عقدة عربية في كرة القدم الفرنسية!

بدأت بطولة كأس أمم أوروبا في فرنسا الجمعة الماضية بأعمال شغب متوقعة. لا يمكن انتظار شيء آخر عندما يلتقي مشجعون إنكليز ثملون طول الوقت وآخرون روس، فوق الثمالة، متعصبون إلى أبعد الحدود ويحملون كل عُقد دنيا داخلهم.
ولأن الشغب طغى، قضى الناس الأيام الأولى من المنافسة ينتظرون مستوى الشغب في هاته المباراة أو تلك، أكثر من انتظارهم مستواها الفني وأداء الفرق فيها.
لحسن حظ فرنسا السياسية والرياضية والإعلامية، غطت أعمال الشغب والتخريب على معضلة فرنسية مستعصية تعجز بلاد «الحرية والأخوة والمساواة» عن حلها.
الحلقة الجديدة من المسلسل المستمر اسمها كريم بن زيمة، نجم نادي ريال مدريد ومنتخب فرنسا المنحدر من أبوين جزائريين. إلى نحو سنة مضت، كانت فرنسا بشبابها ورجالها ومراهقاتها تتوق لتقبيل الأرض التي يمشي عليها بن زيمة. لكن قضية أخلاقية تورط فيها الرجل بحق أحد رفاقه في الفريق الفرنسي، وهي تحت نظر المحاكم، أصابت منسوبه الشعبي في مقتل بعد أن استثمرت فيها وسائل الإعلام وجزء من المجتمع السياسي سلبا إلى أبعد الحدود. ثم ترتب عنها إبعاد اللاعب الموهوب جداً من المنتخب الفرنسي لليورو 2016.
عاد بن زيمة في مقابلة مع صحيفة إسبانية قائلا إن الناخب الوطني ديدييه ديشان خضع لجزء عنصري من المجتمع الفرنسي.
كلام فيه كثير من الصحة، وكان سيكون ذا فائدة لو تعلق الأمر بدولة متوازنة لا تعاني من عُقدة الآخر وعاجزة عن النظر بشجاعة إلى تاريخها. وهو ما ليس حال فرنسا.
كان من المفروض أن يفتح كلام بن زيمة أبواب نقاش جاد، لكنه بدلا من ذلك فتح عليه أبواب لعنة قد تقضي على مستقبله الرياضي وعلى أي طموح له بعده. لقد اتحد اليمين واليسار والتقت المتناقضات لإلحاق الأذى اللفظي والمعنوي بالرجل. هل هي صدفة أن يلتقي كل هذا الطيف السياسي والإعلامي والاجتماعي في قضية مثيرة للجدل بامتياز؟ هل هذه فرنسا أم كوريا الشمالية؟ روسيا كانت ستشهد آراء مختلفة ومواقف متباعدة. لكن فرنسا المسموح فيها لكل الآراء لا تقبل رأيا كهذا، قد يكون طرحه علامة صحية وبداية علاج من مرض مزمن يرفض صاحبه الإقرار به.
لكن، لأن فرنسا في حالة إنكار مستمر وترفض الإقرار بأنها مجتمع غير متسامح ودولة تقنن العنصرية بذكاء، لا يمكن أن يؤمل منها خير.
الإنكار يمنع المجتمع الفرنسي من التفكير في الحلول لأنه ينشر حالة من الصمت تتماهى مع خوف من طرق الموضوع. لذا ليست صدفة أن اتفقت آراء الفرنسيين حول «قضية» بن زيمة فلم يجد الرجل متضامنين أو متفهمين من الطيف السياسي باستثناء وزير التربية السابق بينوا هامون (اشتراكي) بقوله إن بن زيمة «أثار واقعا موجودا».
الدول الكبرى التي لا مشكلة لها مع ماضيها، ليست مأزومة مع حاضرها فتعيشه في سلم وتناغم، وتحتضن جالياتها بأقل الأضرار.
يحق للمرء أن يتساءل: لماذا لا تعاني بلجيكا المجاورة مشكلة مماثلة مع أبنائها المنحدرين من شمال إفريقيا؟ لماذا لا تُتعِب ألمانيا مواطنيها المنحدرين من أصل تركي كما تفعل فرنسا مع عربها وأمازيغييها؟ لماذا لا تعيش بريطانيا عقدة مماثلة مع باكستانييها وهنودها وملوَّنيها؟
هذه دول تعيش مشاكل اندماج، ومجتمعاتها في حيرة من أمرها، لكن العنصرية ـ الموجودة ـ فيها غير «ممأسسة» ولا ترقى إلى عقدة كالتي تعيشها فرنسا.
في فرنسا المعقّدة من ماضيها والمريضة بحاضرها تسعة لاعبين أساسيين من الفريق الذي فاز بكأس العالم 1998 «أجانب». فرضوا أنفسهم لأن لاعبين «فرنسيين» عجزوا عن انتزاع أمكنة لهم في الفريق.
بعد أيام من الفوز بكأس العالم ذلك العام كشف استطلاع رأي أن غالبية الفرنسيين «اشتكوا» من وجود عدد كبير من «الأجانب» في الفريق القومي. ما هذا الانفصام؟
في هذا البلد رمى الأنصار «الفرنسيون» اللاعب البارع والخلوق باتريك فييرا (سينغالي الأصل) بقشور الموز في كثير من المباريات، وقلّدوا أصوات القردة كلما لامس الكرة، علما أن فييرا هو أحد الذين رفعوا رأس فرنسا وعـَلَمها في التسعينيات بكأس العالم وكاس أوروبا وجعلها سيدة الكرة العالمية.
في هذا البلد، زين الدين زيدان فرنسي لكن أبناء عمومته شبان الأحياء الفقيرة في ضواحي باريس، المنحدرون لعائلات مهاجرة، حثالة وفق وصف وزير الداخلية في 2005 والرئيس لاحقا نيكولا ساركوزي.
من سخريات القدر أن بن زيمة لاعب أساسي في نادي يقوده باقتدار زيدان الذي لا يختلف وضعه الاجتماعي والإنساني عن بن زيمة. فهو ابن عائلة أمازيغية هاجرت إلى فرنسا هربا من القهر الذي تركته فرنسا وراءها في الجزائر.
زيدان، لحد اللحظة فرنسي، لأنه جلب لفرنسا كأس العالم سنة 1998 وصنع لها أمجاداً كما لم ولن يفعل فرنسي ابن فرنسي.
لكن الأهم أن زيدان مرضي عنه لأنه، لحد الآن، محافظ على هدوئه وملتزم بالمبادئ العنصرية التي يفرضها المجتمع السياسي والإعلامي في فرنسا (عندما سئل عن قضية بن زيمة رد بحذر شديد: من المؤسف أن يغيب هذا اللاعب عن يورو 2016).
أما إذا أخطأ يوما، فسيصبح الجزائري والقبائلي المتعصب الذي يعيش في الغيتو لأنه لم يستطع الاندماج في فرنسا «الليبرالية والتنوع».
العنصرية في فرنسا مشكلة الفرنسيين أولاً وأخيراً. وهي ليست في الكرة وحدها، بل ليتها كانت كذلك.

٭ كاتب صحافي جزائري

عقدة عربية في كرة القدم الفرنسية!

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية