الاعتبار الديني في الحياة الدولية المعاصرة

حجم الخط
1

الصراع الحاد والكارثي الذي دار بين الرأسمالية والشيوعية، طوال القرن الماضي تقريبا، انتهى في المطاف الأخير إلى انهيار المنظومة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي ومجموعة الدول الاشتراكية، وإلى محدودية الفكر الشيوعي في تفسير ظواهر وأشياء العالم وتاريخه.
وكان الوجه الآخر لهذا الانهيار، هو انتصار غير محسوب للنظام الرأسمالي المادي، الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية. ومن ثم اعتبر، أو هكذا ساد الاعتقاد، أن النظام الرأسمالي هو الأنسب إلى حياة الأمم والشعوب في العصر الراهن. وإذا كنّا نسلم، ولو بقدر من التسليم، أن النظام الرأسمالي المتوارث عن العصر الكولونيالي والإمبريالي قد حقق الانتصار على المنظومة الشيوعية، فإن النظام الغربي الأمريكي- الأوروبي، لم يتعاط بإنصاف واستحقاق مع المعطيات التي كانت وراء الدمار والتفكك الذي لحق بالمنظومة الشيوعية، كنسق فكري سياسي وكنظام حكم سياسي في العالم. فقد أبعد النظام الشيوعي الدين كاعتبار من اعتبارات التنمية وفهم الحياة والوعي بمصير الإنسان، وكان هذا الإبعاد بمثابة عرقوب أخيل النظام الشيوعي، كفكر وممارسة في المنطلق وفي السياق، وحتى النهاية التي جاءت في أعقاب تدخل الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، أُجْبر على النكوص والتراجع في حرب جهادية استُدعِيَت فيها أساليب ووسائل الخطاب الديني.
في سياق هذا التحول الذي حدث للعالم، عمدت القوى الرأسمالية ممثلة في النظام الأمريكي إلى الانفراد بالحكم في السياسة الدولية وبأسلوب عرف بالأحادية القطبية التي لم تَحُل مشاكل وتداعيات ما بعد الانهيار الشيوعي، بقدر ما راحت إلى اغتنام كل نتائج وثمار حقبة ما بعد الثنائية القطبية، وكان منها التنكر للقوى الإسلامية الصاعدة إلى المسرح الدولي. إن الذي ترتب عن تفكك القطب الشيوعي هو الاعتبار الجديد الذي حظي به الدين كمقوم للشعوب الضعيفة وقدرته على تحريرها، فضلا عن استعادته كمرجع حياتي وروحي في المجتمعات التي عانت من النظام الشيوعي الحديدي. فهذا الأخير لم يكن معاديا فقط للغرب كنظام رأسمالي وبورجوازي استغلالي، بل كان معاديا في العمق للدين، ولم يأخذ به في برامجه التنموية الشاملة، ولم يوله الاعتبار المستحق على صعيد الحياة الدولية، بل تغير المشهد العالمي لما بعد الشيوعية، حيث عمدت القوة القطبية الأحادية إلى رسم سياسة دولية لمحاربة ومكافحة الثورات والحركات الجهادية، ثم أدت هذه السياسة الدولية الجديدة إلى خلط رهيب بين الدين كمنظومة قيمية وروحية اقتضتها ولا زالت طبيعة حياة الإنسان والمجتمع والدولة، وبين تدين احتجاجي وحركات تمرد وعصيان اجتماعي وتيارات متطرفة… غطَّى على المشهد الذي كان يفترض أن يظهر في عالم ما بعد الشيوعية: قيمة الدين كمنظومة روحية وأخلاقية متعالية، وإمكانية وجدانية وإيمانية للإنسان المعاصر.
الدين، يجب أن يأخذ نصيبه في الحياة الدولية والوطنية باعتباره أحد الهوامش الضائعة عن عصر الحداثة وما بعدها. كان المذهب الكاثوليكي يحصر الخلاص في الكنيسة، «لا خلاص خارج الكنيسة». لكن مجيء القس الألماني مارتن لوثر في القرن السادس عشر، من صلب الديانة المسيحية، منح الروح الجديدة لفكرة الخلاص، بحيث صار يبحث عنه من خارج الكنيسة وفي كل العالم، لكي تتجاوب أكثر مع تطلع الإنسانية إلى العدل العالمي لكل الشعوب والأمم. فقد كانت تعاليم مارتن لوثر ثورة حقيقية على السلطة البابوية والكرسي المقدس في روما، ساهمت في تحرير الناس بأنهم أولى من رجال الدين في استحقاق الرضاء الرباني، والتنعم بفضيلة الله في الدنيا والآخرة، وأن قدرهم ليس انتظار فرج قد لا يأتي لا في الدنيا ولا في الآخرة.
جانب آخر، رغم المسار العلماني والعلمي الذي شهده الغرب، غير أنه لم يستطع أن يتخلص من الدين كخاصية حياتية أو مرجعية تاريخية للهوية الأوروبية والأمريكية، اضطر القادة الأوروبيون، في لحظة ما بعد الحداثة إلى التعامل مع الدين كمحدد وخاصية من خصائص أوروبا ذاتها، على تنوع واختلاف دولها وأممها. فلم يعد يَكْفي الاقتصار فقط على خاصية مثل دولة القانون، الديمقراطية، النقد العقلاني، العلم أو اقتصاد حر قائم على الملكية الخاصة، بل الدين أيضا دخل الدستور الأوروبي.
الدين المسيحي يحيل إلى الكاثوليكية والبروتستانتية والأرثوذكسية، وإلى تاريخ العهد القديم والجديد، أي إلى أصول الديانة المسيحية واليهودية أيضا، كما أن هذا التاريخ يشير أيضا إلى لحظة خلخلة ونقد الدين كمؤسسة بابوية وكنسية وصراع مع اليهود، خاصة في القرنين الثامن عشر على ما فعل الفيلسوف اللاهوتي سبينوزا، وفي القرن التاسع عشر على ما فعل الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه. فالنقد الذي وجه إلى الكنيسة ساهم في إعادة التأويل والنظر في موضوع علاقة الإنسان بالكنيسة، وتصويبها أكثر نحو علاقة بين الإنسان بربه، ومن ثم تحرير الإنسان من سطوة الكنيسة كراعية لضمير الإنسان وآخرته. وعليه، كما صرنا نعرف اليوم، يجب ألا نغفل البعد الديني في حياة الغرب حتى وهي في أوج علمانيتها، لأن نقد الكنيسة التي استأثرت برمزية الدين هو جزء من إصلاح الحياة الدينية أيضا، وليس إلغاءً لها. وإذا كانت الحرية تزدهر في عصر ما بعد الحداثة، فان الحرية الدينية من جملة الحريات التي لا تني تتزايد أهميتها في هذا العصر.
إن الدين الذي جرى التغاضي عنه، هو منظومة قائمة بذاتها تتعدَّى التاريخ وتتخطاه وإن كانت لا تلغيه أو تفتئت عليه، بل الدين في الجوهر وبالتعريف قيمة تجاوزية ومتعالية، لا تلتحم الالتحام المصيري مع الأنظمة الاجتماعية والسياسية. الدين، كما صرنا نعرف، من خلال تجربة التاريخ وما أوحت به وقائع وأحداث القرن العشرين، قوة روحية ذات مصدر إلهي سرمدي وأبدي يتعالى على الأزمنة والأمكنة ولا يلغيها بحال، بل يقتضي تجديد الرؤية له وإعادة قراءاته وفق خطابات فكرية وفلسفية وسياقات أممية جديدة: تجديد التفكير الديني.
وفي هذا الزمن الفائق نحتاج إلى إعادة التفكير في النصوص الدينية والمقدسة لإعادة الانسجام وتجديد العلاقة إلى الذات الإنسانية وإلى الدولة والعالم. فخاصيته المجرَّدة، المتعالية هي صمّام تواصله مع بني البشر إلى السعادة والنجاة.

٭ باحث وكاتب جزائري

الاعتبار الديني في الحياة الدولية المعاصرة

د. نورالدين ثنيو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية