثامنة جاء اوائل الضيوف. وهبت رياح باردة على طول الساحة ونشرت رائحة البريوش بطعم الحلاوة من الطاولة في بنديكات حتى الطاولة في ماكس بيرنر، المقهى القريب، حيث أن عاملا اجنبيا نظف الارضية هناك بالصابون.
لا توجد دراما كبيرة في الغسل الصباحي لارضية المقهى. ولكن صباح أمس كان لغسل الارض مغزى: هذا ما نفعله بعد حدوث عملية ـ ننظف ونرتب ونصلح ونشطب أي ذكر لما حدث ليلة أمس.
يوجد في داخلنا شيء يقول إن الرعب مثل بقايا وجبات الصباح يتم محوه بالممسحة. ليست كارثة العائلات، ليس ألم المصابين: هذا لا يمكن محوه. الصراع هو على الرواية، وعلى ما يشعر به الجمهور.
السرعة التي يتنصل فيها الإسرائيليون من التراب مثيرة، حسب رأيي. في أي مكان آخر في العالم يتم اغلاق ساحة العملية الإرهابية لايام، واحيانا لاسابيع أو أشهر. وتحتاج السلطات إلى زمن حتى تستوعب الحدث من اجل ترجمته إلى عمل منظم لمحققي الشرطة والمخمنين ووكلاء التأمين ومقاولو التصليحات. نحن نتصرف مثل مظلي تسبب خلل ما في ابقائه على باب الطائرة بين السماء والارض: نقوم بترتيب الفوضى ونهبط فورا من جديد.
هكذا نتصرف في أي مكان. تل ابيب مختلفة بمعنى واحد: عودتها إلى روتين الحياة، نظيفة من مظاهرات اليمين. أين رجال كهانا، اسأل أحد اصحاب شبكة بنديكات. لم يكونوا في شارونه أمس ولم يصلوا اليوم ايضا.
تظهر ابتسامة واسعة على وجهه. «لماذا تقول إن كهانا ليس هنا؟»، سأل، «أنا كهانا».
إسمه شاي كهانا. قبل دخوله إلى فرع المأكولات كان رجل شاباك، حارس رفيع المستوى في وحدة حراسة الافراد. اعتاد ايهود باراك على استقباله بجملة احتفالية «كهانا على حق. شاي كهانا محق».
قبل أن يكون حارسا كان مقاتلا في وحدة غولاني، وعمل ايضا عارضا للازياء وفاز بـ «المنافسة على المليون». حدثت العملية وهو على دراجته الكهربائية في الطريق إلى شارونه. ومثل كل إسرائيلي سأل نفسه ما الذي يجب عمله، كيف يجب الرد. سأل وأجاب بهز الكتب. «ماذا؟»، قال: «آخذ اصدقائي ونقوم بمحو قرية في الضفة؟ بماذا سيفيد ذلك؟».
كل العمال في وردية الليل بقوا في المكان بعد العملية وهم محاطون برجال الشرطة، باستثناء عاملة واحدة وهي المضيفة. لقد اختفت. واستمر البحث عنها إلى ما بعد منتصف الليل. وفي النهاية وجدت في بيتها وهي خائفة. «سنحضر اليوم طبيبة نفسية للجلوس مع العمال في المطعم»، قال كهانا.
الرصاص أبقى قليلا من الضرر الجسدي: خدش في أحد الابواب الزجاجية، كرسي قام أحد زوار المطعم الشجعان بضرب المخرب به على ظهره. في الصباح تعود احدى الضيوف إلى المطعم وتريد رواية قصتها: هذه هي طريقتها في التحرر.
إنها تكرر مرة تلو الاخرى تفاصيل اللحظة التي بدايتها طلب ونهايتها النجاة بمعجزة. «طلبت الجلوس على تلك الطاولة وراء الزاوية، ولكنهم قالوا إن هذه المنطقة مغلقة. عندها انتقلنا إلى القرب من هذه الطاولة، ومن ثم جاء هنا أمامي، بالضبط أمامي، بدأ في السير واطلاق الرصاص».
العناوين تتحدث عن «مجزرة»، «فظاعة»، بنك الكلمات قليل ويحتاج احيانا إلى كلمات أكبر. كيف ستعرف متى يتحول القتل إلى مجزرة. وكيف يتحول الرعب إلى فظاعة.
عمير اوحانا، عضو الكنيست الجديد في الليكود يستعرض تواجده؛ وتصل ايضا اييلت نحمياس ورابين، عضوة الكنيست من المعسكر الصهيوني. تجلس من اجل شرب القهوة في ماكس بيرنر.
يونتان روشفيلد وايال شني، نجمي برنامج واقعي في مجال الطبخ، يفتحان طاولة ويتصرفان وكأن كاميرات التلفاز لا تهمهم، في حين أن حبة البندورة التي تحترق قبل أوانها تصرخ من أعماق الفرن.
بنديكات هي شبكة مطاعم، تخصصها هو في الوجبات الصباحية التي تقدم على مدى اليوم. ستة مطاعم تعمل اليوم في البلاد.
المطعم السابع سيتم افتتاحه في تموز في برلين. الخطة هي البدء مثل شبكة «أروما» مع الإسرائيليين الذين يعيشون في الخارج. ويشتاقون لرائحة البيت وبعد ذلك للاغيار. لذلك فان برلين هي هدف مطلوب.
شارونه هي حسب رأيي جسم غريب. يصعب أن اتأثر من المنازل التي تمت اعادة انشائها، بيوت الالمان الذين كان معظمهم اعضاء الحزب النازي، يصعب علي التأثر من الابراج الزجاجية، المرتفعة جدا والمكتظة جدا والتي تقوم بحرب عالمية مع بسطات الطعام المكتظة في الاسفل. في نهاية المطاف الحديث يدور عن تخف.
لكن الإسرائيليين يأتون بشكل كبير إلى شارونه، ومن أنا لأجادل، مجموعات من السياح من الداخل، في العادة من المتقاعدين، يتجولون من منزل الماني إلى منزل الماني آخر ويستمعون إلى التفاصيل من المرشد. أول أمس في الليل أضيفت لجولة شارونه محطة اخرى يجدر التوقف عندها: محطة إرهاب.
مُطلقو البالونات
في الطريق إلى خارج شارونه سمعت الوزير إسرائيل كاتس، وزير المواصلات والاستعلامات، يتحدث في الراديو عن غياب رد صهيوني ملائم. ما الذي تقترحه، سأله المذيع، ويستمع: اغلاق المعابر في غزة تماما وعدم ادخال المواد لهم، سواء مواد البناء والمواد الغذائية، وطرد عائلات الإرهابيين من الضفة ومنع دخول الفلسطينيين إلى إسرائيل.
كاتس ليس غبيا، وهو يعرف أن اقتراحاته لن تنفذ. الحقيقة هي أنه يعول على ذلك. إذا تصرفت دولة إسرائيل حسب اقتراحاته فانها ستتلقى لطمة مؤلمة لعلاقاتها الخارجية وفي صراعها من اجل الحفاظ على الاحتلال وعلى الشرعية. ستتغلب على إرهاب الافراد. أو العكس: تعطي الإرهاب مبررا اضافيا.
يحاول كاتس احتلال المكان الذي تركه ليبرمان، الديماغوجي، إنه ليبرمان مستعمل، إنه يستغل حقيقة أنه لا يتحمل المسؤولية المباشرة عن ما يحدث، لذلك يمكنه السماح لنفسه باطلاق البالونات وايضا بالمغزى تصوير رئيس حكومته على أنه جبان. واذا تم وضعه في مكان رفيع فيجب أن ينسى كل ما يقوله الآن ويكتفي مثل ليبرمان الجديد بالتهديدات الاقتصادية الفارغة نحو الطرف الآخر.
عملية اطلاق النار في مركز تل ابيب هي ضربة، لا يجب أن تحدث، لكنها حدثت وذكرتنا بطريقة صعبة بأن الاحاديث حول تراجع الانتفاضة الحالية، سابقة لأوانها. البندقية استبدلت سكين المطبخ، ولابسو البدلات استبدلوا طلاب المدارس، لكن الإرهاب ما زال هنا وهو دموي كالعادة.
يمكن أن الإرهاب سيمل في وقت ما ويخرج إلى عطلة. إنه لن يختفي خوفا من خطاب سياسي إسرائيلي أو نتيجة خطة يصادق عليها الكابنت: لا توجد لحكومتنا طريقة للقضاء على موجة الإرهاب هذه. عمل الجيش الإسرائيلي والشباك يفشل بعض العمليات في مرحلة التخطيط ويردع بعض المترددين. ولكن دائما سيكون هناك من ينجح في الدخول والتنفيذ.
في القرى الفلسطينية سيستخدمون في ليلة واحدة جميع المفرقعات التي أعدوها من اجل شهر رمضان، سيطلقون النار في الهواء ويرفعون الإعلام، وبعدها سيقومون على يوم آخر من الاحتلال. إنهم يحتفلون منذ خمسين سنة، وما الي حققوه غير قائمة طويلة من الشهداء الذين قتلوا وقُتلوا بدون أي نتيجة.
عندنا ايضا يوجد أمل بأن العملية في شارونه لن تولد عمليات اخرى، خلال يوم أو يومين سنعود إلى روتين الحياة ويتم محو الدماء ويتم استيعاب الضربة وتتبدل العناوين. هكذا نحن: نعيش في نفس الوقت في عالمين. هذه هي الطريقة التي تُمكننا من الحفاظ على سلامة العقل في محيط بعيد عن سلامة العقل.
سنجلس ونشاهد مباريات اوروبا في فرنسا وكأن مصيرنا يوجد فوق عشب الملعب: سنتزعزع من تكاليف رياض الاطفال ونقوم باعداد الحلوى بالجبن لعيد نزول التوراة ونلبس الملابس البيضاء، وايضا نحقق في اعمال الفساد لقادتنا وهدايا المال التي يحصلون عليها من اثرياء مشبوهين، وسفرياتهم الزائدة واقرباءهم. كل شيء صغير مقارنة مع موت ايلانا نبعه، ميلا مشييف، د. ميخائيل فايغه وعيدو بن آري ـ اربعة مواطنين قتلوا في عملية إرهابية. ورغم ذلك، هذه الاشياء الصغيرة هي جزء من حصانتنا القومية وجزء من تصميمنا على التمسك بالحياة. وهكذا سننتصر.
هآرتس 10/6/2016