الطبيعة تشارك الفنان بمنحوتاتها الذاتية

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب: يسعى الفنان العراقي خالد المبارك للمزج بين فنين متجاورين ومتضادين في الوقت نفسه، إذ يشتغل على النحت والرسم معاً في أغلب أعماله.
فمن خلال معارضه السابقة، يلاحظ أنه قدَّم منحوتاته ضمن لوحاته وألوانه التي خرق بها بياضة قماشة الكانفاس، كذلك لا تبتعد أي منحوتة من منحوتاته، عن أن تكون جزءاً من لوحة قدمها سابقاً، أو في معرضه الحالي. وهو ما حاول استيعابه في معرضه الأخير «كائنات متحجرة»، لكنه مع هذا ابتعد قليلاً عن التجسيد إلى رؤى مغايرة، كان التجريد بعداً جديداً لها، حتى كأن المتلقي يبحر في شواطئ تكتسي بالحجر، ولم تكن الرمال من بنيتها الجيولوجية.
حوّل المبارك في معرضه «كائنات متحجرة» العالم إلى أشكال هندسية، فمع افتتاح كاليري سيبار وسط بغداد، أراد أن يخرج بتجربة جديدة، بعيدة عن تشكيلاته التي لم تخرج في الغالب عن البحر، بأسماكه وحيواناته وكائناته، لهذا كان الحجر هو المادة الخام التي أعاد تشكيليها، كأنما هــذه الكائنات حصى يلعب بها كيفما شاء.
غير أنه يؤكد لـ«القدس العربي» على أن هذا المعرض امتداد لمعارضه السابقة بشكل أو بآخر، مبيناً أنه يحمل الهمَّ الإنساني نفسه الذي يبحث عن الخلاص من تبعية القهر والظلم، اللذين يتعرض لهما الإنسان منذ بدء الخليقة. مشيراً إلى أن الظلم ظهر مع الحياة الأولى، ومن ثمَّ رافق الإنسان ظلمه لأخيه الإنسان… قائلاً: «في اختيار كائنات وربطها بالحجر تعبير مجازي لماهية التضاد ما بين الأسود والأبيض، وما بين الخير والشر، والحب والكراهية.. أما المتلقي فعليه أن يتحاور مع الكائنات التي تحولت إلى أحجار بفعل تخليها عن إنسانيتها وتجردها».
ربط المبارك في معرضه هذا الإنسانية بالحجر، فهو بحسب ما يقول يعمل على ربط التضاد في موضوع المعرض وعنوانه… ومن المعروف أن أول جريمة ضد الإنسانية هي قتل قابيل لأخيه هابيل بأداة بدائية هي الحجارة، لما لها من صفات أيضاً، كونها الأشد صلابة وجلادة، فضلاً عن أنها صورة لعوالم بديلة، و«هنا القصدية في الموضوع، في أن الإنسان حين يفقد إنسانيته يتحول إلى الحجارة، بل أقسى منها في سطوته وقسوته وظلمه لأخيه الإنسان، وهذا ما يحدث الآن تماماً… فمنذ بدأ الإنسان يصنع الأشياء التي تعينه على مواصلة المعيشة والحياة، كانت الأداة الأقرب إليه الحجارة، فهي المادة الأولى التي تعامل معها وربما مسخ شخصيته بها».
أما عن البنى التي اشتغل عليها المبارك لتقديم هذه التكوينات، فيشير المبارك إلى أن الأفكار قد تكون ممارسات يومية تصادفنا بالحياة وتترك آثارها علينا يومياً، نتلمسها بكل ما تحمل من قسوة وعنف بغض النظر عن الأشياء التي تبعث البهجة والسرور، وهي نادرة، غير أنه في الوقت الذي تحدث فيه نعيشها ويعيشها الفنان والمفكر والباحت، بمتعة اكتشافها وتعامله مع المادة ومطاوعته لها وتطويعها لعملة الفني.
يلاحظ أن أغلب المنحوتات التي اشتغل عليها المبارك كانت قهوائية اللون، في حين ترك بعضها بلون الحجارة الأصلي، وهو ما يجعل المتلقي يتساءل عن الأسباب التي جعلت الفنان يلجأ لهذا التلوين، والفلسفة التي حاول الفنان تقديمها من خلاله… وفي هذا يبين المبارك أن التعامل مع المادة وتطويعها لما نريد وإضافة لمساتنا الفنية، لها علاقة بالفكرة التي نريد إيصالها إلى المتلقي، أما الألوان فما هي إلا مكملات لتلك الفكرة، «أعتقد أن الطبيعة تشارك الفنان بفعلها، وما على الفنان إلا أن يضيف مكملات لكي يكون العمل جاهزا للعرض بتقنياته المشتركة ما بين الطبيعة والفنان.. أجد الفكرة داخل الحجارة وما عليّ إلا أن أزيل قشورها لكي تظهر الفكرة- حسبما قال مايكل أنجلو». وهنا فالعلاقة بين الفنان والمادة والتمكن من أدواته هي التي تخلق الثقة الكبيرة في التعامل، في حين كان اللون متغيراً من عمل إلى عمل آخر،غير أن اللون البني كان طاغياً لكونه قريباً من أجوائنا وطبيعتنا الطوبوغرافية، التي تقترب بشكل أو بآخر من أجواء الصحراء والتصحر.
كانت للأعمال المعروضة أكثر من زاوية يمكن النظر من خلالها، أو إعادة تصويرها بحسب رؤية المتلقي، غير أن المبارك يرى أن الزوايا هي الأمكنة التي تثير فينا كوامن العاطفة الوهاجة، بل تسترجع بنا الذاكرة الغضة، فمنذ كنا أطفالاً استهوتنا الأحجار لما لها من سطوح ومتكورات رغم صلابتها، فهي تغرينا بجمال تكويناتها المنحوته أصلا بفعل خالقها، وهي بالتاكيد كائنات متحجرة، بل هي أشبه ما تكون بالدمى. يعتقد المبارك أن الفنان العراقي القديم، والسومري على وجه الخصوص، استهوته الأحجار فقام بتقليدها على شكل دمى طينية، وهي الاكتشافات الأولى له في عالم الفن».
ربما يخيّل للمشاهد أن المبارك يكرر بناء منحوتاته في هذا المعرض، إلا أنه يقدم كل تكوين بشكل مغاير عن الآخر.. ربما كان هدف المبارك أن تأخذ وحدة البناء والموضوع مكانها، بمعنى «أن هناك نمطاً سائداً في طبيعة العرض، غير أن هناك تحولات وتنقلات مدروسة وبعناية… فكل قطعة من العمل لا تشبه الأخرى، مع وجود وحدة في الأسلوب واختيار الكتل وتفكيكها ومن ثم تجميعها وبانسجام، هذه الوحدة تعطي للمتلقي انطباع كونها كائنات متحجرة.. وفعلاً، إذا ما تمعنت في أشكالها ترى أنها كائنات تحولت إلى حجارة بفعل أدائها».
وبمراجعة لما قدمه المبارك في معارضه السابقة، فإن أغلبها كان يضم منحوتات ولوحات زيتية، حتى أن بعض المنحوتات السابقة كانت لوحات حفرتها بطريقة محترفة.. غير أن المبارك في معرضه هذا لم يقدم إلا منحوتات أضاف لها بعض الألوان، مبتعداً عن الرسم واللوحات التشكيلية التي تتداخل مع المنحوتات، كما فعل في معارضه السابقة. وفي بيان لرأيه حول هذا التحول، يوضح المبارك أن الوضع مختلف هنا، وفيه من القصدية في طريقة العرض واختيار المادة الشيء الكثير لصلته بالموضوع ذاته. فضلاً عن أن هناك تخطيطاً أشبه بالكرافيك صاحب المنحوتات لتعطيها تمازجاً وتناغماً وانسجاماً وهو من مفاجآت العرض.
في أعمال المبارك كان البحر هاجساً وواضحاً في أغلبها.. السمك، والحيوانات البحرية، ألوان الماء، زرقته وبياضه، وهكذا وصولاً إلى عمق أعماله التشكيلية.. ومن المحتمل أن تكون حياة المبارك قرب البحر لها تأثيرها الواضح، فهو لم يتخل عن هذه الصلة، ولا حتى عن المفردات التي شكلت تجربته التشكيلية.
المبارك يرى في هذا التأثير أنه ليس بعيداً عن أرض الواقع، و«إذا ما تمعنت بتكوينات المنحوتات المتحجرة قد تكتشف فيها الشيء الكثير من الكائنات وليس الإنسان هو المقصود فقط، فهي مرافقه له، وتكاد تكون هي الشاهد على جريمته التي اقترفها».
على مدى معارض امتدت منذ أكثر من ثلاثين عاماً، هي تجربة المبارك الفنية، كيف يمكن قراءة التحولات التي مرّت بها هذه التجربة؟ وما الذي تغير من وجهة نظره بين معرض وآخر…؟ لكن المبارك يؤكد أن الهدف هو هو لم يتغير، وهو الإنسان وصراعة من أجل الخير ضد غريمه الأبدي الشر. أما المتغير فهو مسميات المعرض واختيار المادة والتعامل معها وتطويعها لثيمة وفكرة المعرض، لكي تكون هناك وحدة الموضوع فهي سلسلة من المعارض وهي تحمل في معانيها الهم الإنساني الذي شغل المفكرين والفنانين والأدباء… هذا بحث مستمر حول الموضوع ذاته، مستمر ولا يتوقف ما دامت هناك مشكلة أزلية وصراع دائم ما بين الخير والشر.

الطبيعة تشارك الفنان بمنحوتاتها الذاتية
معرض «كائنات متحجرة» للعراقي خالد المبارك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية