مصر: إنجاز هائل وفساد مهول

بالطبع، تصعب الإطاحة بحوادث سنتين عاصفتين من حكم الرئيس السيسي في مقال، لكن المغزى العام للحوادث يظل ظاهرا وقابلا للإيجاز، فقد جرى إنجاز هائل، تواقت ـ للأسف ـ مع فساد مهول، ومع غياب شبه مطلق لمعاني السياسة والحس الاجتماعي.
الإنجازات لا شك فيها، وقد تمت بمعدلات غير مسبوقة، وتجري بها عملية إعادة تشكيل محسوسة للمعمور المصري، وتكلفت للآن ـ بحسب حصر السيسي ـ تريليونا و40 مليار جنيه مصري، من توسيع وتجديد وتعميق قناة السويس في سنة واحدة، وإلى ستة أنفاق عبور إلى سيناء من تحت القناة هي الأحدث من نوعها عالميا، وإلى شبكة طرق كبرى في طول البلاد وعرضها، وفي قلب الصحراء، وإلى إقامة موانئ ومدن جديدة عصرية في لمحة عين، وإلى مئات الآلاف من وحدات الإسكان الاجتماعي المتطور، والاقتحام الجسور لمشكلة العشوائيات الخطرة، وفتح شرايين جديدة عفية لنوعية حياة مختلفة، ومعالجات جذرية شاملة لشبكات المياه والصرف الصحي، وإحداث ثورة في توفير موارد الطاقة الكهربائية، نهضت بها محطات طاقة كبرى بالمعايير الدولية، وحققت فوائض متزايدة في إمدادات الكهرباء للمنازل والمصانع، سلكت طرق توفير الطاقة القديمة والمتجددة، وزادت إلى استئناف المشروع النووي السلمي في «الضبعة»، وفي اختراق تخلفت عنه مصر في الأربعين سنة الفائتة، وبصياغة طموحة، تعتمد على قرض روسي ميسر طويل الأجل، يصل إلى 25 مليار دولار، ومع مشروع استصلاح زراعي طموح، يستهدف إضافة 4 ملايين فدان جديدة إلى أراضي مصر الزراعية، ويبدأ بمليون ونصف مليون فدان، ظهرت بواكيرها في مشروع قمح «الفرافرة»، ومع اتجاهات أقل إلى الآن لتطوير الصناعة المدنية، خاصة في مجال الأسمدة والكيماويات بالفيوم ودمياط و»العين السخنة»، وتجديد شامل مدروس مخطط في مصانع الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع، يقتحم مجالات صناعة حربية جديدة، ويكون سندا لجيش تطور وتجدد، كما لم يحدث من قبل، جعله القوة العاشرة في سباق السلاح الدولي، وأول جيش في المنطقة لديه حاملات طائرات، بدأ انضمامها للعمل بتوريد حاملة الطائرات «جمال عبد الناصر» من طراز «ميسترال» الفرنسية الصنع، ومع قفزات مذهلة في تنويع مصادر السلاح، وصناعة الطائرات بدون طيار، وإضافة أحدث أجيال طائرات «الميج» و»السوخوي» الروسية، و»صواريخ إنتاي»، ونظام الدفاع الجوي الصاروخي «إس ـ 300»، الذي يجعل مصر قلعة عصية على الاختراق من أي قوة منافسة أو معاكسة، فضلا عن تقدم الجيش، وحضوره الفعلي بكامل هيئته، وفي كل سيناء، وصولا إلى الحدود المصرية ـ الفلسطينية التاريخية، ودهس كامل مناطق نزع السلاح التي كانت مفروضة بمقتضى الملاحق الأمنية، لما يسمى معاهدة السلام المصرية مع كيان الاغتصاب الإسرائيلي.
لا شك ـ إذن ـ في حصيلة إنجازات تبدو مبهرة، وتمت في وقت قياسي، واستعادت لمصر قدرا معتبرا من استقلالها الوطني الذي كان مضيعا، وهو ما يفسر حديث الرئيس السيسي علنا عن وضع العلاقة بأمريكا في حوار تلفزيوني، كان السيسي قد أشار في لقاء مغلق إلى الأزمة مع واشنطن، وقال ما نصه بالعامية المصرية» كانت أمريكا بتملي أوامرها في التليفون»، وأضاف وقتها «ولأن ذلك ما عادش بيحصل.. هنعاني ونفضل نعاني»، ولكنه في مناسبة مرور سنتين على حكمه، خرج بالقصة إلى العلن لأول مرة، وبطريقة حذرة لكن واضحة المغزى في حوار مع التلفزيون الرسمي، وقال إنه «ليس ملزما» بأدبيات السياسة في الثلاثين سنة الأخيرة، أي أنه ليس ملزما بكلام السادات عن التسعة والتسعين بالمئة من أوراق اللعبة التي في يد أمريكا، والتي زادها خلفه المخلوع مبارك إلى مئة بالمئة من أوراق لعبة المصائر، أي أن قواعد اللعبة تغيرت، ولم تعد عبارة «العلاقة الاستراتيجية» مع أمريكا تعني شيئا كثيرا لمصر، ولا لصناعة القرار فيها، التي تخلت عن علاقة التبعية الموروثة للأمريكيين، وهذا ما يحسب ـ في ظننا ـ لصالح إنجازات السيسي، ولنمط إدارته المختلف لعلاقات مصر العربية والإقليمية والدولية، التي تبدو منضبطة ومدروسة قياسا إلى الفوضى المتروكة في الاختيارات الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فقد نجح السيسي في تجديد وتعظيم قوة الجيش، وحطم شوكة الإرهاب، وحقق قدرا كبيرا من الاستقرار الأمني المحسوس، وخلق بيئة أكثر جذبا للاستثمارات، واعتمد على انضباط وكفاءة الجيش في إنجاز المشروعات الكبرى، التي يعمل بها إلى الآن، ما يزيد على المليوني مهندس وفني وعامل مدني، وأضافت قطبا اقتصاديا وإنشائيا وصناعيا جديدا، قد تصح تسميته برأسمالية الجيش، وهي رأسمالية دولة جديدة، دخلت في صراعات ضارية لاحتواء وتقليم أظافر «رأسمالية المحاسيب» النهابة الموروثة عن عهد المخلوع مبارك، فليس بوسع أحد من «رأسمالية المحاسيب» أن يعمل الآن بدون تفاهم مع الجيش، وبهوامش ربح ومعدلات إنجاز، تحددها هيئات الجيش، وهو ما يهدد سلطان ومراكز نفوذ «رأسمالية المحاسيب» في الاقتصاد والإعلام، فالأذرع الأمنية، المقربة من الجيش، تعيد تشكيل وصياغة الإعلام الخاص بعد العام، وتكون تكتلات إعلامية وإعلانية كبرى، ظهر بعضها إلى العلن، ويجرى تجهيز أخرى في الكواليس، حتى بدت الساحة كأنها حلبة «مصارعة أفيال»، تدهس عشب الحرية تحت أقدامها المفلطحة، التى لا يعنيها سوى كسب النفوذ المادي والمالي، واجتذاب قوافل من «الطبالين» المستعدين للتصفيق والتهليل في كل الأحوال، وبدون محتوى إيجابي، ولا رسالة إعلامية بعينها، تتخطى اعتبارات البيزنس وقوانينه، وفي ظاهرة تكشف خللا خطيرا في سيرة ومسيرة السيسي، فهو يحل فكرة «المقاولة» محل فكرة «السياسة»، وقد لا يكون من جدال كثير في إخلاص السيسي ورغبته في عمل شيء جديد، ولا جدال في كونه رجل إنجاز حقيقي، وقد تكون فكرة «المقاولة» مفيدة في التسريع بالإنجازات الإنشائية، لكنها غاية في البؤس، حال تجريبها في مجالات أخرى، وعلى الطريقة التي تجرى اليوم في الإعلام، وجرت من قبل في صياغة البرلمان، وفى التعامل مع غضب الشباب، وفى إغلاق المجال العام بالجملة، فلا سياسة من أصله في خطط الرئيس السيسى، ونقطة الخلل عنده في تكوينه الغالب على تصرفاته إلى الآن، ورغم مرور سنتين كاملتين على وجوده في قصر الرئاسة، والتطور النسبى لخطابه العام، فلا يزال الرئيس أسيرا لفكرة تنظيم الجيش ذي الصفوف والأنساق، وتأخر ظهور الأمارات المقنعة على إدراكه لطرق تنظيم المجتمع المختلف بالطبيعة عن تنظيم الجيش.
نعم، هذه هي نقطة الخلل والضعف الكبرى، التي لا تشفع إنجاز الرئيس بانحياز سياسي واجتماعي ذي مغزى، يكفل التعبئة الشعبية الواسعة، ويصوغ الاختيارات على نحو يخدم أغلبية الفئات والطبقات، ويفكك أزمات احتقان تكاد تخنق البلد، وحتى لا يكون الحديث عاما، فدعونا نحتكم إلى طريقة كلام وقرارات الرئيس، فهو يسمب خصومه المفترضين «أهل الشر»، هكذا على نحو أخلاقي عمومي، وبدون أن يكشف عن الذي يقصده بالضبط، ويبدو كأنه رجل مخابرات كتوم قليل الكلام، وتكاد ـ بصعوبة ـ تفهم إشاراته المبهمة عن أدوار الإخوان و»الأمريكان»، وبدون أن يلتفت بما يكفى إلى موارد الخلل الأعظم، فالمؤامرة ـ إن أخذنا بالوصف الشائع ـ موجودة في الدولة نفسها قبل أن تكون خارجها، فقد يحظى الرئيس بتأييد ودعم الجيش، وقد يعرف كل «تفصيلة» في قصص المشروعات الكبرى، لكنه لم يلتفت أبدا إلى أولوية تطهير الجهاز الإداري والحكومي، ولا إلى خطر الفساد الذي ينخر في بدن الدولة، ولا إلى زحف الفساد إلى بدن الأجهزة الأمنية التي يعتمد عليها، ولا إلى تداخل المصالح بين البيروقراطية الفاسدة ومليارديرات «رأسمالية المحاسيب»، وهو ما يجعل الدولة في فوضى شاملة، لن تكون آخر أماراتها في خروق التسريب المنتظم لامتحانات الثانوية العامة، فضلا عن فضائح ومخازي الأداء اليومية في أجهزة الدولة، التي يسعى السيسي إلى تثبيتها على عفنها، ويقيس النجاح فقط بتراجع الإرهاب، مع أن الفساد أخطر من الإرهاب، وهو ما لا يتصدى له الرئيس بما يستحق، ويلجأ في الحلول المؤقتة إلى زيادة الاعتماد على الجيش وهيئاته، ويسقط المجتمع تماما من حسابه، ويكتفي بحديث غائم عن «الكتلة» التي تسانده، وبدون وعي كاف بتفاقم مظاهر الغضب الاجتماعي، وموجات الغلاء التي تحرق أيادي الناس وجيوبهم، وتأكل أجور العاملين بالتضخم وجنون الدولار وخفـــض الدعم، وزيادة الديون الخارجية إلى 54 مليار دولار حتى الآن، وتفشى البطالة والفقر مع تضخم الفساد، وانحيازات حكومات السيسي المنوالية إلى الأثرياء والفاسدين، وامتلاء السجون بعشرات الآلاف من المعتقــــلين السياسيين، فالسيسي يبدو في شغل عن هذا كله، يبدو طائرا بطائرته إلى مواقع إنجازاته في «مصر الجديدة»، قافزا على مفاسد «مصر القديمة»، وهنا وجه الخلل والعطب والخطر، والمخاوف الجدية من احتمالات سقوط «طائرة السيسي» بجاذبية الفساد الأرضية.

٭ كاتب مصري

مصر: إنجاز هائل وفساد مهول

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية