يتتبع الناقد الإنكليزي رايموند وليامز مفهوم «الثقافة» تبعاً لسياقها المعرفي التاريخي، انطلاقاً من الأصل اللاتيني، ولعل أولى المعاني التي نواجهها في ما يتعلق بمفهوم الثقافة من الناحية الأبستمولوجية مرجعيتها التي تحال إلى العناية بالمزروعات، فكلمة الثقافة مأخوذة من كلمة Agriculture ، أي ثمة أثر يتحدد بالوصاية، أو التنشئة، كما الرعاية لكل ما يتصل بالإنسان. في حين تتخذ مفردة الثقافة في سياقها المعاصر معاني معقدة، حيث يرى بأنها تعني في بعض جوانبها، وبوجه خاص في سياق الدراسات التاريخانية الجديدة بأنها نظم رمزية أو دلالية، كما يقول رايموند وليامز. لا خلاف إذن في أن الثقافة تتصل بالمجموعات، أو الشعوب، كما الأقليات التي لا تقل أهمية عن أي ثقافة لشعب مهيمن، سائد، وهكذا تتخذ الثقافة ملمحاً للخصوصية والتفرد.
يقدم الناقد عبد الله الغذامي في مفتتح كتابه «النقد الثقافي- الأنساق الثقافية» موقفاً من النقد الذي انشغل لقرون بالقيم الجمالية البلاغية، علاوة على دورها في تعمية، وتكميم النقد الذي تحول إلى قيمة شكلية، ما حال دون أن يسهم النقد بتقديم قراءة للشخصية العربية بوصفها الجمعي في الوقت الراهن تحديداً، إذ فقدنا أثر الدينامية الداخلية في قراءة منتجنا الثقافي في ضوء تحوّلات العصر التي تستوجب توجهات جديدة. ولعل المتأمل في التكوينات المؤسسة لعالمنا اليوم، سوف يُواجه بصورة مجتمعية من نمط العيش في تشكيلات ثقافية حضارية بالغة التعقيد، وبوجه خاص في ظل النكوص الحضاري العربي، بالتراصف مع انتشار الفوضى التي تمتد على رقعة العالم العربي من شرقه لغربه، ومن شماله إلى جنوبه، حيث كان لا بد من انبثاق «الأزمة» التي بدأت تتبلور من خلال أنساق من الإقصاء والكراهية والعنصرية، والطائفية، علاوة على الأنساق القائمة المزمنة، وقوامها الهيمنة والسلطوية نتاج التجربة الاستعمارية ومخلفاتها. هذه الأنساق أسهمت مجتمعة في مواجهات ثقافية بين الداخل العربي العربي، ومن خلفها مواجهة كبرى مع النموذج الغربي، بما يمثله من تقدم حضاري وثقافي وتقنيّ، فضلاً عن تمكن المنطق الاستهلاكي لثقافتنا، وقيم الرأسمالية، والتّشيّوء، فضلاً عن تحييد القيمة الإنسانية، كما بشر بها منظورو مدرسة فرانكفورت.
وإذا كان صموئيل هنتنغتون قد تحدث قبل سنوات عن فكرة صدام الحضارات، فإن هذا يعني أننا واقعون في أتون هذا التعريف لقيم العالم المعاصر اليوم، فالعناية بالقيم والأنساق المجردة والهيكلية للمنتج الإبداعي، يعني أننا لا نمتلك إيقاع الحقيقة، حيث ما زلنا ننشغل بما هو هامشي، فالقصيدة والقصة والرواية…. ليست مجرد نصوص أو بنى لغوية، فاللغة تتجاوز ذلك لكونها فاعلة في تجسيد الفكر، فهي تضطلع بالتمثيل Representation الذي يتمظهر عبر أنساق نحضر من خلالها، فنحن لا يمكن أن نكون حاضرين من دون أن تنوب اللغة عن تمثيلنا، ومع ذلك فثمة قلق دوماً، وحيرة، نعاينها في ظل هذا العالم، الذي بدأ إيقاعه يتسارع، ولهذا بتنا نلهث وراءه كي نضبط وجودنا الحضاري، لغوياً وثقافياً.
