■ منذُ احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها عام 2003 وإلى اليوم، والعراق يعاني الأمرين على صعيد بناء نموذجه الأمثل في إدارة البلاد، وخلق مؤسسات سياسية يشغلها أفراد ذوو خبرة واحتراف في أداء سلوكيات العمل السياسي.
وقد تعرض النظام السياسي الجديد إلى جملة من الاخفاقات المتكررة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية، ما يعطينا انطباعاً عن طبيعة إدارة الحكم في العراق وطبيعة الآليات التي تسير بموجبها.
في البدء نقول إن مفهوم إدارة الحكم قديم قدم السلطة والدولة، ويشير إلى ممارسة السلطة السياسية لصلاحياتها لإدارة شؤون البلاد وعلى مختلف المستويات، حيث تمارس السلطة باسم الجماعة، بما فيه من أطر قانونية لتحديد العلاقة بين الحكومة والشعب، فإذا كانت إدارة الحكم تعني ادارة السلطة باسم الشعب، فهي بذلك تعني ممارسة هذه السلطة بأساليب من شأنها أن تحترم الحقوق الفردية والجماعية للشعب وتوفير احتياجاتهم الاساسية.
فادارة الحكم الجيد هي تلك الادارة التي تقوم على مبدأين اساسين، الأول هو مبدأ الاندماج الوطني وأساسه الهوية الوطنية والفكر الوطني، والثاني مبدأ المسألة والمحاسبة. وانطلاقاً من هذين المبدأين تنطلق مؤشرات ادارة الحكم الجيد وهي (مؤشر المسألة العامة، كفاءة حكم القانون، انخفاض مستوى الفساد). ومن هنا سنحاول ان نطبق هذه المؤشرات قياساً على الحالة العراقية ومدى قربها أو بعدها منه.
فعلى الصعيد العراقي نجد أن مؤشرات إدارة الحكم فيه بعد (2003) ذات قيمة سالبة، حيث تراجع دورها بشكل كبير من ناحية الإشراف والرقابة، ومن ناحية توفير الأمن ومحاربة الفساد وبسط سلطة القانون. فمن المنظور الاقتصادي يشير مفهوم إدارة الحكم إلى مدى قدرة السلطة على إدارة الموارد الاقتصادية من خلال:
1- الحفاظ على الصناعات الوطنية الناشئة وتطويرها.
2- ضمان حصول الفقراء ذوي الدخل المحدود على دخل مناسب.
3- تشجيع المشاريع التي تستقطب اكبر قدر ممكن من الايدي العاملة المحلية.
4- جذب الاستثمارات.
5- تطوير الموارد الاقتصادية وتنويعها وحماية البيئة.
هذه الافكار في العراق هزيلة للغاية، فالسياسات الاقتصادية المتبعة ارتجالية وكثيراً ما يتم التراجع عنها فيما بعد بعد فشل تطبيقها، والذي يرافقها عادة ارتفاع في نسبة تفشي الرشوة وعلى كافة المستويات. فالرشوة والفساد المالي والاداري ظاهرة مستشرية في المؤسسات العراقية وباشكالها المختلفة، وجعلت المواطن العراقي يتندر مع نفسه ويقول «من أين لي فيتامين واو» للإشارة إلى الواسطة وما تنطوي عليه من دلالات الإحباط واليأس لدى المواطن العراقي، حيث رافقت هذه الحالة ظاهرة التسيس في دوائر الدولة، التي تتعامل مع المواطنين في قضايا معينة ضمن هذا الاطار. فاستمرار هذه الحالة يعطي دالة واضحة على وجود خلل في إدارة الدولة وإساءة في استعمال المنصب الوظيفي، ولا يزال العراق يشغل مراتب متقدمة في سلم الفساد، حسب الاحصائيات الدولية الدورية، التي تقوم بها منظمات مختصة بهذا الشأن. فالفساد المالي والاداري اصبح مألوفاً في مؤسات الدولة وما المساس بمدخولات الموظفين العراقيين والفقراء واصحاب الدخل المحدود، إلا دليل على استمرار الفساد وذهاب الأموال إلى جيوب الفاسدين، وهو ما حصل في العراق من المساس برواتب الموظفين وفرض الضرائب والرسوم الإضافية واستمرار الاستقطاعات يوم بعد آخر. فلو كان هنالك ادارة حكم جيدة لما حدث ذلك على الاطلاق.
أما المساءلة العامة فهي المنهــــــج والسلوك والممارســة التي تلجأ اليها الحكومات لتحقيق اهداف معيــــنة وعلاج مشــــكلة ما، ووضع الحلول اللازمـــة لها، لكن في العراق نجد ضعفا وغيابا للمساءلة والمحاسبة والمزاجية في الاستخدام، والمس باستـــقلالية الهيـــئات المستقلة المسؤولة عن ذلك وتوجيه جهودها نحو تصفية الحسابات مع الخصـــوم السياسيين. وهذه الحالة مهدت لها ظاهرة التوافقــات السياسية السائدة في العراق والمغلفة بالمحاصصة الطائفية وفي ظل غياب واضح للاستقرار السياسي والأمني.
وفيما يتعلق بمؤشر سيادة القانون فمن الدقة القول إن هذه السيادة موجودة وبدرجة كبيرة في العراق بصور حماية افراد المجتمع من مختلف الاعمال الجرمية وسرقة الممتلكات العامة والخاصة، فضلاً عن وجود نظام قضائي قادر على حل النزاعات بكفاءة عالية. إلا ان هذه السيادة ضعيفة في اماكن اخرى اذا ما تعلق الامر بفساد سياسي لدى حيتان الفساد الكبيرة في الدولة. زد على ذلك قبول القوى السياسية العراقية بمختلف تصانيفها واستعدادها لتعطيل الدستور وتأجيل الخدمات ومصادرتها احياناً، ومنع تشكيل حكومة تنقذ الوطن والمواطن وتصلح حاله، حيث اظهرت تلك القوى عجزاً مستمراً في بناء دولة قانون ومؤسسات عصرية، في ظل عدم امتلاكهم لأي فلسفة لبناء دولة حقيقية، وبالتالي عجزها عن توفير إدارة حكم جيدة في البلاد.
إن الوصول إلى إدارة حكم جيد في العراق لأمر صعب في ظل الظروف الراهنة وهو شبيه إلى حد ما بافكار (الفارابي) في اقامة الدولة الفاضلة، إلا أن ذلك لا يعني أن نستسلم للواقع، فمن المفترض ان تأخذ الحكومة العراقية بمؤشرات الحكم الصالح والجيد في الادارة، وتطوير ادواتها المستخدمة في تحسينها. ومع ذلك فإن تطبيق مؤشرات ادارة الحكم الجيد في العراق صعبة للغاية، في ظل وجود مسؤولين لهم سلطة ونفوذ يسعون من خلالها لتثبيت مصالحهم واستمرارها، وتلك المصالح تتحقق من خلال استمرار الادارة على ما هي عليه، فهم غير مستعدين للتنازل عن مكتسباتهم تلك وغير راغبين للتقدم بخطوة للامام لصالح ادارة الحكم الصالح.
٭ كاتب عراقي
د. حسن سعد عبد الحميد