صراع الأجهزة في مصر

حجم الخط
17

أسوأ الأخبار التي تتسرب من مصر حالياً هي تلك التي تفيد بوجود صراع بين أجهزة كبرى في الدولة، وهي أجهزة سيادية عملاقة من المفترض أن تكون صمام الدفاع الأساسي عن البلاد والعباد، لكنها ـ كما يبدو- باتت غارقة في الدفاع عن مصالحها ومكتسباتها والتنافس على السلطات والامتيازات في أكبر وأهم دولة عربية.
جريدة «التايمز» البريطانية نشرت تقريراً مرعباً قبل أيام كشفت فيه أن عملية تصفية الطالب الإيطالي جوليو ريجيني لم تكن سوى نتاج الصراع بين أجهزة الأمن في مصر، وتقول بأن عملية قتله جاءت في أعقاب لقائه بمدير الأمن الوطني السابق اللواء صلاح حجازي، وهو ما علمت به أجهزة أخرى لاحقاً لينتهي الأمر إلى إقالة حجازي من منصبه في ديسمبر، وقتل ريجيني في فبراير.
وبحسب المعلومات التي تقول «التايمز» إن السفارة الإيطالية في جنيف تحقق بها فان ريجيني كان خاضعاً لرقابة جهاز المخابرات العامة في مصر، قبل أن يستولي جهاز المخابرات الحربية على ملفه، وذلك في تلميح واضح على وجود صراع بين الجهازين، وهو الصراع الذي لا يعلم أحد أين يمكن أن ينتهي، خاصة أن الرئيس عبد الفتاح السيسي ذاته يمثل جزءاً مهماً من هذا الصراع بحكم أنه ابن المخابرات الحربية، التي كان ينتمي اليها طوال السنوات الماضية، وفي الوقت ذاته يحاول أن يضع لابنه محمود موطئ قدم في جهاز المخابرات العامة.
ما نشرته «التايمز» عن صراع بين أجهزة سيادية عملاقة في مصر سبق أن تداوله العديد من المواقع الإلكترونية على الإنترنت، كما أن إيطاليا تُحقق بصمت في هذه المعلومات من أجل فك لغز مقتل مواطنها الذي تحول إلى قضية رأي عام في أوروبا بأكملها، وهذا كله ليس مهماً، وإنما المهم هو الإجابة على سؤال: على ماذا يتصارعون في مصر؟ وما تأثير هذا الصراع على البلاد وعلى السكان؟
بسبب الصراع بين أجهزة سيادية، وبسبب التشوهات التي نتجت عن النظام العسكري، أصبح المصريون يدفعون ثمناً باهظاً كل يوم من حياتهم، وبات الوضع المعيشي في تدهور مستمر وبؤس كبير، وتحول الجيش من حام لمصر وحارس لأمنها الى «جمعـــية خيرية» تنظم الموائد الرمضانية وتوزع المساعدات الإنسانية، في محاولة للتغلب على التشوهات الاقتصادية والاجتماعية التي نتجت عن هيمنة الجيش على كل مناحي الحياة، بما في ذلك قطاع الخدمات الذي بات فيه الجيش ينافس رجال الأعمال.
الصراع بين أجهزة الدولة العميقة في مصر مرده إلى المكتسبات التي حققها البعض، فشعر البعض الآخر أنه «خرج من المولد بلا حمص»، وهذا الصراع هو الذي يُفسر لماذا ينهار الجنيه المصري، ويختفي الدولار الأمريكي والعملة الصعبة من السوق، ويُفسر كيف تبخرت 20 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي في مصر، وهوى الاحتياطي من 36 مليار دولار في عام 2011 الى 16 ملياراً فقط في العام 2016، كما يُفسر كيف ولماذا مات 491 معتقلاً في السجون، وكيف يرقد آلاف غيرهم في السجون من دون محاكمة، ويُفسر كيف قتلوا ريجي «كما لو كان مصرياً»، لأن المواطن الغلبان أصبح بكل بساطة مجرد وقود لصراع بين الكبار!
تتزايد القناعة لدينا يوماً بعد آخر بأن مصر بحاجة لخطة إنقاذ شاملة، وهي خطة إنقاذ لا يمكن أن تنقذ البلاد والعباد إلا بتخلي الجيش عن العمل في السياسة، لأنه ليس حزباً سياسياً، وتخليه عن العمل في الاقتصاد لأنه ليس شركة استثمارية، وتخليه عن العمل في المجال الاجتماعي لأنه ليس جمعية خيرية، وعودته الى ثكناته الطبيعية كحارس لمصر والمصريين يقوم بمهمة الدفاع الأسمى والأعلى.. وعندها سوف يتوقف صراع الأجهزة الذي تشهده الدولة العميقة في مصر، ويتحسن حال المواطن الغلبان.

٭ كاتب فلسطيني

صراع الأجهزة في مصر

محمد عايش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية