ليست الكتابة الشعرية عالما مجازيا مغلقا يلاعب فيه الشاعر اللغة ومجازاتها لينتج صورا شعرية تزين كونه الشعري، فاللغة الشعرية وإن تحققت فيها سمات العلو والتميز التي خطها كوهين واكتسبت طابعا مجازيا فلا يمكن أن تكتمل جماليتها وتحقق وقعها ما لم تتماس مع المعاش وتجلياته المختلفة، وما لم يجد قارئها رابطا بينها وبين واقعه وذاكرته فالتخييل الشعري ليس نفيا للذات وللواقع وللذاكرة، ولا يمكنه أن يظل في تخوم التهويمات، ولا مناص من الاعتراف بأن الذات الشاعرة كثيرا ما تجنح إلى الذاكرة لتفرج عن الصور التي تختزنها ولتعيد صياغتها صياغة فنية شعرية، حيث تعود الصور والذكريات والمشاهد الغابرة لترفرف على الذات الشاعرة وتجتاح المخيلة الشعرية فتهجر التصوير المصطنع المعتمد على المجازات ومفارقة اللغة اليومية، نحو مسار لغوي بلاغي جمالي.. ولعل هذا المنحى هو ما نصادفه في هذه المجموعة الشعرية لجميل حمادة – وهي مجموعة شعرية صادرة عن دار القلم في سيدي بوزيد- الذي نجده في هذا العمل ينحت نصوصه وصوره الشعرية مستندا إلى الذاكرة الفلسطينية، تلك الذاكرة التي تحفظ صفحات مؤلمة في تاريخ الإنسان الفلسطيني وتحفظ مرارة التهجير والطرد من الأرض… ولعلها في النهاية ذاكرته الشخصية، باعتباره مهجرا ومغتربا عن وطنه منذ عقود وعاش صفحات من المأساة الفلسطينية.
يفتح جميل حمادة في هذا العمل الذاكرة، ليلتقط منها اللحظات الحارقة وليعيد رسم مأساة الشعب الفلسطيني وكتابة الواقع العربي بمرارة كتابة تنحو أحيانا إلى أن تكون كتابة كوميدية سوداء. ولعل القصيدة الرئيسية لهذا العمل تضعنا في هذا المضمار، ففي «قصيدة كنا على عجل آو حكاية قديمة» يستعيد الشاعر بداية الرحلة:
لم نكن قد تناولنا بعد قهوتنا
ولا خبز الصباح
قالوا لنا غيبوا قليلا
وراء التلة التي تجثو هناك
ولم يقصر الشاعر ذاكرته على سيرة الرحيل والتهجير وإنما مر إلى الخطاب العربي المتخاذل، راسما بذلك خيبة فلسطينية ومذكرا بوعد مهمل لم يف به العرب،
«ولم نكن على عجل حين قالوا
لا تمتطوا فرس الهواجس
سوف نأتي إليكم
يغدو قرص الشمس تحت البحر
كي نعيد لكم حقول الخيل والتفاح والحنطة
وكنا مستعجلين حين غادرنا بهاء الشمس
نحو دهليز من الطاغوت والظلمة
وصار البيدر الذهبي/يعلو الدم
فوق ترابه وثراه
إنها كتابة شعرية للذاكرة، بل هي كتابة الاغتراب الفلسطيني، ولكنها لم تكن خطابا تاريخيا أو نقلا مباشرا لصور الذاكرة، فالشاعر حاول تشغيل النظام الجمالي الاستشعاري بما بثه فيها من صور واستعارات يمكن تبينها من خلال المقاطع المذكورة، كما زاوج بين الخطاب الشعري والخطاب الميتاشعري، من خلال حديثه عن القصيدة ومزاوجته بين لحظتين: لحظة التهجير ولحظة القصيدة وهي مزاوجة استمرت على كامل القصيدة وفي مختلف مفاصلها الرئيسية ومنها ما أورده في النهاية:
لا فرق إن كنا على عجل
أو كنا على مهل
حين نذهب في بلاد الموت
لسنا على عجل
إذا كانت ستأتي في الصباح
أو تأتي ضحى أو في الظهيرة
أو على جنح الظلام أو في صرير الريح
لسنا على عجل
إن هذه المزاوجة بين الوطن والقصيدة وبين انتظار لحظة الخلاص الوطني ومجيء القصيدة محاولة لتغريب الخطاب الشعري وإضفاء الطابع الجمالي على النص حتى يبتعد عن الخطاب اليومي، وهو ما يعني أن كتابة الذاكرة ليست كتابة مباشرة وإنما تتطلب جهدا فنيا لصبغها بالأدبية. فلكتابة الذاكرة جمالياتها وضوابطها التي تجعل خطابها شعريا وتصبغها بصبغة ذاتية للإبداع…
لقد كتب جميل حمادة هذا العمل على إيقاع الذاكرة الفلسطينية والعربية مزاوجا خلاله بين الوجع الذاتي والقومي من جهة وبين الجوانب الجمالية من جهة ثانية، حيث كان الشاعر طوال المجموعة باحثا عن أساليب شعرية لاغتناء نصوصه متهكما حينا كما في قصيدته «إلى حبيبتي أمريكا» أو مستدعيا نصوصا خارجية من باب التناص، كما في قصيدته أمي وفيروز…
٭ كاتب وباحث تونسي