أخرجت حادثة أورلاندو الأمريكية الكثير من القصص المثيرة حول مرتكب الهجوم عمر متين، وعائلته، وعمله، ووالده، كما فتحت نقاشاً كبيراً حول تجارة الأسلحة في الولايات المتحدة، وعلاقتها بسياسة واشنطن في العالم الإسلامي، كما أنها سرعان ما وظّفت في إطار الصراع الانتخابي الجاري على منصب الرئاسة.
والحال إن هذه المجزرة الفرديّة الأكبر من نوعها في التاريخ الأمريكي ستكون مجالاً لأخذ وردّ كثيرين لأن بؤرتها الدموية كشفت الكثير من الصدوع الأمريكية والعالمية فهي لم تكن جريمة كبيرة ضد مدنيين فحسب، بل كانت ضد نمط ثقافة معيّن، يمثّله المثليّون الجنسيون المتجمعون في ملهى للاحتفال.
ورغم أن المنفّذ كان مسلماً، لكنّه كان أمريكيّاً بالولادة، فهو جزء من تلك الثقافة الغربية نفسها، وعداؤه النمطيّ للمثليين يتلاقى بدوره مع عداء قويّ مستبطن ضمن الثقافة الأمريكية نفسها وخصوصاً في الحزام المسيحيّ المحافظ الذي يعتبر الحاضنة الطبيعية للرجعيّة التقليدية الأمريكية ولطبعاتها العنصرية المختلفة الموجّهة ضد المرأة والمثليين والسود واللاتينيين… والمسلمين!
بهجومه العنيف هذا قام متين إذن بكشف صدع كبير في السرديّات العنصريّة المحافظة الأمريكية التي ستجد تعبيراً عن نفسها في هذا العنف الجماعيّ الذي يطبع تاريخ أمريكا الحديث بطابعه، وخصوصاً في توجّهه ضد ملهى كان مليئا بالأمريكيين اللاتينيين المثليين مما يجعل المنفّذ يتلاقى مع أهدافها التي تروّج لها ويربط، بشكل خفيّ، بين أمثولة العنف الجماعي الإسلامويّ والعنف العنصري الأمريكي، بحيث يغذّي الواحد الآخر بالكراهية ويتمرأى معه في الوقت نفسه.
أثارت الحادثة جدالاً قديماً حول البند الثاني في الدستور الأمريكي والمتعلّق بالسماح لأي أمريكي بشراء السلاح، ولكنّ هذه القضية تمّ إهمالها لصالح مسألة التعامل مع قضايا السياسة الخارجية الأمريكية وخصوصاً موضوع «الدولة الإسلامية»، وكان مثيراً للسخرية إعادة المرشح للرئاسة الأمريكية دونالد ترامب أقواله حول منع المسلمين من دخول أمريكا، في حين أن المنفذ هو أمريكيّ مهاجر مثل أجداد ترامب، وليس لاجئاً قادماً من سوريا أو العراق، وبالتالي فهو تمثيل للثقافة الأمريكية يستقي من عنفها ويستخدم أدواتها، أما إعلان الولاء لـ«الدولة الإسلامية» فهو من قبيل البهار الضروري لـ«الأكشن» الأمريكي الموجود في تلك الثقافة، من أفلام هوليوود وألعاب الفيديو والمجلات المصورة للأبطال الخارقين وصولاً إلى عمليات القوات الخاصة الأمريكية وقصف طائرات الدرون في كل أنحاء العالم.
أحد تعليقات دونالد ترامب الانتقادية لسياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما طالب الأخير باستخدام مصطلح «الإرهاب الإسلامي»، وهو مصطلح المقصود منه إخراج العنف من إطاره الفرديّ، أو علاقته بتنظيم «الدولة الإسلامية»، لعموم المسلمين، وهم أكثر من مليار و400 مليون نسمة، وهو شعار، للأسف، يعطي مصداقية لـ«الدولة الإسلامية» المزعومة لأنه يضع كل مسلم تحت شبهة الانتماء إليها ويحوّل الصراع مع العنصرية والتطرّف والإرهاب (التي يمكن اعتبار ترامب نفسه و«الدولة الإسلامية» شكلين من أشكال تمظهراتها) إلى حرب ثقافية بين مسلمين ومسيحيين، وهو أكثر ما يناسب العنصريين على طرفي المعادلة.
إن وصم الإسلام وحده بالإرهاب هو أفضل تخريجة لشخص أظهر كرهه المقيت للنساء والأمريكيين اللاتينيين والمسلمين ولخصومه السياسيين عموماً ولكنّه سلاح ذو حدّين لأنه يقوم على تقسيم المجتمع الأمريكي بطريقة غير مسبوقة ويحشّد شياطين الكره والحقد والعنصرية وهي وصفة مرعبة لأمريكا وللعالم.
رأي القدس