يذكر سعد البازعي وميجان الرويلي في «دليل الناقد الأدبي» ما يؤيد وجهة نظرنا في ما يتعلق بدور الثقافة، والتعاطي معها بوصفها تشكيلاً قيمياً، أو موقفاً، خاصة حين تؤطرها نظرية النقد الثقافي الذي ينظر له على أنه: «نشاط فكري يتخذ من الثقافة بشموليتها موضوعاً لبحثه وتفكيره، ويعبر عن مواقف إزاء تطوراتها وسماتها». وبهذا نواجه مواقع جديدة لوظيفة النقد الذي يتجاوز الأطر الجمالية، ويقترب حسب توصيف إدوارد سعيد من دنيوية القيمة الحقيقة للنصوص الإبداعية، من دون تجاهل قيمها الجمالية التي تعد شرطاً لتحقق أدبية النص، ولكن من دون أن تستغرق النص، وتحيف عليه، فمقصديات العمل لا بد أن تبقى قائمة في جانبها المضمر بوصفها أداة للتعبير عما حولنا، ولكن ضمن مفارقة المباشر، وهنا نقع على إشارة مهمة، يوردها دليل الناقد الأدبي، وتتحدد بأثر النقد الثقافي في نقد الحضارة الغربية كما فعل أدورنو 1949 الذي يعد من أوائل الممارسين لهذا النوع من النقد، وإن كانت توجهاته تنطلق من إحساسه بيهوديته في محيط غربي، مارس نوعاً من الاضطهاد بحق اليهود كما جاء في دليل الناقد الأدبي.
ومن أجل استجلاب تعريف منهجي للنقد الثقافي، نستعين بمعجم النظرية الأدبية Critical Theory الذي يمدّنا بتصورات منهجية لمعنى النقد الثقافي، وتحديد سماته وآلياته حيث هنالك فروق ينبغي التنبه لها، ولاسيما حين نشرع في ممارسة النقد الثقافي الذي يعدّ شديد الاتصال بالدراسات الثقافية التي تعنى بشكل رئيس بالثقافة الشعبية ومنتجها القديم والحديث وحتى المعاصر. فمعجم النظرية الأدبية ينصّ على التّحولات التي طرأت في هذا المجال، والتي انتهت إلى أن أصبحت أكثر عناية بالتحولات الاجتماعية والعلائق الطبقية والسّياسية، والمؤسساتية والقيم والأفكار كما يذكر معجم النظرية النقدية. ولعل الناظر في تكوين هذا النسق من النظرية سوف يرى مقدار الوفاء للمنظور الهادف إلى فكفكة أنظمة الممارسات التي تحيط بنا، وتحاول تشكيل وعينا، فكان لا بد من منهج تحليلي بهدف تقويض أنساق من الهيمنة الثقافية التي تمارس من قبل المؤسسات، ووسائل الإعلام والساسة والحكومات، كما المجتمع بمستوياته المتعالية، وبنياته التي تنطوي بداخلها على أنساق من التفكير ربما التقليدي والمتحيز… التي يمكن لنا أن ننعتها بالبنى المصغرة؛ ومن هنا، فقد ظهرت الدراسات الخاصة بالمرأة، وحريتها، وغير ذلك من الدراسات التي تتناول حقوق الأقليات، والحرية الدينية والحرية الجنسية وغيرها من الموضوعات التي حملتها مجتمعات ما بعد الحداثة، وتمظهرت في أنساق خطابية محددة.
لا خلاف إذن، في أن الدّراسات الثقافية، ونقدها قد نتج بفعل التّطورات التي شهدها عصرنا الذي اتسم بتسارعات تقنية، وفكرية، وحضارية، ما أسهم بإفراز ممارسات غير مألوفة، فبوساطة وسائل التواصل الاجتماعي، بتنا قادرين على تشكيل وعي جمعي جديد علاوة على التغيرات التي طالت العادات والسلوكات المجتمعية بأكملها، ولننظر في مدى التحولات التي أحدثها كل من اختراع الطباعة، والصحافة، والراديو فالتلفزيون ومؤخراً الإنترنت على تشكيل الوعي البشري وتوجيهه، أضف إلى ذلك المخاطر التي تتهدد القيم الإنسانية والهويات المحلية وتمركز الاقتصاد الإنساني بأيدي شركات عملاقة عابرة للقارات، حيث باتت تنافس بعض الدول في مدى هيمنتها على الكثير من مقدرات العالم. ما سبق، يقودنا إلى تثمين القيمة التي تنهض بها الدراسات والنقد الثقافي الذي يبدو منفتحاً على أي منظومة إنتاجية معرفية، أو ممارسة ثقافية، وكما يقول رايموند وليامز «فإن فعل أي دراسة ثقافية إنما يقع في مساحة ينبغي أن تتوسط الفن من ناحية، والمجتمع من ناحية أخرى».
ومن أهم الاتجاهات التي أفضت إلى تبلور الدراسات الثقافية ونقدها تلك الكتابات التي اضطلع بها غرامشي، وتعدّ من أشد الخطابات أثراً في الكشف عن مقولات الهيمنة، والسّيطرة حيث بعثت الكثير من النشاط في مجال الدراسات الثقافية، وتحديداً دور الأيديولوجيا.
لا شك في أن الكثير من هذه الموضوعات التي أشرنا إليها لم تكن في مجال أو نطاق الدرس الأكاديمي بوصفها لا تنتمي إلى منتج نخبوي متعال، ولكن هذا تغير بفضل دراسات اضطلع بها الكثير من الدارسين، ومنهم، رولان بارت، وميشيل فوكو، وغيرهما، إذ رصدوا التغيرات في البنى المعرفية في ما يتعلق باختبار الثقافة، فرولان بارت حلل الأسطوريات التي صنعتها الثقافات الجديدة، كالمصارعة والرقص والموضة والطبخ، وغير ذلك. إذن الدراسات الثقافية باتت مجالاً أكثر شمولية وعمومية من النقد الثقافي الذي يتغيا مقاربة النص، ولكن من خلال البحث عن الحدود والأنساق الثقافية التي ينطوي عليها، لا شك في أن النقد الثقافي تبعاً لكتاب «الثقافة والمجتمع» لرايموند وليامز، وكما يعلّق صبري حافظ يهدف إلى «تقديم مفاتيح فهم التغير الذي انتاب طبيعة نظرتنا لأنفسنا، وفهمنا للحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وموقفنا من مؤسساتها». وهكذا بدأنا نقترب من القصة والشعر والرواية والسينما والمسرح والفن، وغير ذلك من الإبداع للبحث عن مستويات من التحليل تتجاوز القيم الجمالية، والتقنية للنصوص إلى ما هو أبعد من ذلك.
فعلى سبيل المثال فإن كثيراً من الدراسات التي عنيت بالقصة بوصفها نصاً ألسنياً، أفضت بنا إلى فهم معمق لآلية تشكيلها وتكوينها، وهنا نشير إلى دراسات تودوروف وغريماس وفيليب هامون وفلاديمير بروب، ولكن بعض هؤلاء الدارسين قد تحولوا في ما بعد إلى ممارسة النقد والدرس الثقافي، كما نجده في الكتابات المتأخرة لتودوروف، ورولان بارت، في حين أن فوكو درس أنظمة الثقافة في سياقات تاريخية معينة، ومن ذلك أنظمة العقاب والجنون والجنس، لا خلاف بأن ما أشار له أنطونيو غرامشي يتصل بهذا الشأن، بل يصادق عليه حيث يقول الغذامي: «وليس القصد هو إلغاء المنجز النقدي الأدبي، إنما الهدف هو في تحويل الأداة النقدية من أداة في قراءة الجمالي، وتبريره وتسويقه بغض النظر عن عيوبه النسقية، إلى أداة في نقد الخطاب، وكشف أنساقه». لقد شكلت الدراسات المعنية بالجانب العرقي والعنصري والممارسات ذات البعد الاضطهادي والهيمنة مواقع قلق للدراسات الثقافية التي بدأت تتجه للتركيز على الإعلام والسينما، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر تصوير السود، أو الملونين، وما يكتنف هذه الممارسة من تنميط عنصري، ومدى ما يمكن أن تمثله هذه الفئة من تهديد للنموذج الغربي أو للنسق الثقافي الأبيض، كما يشير معجم النظرية النقدية، وهذا ما ينسحب وقع الحافر على الحافر في ما يتعلق بالطبقات الأخرى والشّعوب والأعراق والممارسات الاستعمارية وحقوق الأقليات والمرأة. وهكذا نتوصل إلى نتيجة مفادها مقدار ما تمثله الثقافة ببعدها الممارس من قيمة في تحويل أنظارنا نحو هذه التوجهات، كونها أمست تقترب من تشكيل ذواتنا، ووعينا بأنفسنا، والعالم، علاوة على ما تعنيه من تحديد مواقفنا، وبوجه خاص في ظل هذا العالم الذي يبدو غارقاً في لجة الصراعات الثقافية والحضارية.
ومع ذلك فلا بد من التنبه إلى قضية مهمة، فعلى الرغم من أن الثقافة في مفهومها الشائع، والساذج ربما… تعني الأفكار والمعتقدات والقيم، غير أنها تتضمن مجموعة كبيرة ومتنوعة من القضايا، ومن ردود الأفعال حول حدث ما الذي ربما يكون عملاً فنياً، أو رواية، أو ربما سلوكاً ما، ولهذا فإن الثقافة كل ما يمكن أن يحدد موقفنا تجاه أي حدث، مهما كان ضئيلاً، ومتناهي الصغر، لكونه قد يقود إلى أفعال غير مقبولة أو مرفوضة.
٭ كاتب فلسطيني أردني