يوضح التاريخ ان الكثير من المنظمات السياسية تستخدم أساليب إجرامية بل ان بعضها يتعاون مع عصابات إجرامية محترفة ان لم تكن هي نفسها ليست سوى منظمات إجرامية متخفية خلف غطاء سياسي. ومن هذه المنظمات السياسية البلاشفة الشيوعيون في روسيا قبيل الحرب العالمية الأولى والذين قاموا بعدة عمليات سطومسلح على ممتلكات الدولة الروسية لتمويل نشاطهم السياسي. ولتجميل سمعتهم وإعطاء أعمالهم الإجرامية صفة شرعية سموا عمليات السطوبالتأميم أي انهم عندما يسطون على مؤسسة حكومية فأنهم يؤممون ما يأخذون من ممتلكاتها واما من يسطوعليهم، أي على البلاشفة، فهومجرم وعدوالشعب ويجب النيل منه. وأشهر سطومسلح قام به البلاشفة كان السطوعلى أموال فرع البنك المركزي الروسي في مدينة تبليسي (عاصمة جورجيا حاليا وكانت جزءا من روسيا آنذاك) عام 1907 والتي أصبحت إحدى أشهر عمليات السطوالمسلح في التاريخ.
أجتمع قادة البلاشفة بقيادة فلاديمير أيليتش أوليانوف المعروف باسم لينين (1870 – 1924) في العاصمة الألمانية برلين في نيسان / أبريل 1907 لمناقشة كيفية الحصول على أموال للتنظيم فقرروا القيام بعملية السطوفي تبليسي وتكليف الجورجي جوزيب بيساريونيس دزي جوغاشفيلي المعروف باسم ستالين (1878 – 1953) للقيام بهذه المهمة نظرا لكونه من سكان تبليسي وله علاقات ممتازة بعالم الجريمة في المدينة كما انه كان قد سبق وقام بعدة عمليات مشابهة في السابق مما جعله من المقربين من القيادة البلشفية فهورجل المهمات الصعبة. وما ان بدأ ستالين بالتخطيط للعملية حتى أختار احد أخطر المجرمين في روسيا وزعيم عصابة إجرامية خطيرة وهوالأرمني سيمون أرشاكي تير- بتروسيان المعروف باسم كامو(1882 – 1922) لتنفيذ العملية الجريئة حسب الخطة التي وضعها ستالين الذي كان قد أدخل كاموفي تنظيم البلاشفة على الرغم من أنه كان قد عجز عن تعليمه كلمة واحدة من تعاليم الشيوعية ومن المعروف أن كامولم يستطع ابدا التكلم باللغة الروسية بطلاقة ولكنه لم يكن شخصا عاديا لانعدام الحدود القصوى لأجرامه وساديته وعدم اتزانه العقلي. وكان لستالين جاسوس في مكتب البريد وجاسوس آخر في البنك المركزي في تبليسي وقام هذا الإثنان بأعلام ستالين بأن مكتب البريد سيقوم بنقل مبالغ ضخمة إلى الفرع المحلي للبنك المركزي الروسي بالأضافة إلى الموعد السري لعملية النقل ومسارها الذي كان يمر من خلال ميدان يرفان (يسمى حاليا ميدان الحرية) المكتظ بالمارة وكان الموعد المقرر للنقل هوصباح السادس والعشرين من شهر حزيران / يونيو1907 فأخذ الجميع بالاستعداد للسطوقبل أسابيع من الموعد وبشكل خاص كاموالذي هربت عصابته القنابل اللازمة والتي انفجرت إحداها به لتصيب عينه إصابة بالغة عندما كان يقوم باعدادها فاضطر ان يبقى طريح الفراش لمدة شهر حتى أنه لم يكن قد شفي من هذه الإصابة يوم التنفيذ.
وأما قافلة البنك فقد تكونت من عربتين تجرهما الخيول حيث كانت الأولى التي تحمل الأموال مغلقة وجلس فيها حارسان مسلحان ببنادق وموظف من البنك المركزي بالإضافة إلى سائق العربة وأما الثانية فقد كانت مكشوفة ومليئة بالجنود المسلحين وأحاط بالعربتين فرسان القوزاق من جميع الجهات. وعندما حل اليوم الموعود أجتمع ستالين بالجميع في موقع العملية وبعد التأكد من كافة التفاصيل ذهب كل من المراقبين والرماة إلى مواقعهم وبقي عشرون منهم داخل الحانة تشرف على الميدان وكان أغلبيتهم في زي الفلاحين وقد أتوا مشيا باستثناء كاموالذي ارتدى ملابس نقيب في سلاح الخيالة وأتى في عربة مكشوفة. وقام أعضاء العصابة القابعون في الحانة بحجز الموجودين فيها تحت تهديد السلاح وعندما وصلت قافلة الأموال الميدان حوالي الساعة العاشرة والنصف صباحا خرج المهاجمون من الحانة بسرعة شاهرين أسلحتهم ليبدأ الهجوم باطلاق القنابل على الخيول والحرس الذين أصبحوا هدفا مكشوفا امام المهاجمين وأصبح القوزاق غير قادرين على السيطرة على خيولهم المرتعبة ومعرفة مصدر النيران في نفس الوقت، وانتابت حالة من الهلع بين أوساط المارة ثم بدأ أطلاق النار الكثيف مع الاستمرار في رمي القنابل وقام كامووشريك له بنقل أغلبية الأكياس الحاوية على الأموال من عربة البنك إلى عربة كاموبسرعة ثم أخذ الجميع بالانسحاب قبل أن تأتي تعزيزات الشرطة والجيش وكان قد هرب كل من كان في الميدان من الناس للنجاة بحياتهم وتكسر زجاج جميع الشبابيك وتهدمت المداخن في المنطقة من جراء الاهتزازات التي سببتها القنابل بل ان الناس أعتقدوا ان هجوما بالمدافع أستهدف المدينة.
وكان الانسحاب دقيقا حيث ذهب كامومسرعا بعربته المحملة بالمال المسروق إلى مركز العصابة لتغيير ملابسه وكان من المستحيل ان يلاحظه أحد لأنشغال الجميع بالهرب وفي هذه الأثناء قام سائق العربة المغلقة بانتهاز الفرصة في هذه الفوضى لسرقة ما لم يسرقه المهاجمون وعندما وصلت قوات الشرطة وجدت المكان خاليا من المهاجمين تماما وقامت بقطع الطرق المحيطة بالمنطقة ولكن بعد فوات الأوان فالمهاجمون والأموال قد تبخروا الا أن الشرطة استطاعت القبض على سائق العربة المغلقة. وأختلفت المصادر في تقدير الخسائر البشرية فقد ادعت الحكومة الروسية آنذاك ان عدد القتلى كان ثلاثة بينما أدعى بعض المؤرخون أنهم كانوا ستة وقال البعض الآخر ان العدد الحقيقي كان أربعين. وبالنسبة لمقدار المبالغ المسروقة فقد أختلفت التقارير أيضا فبعض المصادر ذكرت ان المبلغ كان 341,000 روبل ويعادل هذا حوالي ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف دولار حاليا إلا أن بعض المؤرخون قالوا ان الرقم الحقيقي كان مليون روبل أي ما يعادل أكثر من عشرة ملايين دولار حاليا ولكن كانت هناك مشكلة كبيرة أطاحت بأحلام البلاشفة وأظهرت قلة خبرتهم في الشؤون المالية والحكومية، فقد كانت المبالغ كلها ورقية ولكل عملة ورقية رقم تسلسلي وأغلبيتها العظمى من فئة الخمسمائة روبل والتي كانت الحكومة الروسية قد دونت ارقامها جميعا وبالتالي فانه ما ان حصل السطوحتى قامت الحكومة الروسية بتوزيع هذه الأرقام على جميع بنوك العالم ويعني هذا ان أي شخص يحاول تصريف المبلغ في أي بنك سيلقى القبض عليه فورا ولهذا السبب لم يستفد البلاشفة من السرقة وحاولوا ان يجدوا حلا لهذه المعضلة بشتى الطرق بدون جدوى.
وهناك جدال حقيقي بين المؤرخين حول دور ستالين في تنفيذ السطوفهناك من يدعي ان ستالين رمى القنبلة الأولى وقال آخرون انه لم يشترك بل اكتفى بمراقبة العملية من مسافة بعيدة.
لم يتم القبض على أي من المهاجمين على الرغم من الأجراءات الأستثنائية التي قامت بها الحكومة الروسية وعندما أطمأن البلاشفة سافر كاموإلى برلين لعلاج عينه المصابة على يد طبيب روسي بلشفي بارز يدعى ياكوف جيتومرسكي جاهلا ان هذا الطبيب كان يعمل في الخفاء عميلا للأمن الروسي فأخبر هذا الأمن عن كامووقامت الحكومة الروسية بالطلب من الحكومة الألمانية بالقبض على كامووتسليمه لروسيا وهذا بالفعل ما حدث. وبعد عدة محاكمات حكم على كاموبالسجن المؤبد وعندما استولى البلاشفة على الحكم في روسيا عام 1917 بقيادة لينين أطلقوا سراحه وعينوه على رأس مجموعة من القتلة ساهمت في القتال ضد أنصار الملكيين الروس وعرف كاموبوحشية جعلت لينين يشعر بالاشمئزاز منه وكأن لينين كان أقل وحشية منه. وبعد انتهاء القتال بين البلاشفة ومناوئيهم تم تعيين كاموموظفا في الكمرك نظرا لاعتقاد البلاشفة بانه مضطرب نفسيا إلى درجة لا تسمح له بالعمل في الأجهزة الأمنية وفي عام 1922 صدمته شاحنة اثناء ركوبه لدراجة هوائية في الشارع واردته قتيلا ويقال ان ستالين كان وراء الحادث. وعند استيلاء البلاشفة على الحكم اصبح لينين ديكتاتور روسيا وسكن في الكرملين وفي منزل كان يملكه أغنى أغنياء موسكووقام البلاشفة «بتأميمه» وكان يتجول في شوارع موسكوفي سيارة انتجتها شركة رولزرويس البريطانية خصيصا له الا انه تعرض لمحاولة اغتيال غريبة في الثلاثين من أيلول / أغسطس 1918 أنهارت حالته الصحية والنفسية على أثرها وأصبح ستالين هوالحاكم الفعلي لروسيا البلشفية وتوفي لينين عام 1924. وهناك أيضا الطبيب الذي أبلغ عن كاموفي المانيا، فقد أعطاه البلاشفة عشرين ورقة من فئة الخمسمائة روبل من المبلغ المسروق لتصريفها الا انه سلمها إلى الأمن الروسي ثم اضطر للأنتقال إلى باريس بسبب طرد الحكومة الألمانية للبلاشفة عام 1907 من المانيا وقام بالتجسس على انشطة البلاشفة هناك لصالح روسيا ثم اصبح طبيبا في الجيش الروسي عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918). وأما ستالين فقد أصبح أشهر من نار على علم بصفته حاكما مطلقا للاتحاد السوفييتي ليبدأ عهد من الرعب في روسيا بشكل خاص وكل مكان تواجد فيه الحزب الشيوعي حتى وافته المنية عام 1953.
زيد خلدون جميل