الأصوليات وثقافة الأخلاق

حجم الخط
1

■ وسط الرعب الذي تُشيعُه (الأصوليات القاتلة) يأخذ الحديثُ عن الأخلاق بُعدا استثنائيا، وضرورة لا تتعلق بالنقد فحسب، بل بـ(التقويم) بوصفه قوة دافعة للملاحظة والمراجعة والتأهيل والتمكين، فما نراه ونسمعه، وما يصلنا عبر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي يضعنا أمام مستقبل غامض، وأمام مجهول قد يكون الرعب والعنف فيه جزءا من لعبة نشوء قوى جديدة لها موجهاتها في صناعة التاريخ، وفي صناعة الاستبداد، وفي هيمنة مرجعيات مابعد حداثوية، يمكن أنْ تتصلّب وتتوحش فيها الهويات والجماعات، ويبدأ الهامشي بالتسلّح، ويموت المتن القديم تحت سطوة التشظي واللامركزية، حدّ أن الرعب الذي صنعته لنا سرديات فرانكشتاين ومصاصي الدماء، وسينما الرعب في أفلام الفريد هتشكوك وويس كرايفن، وأم. نايت شيامالان وغيرهم ستكون نوعا من الشهادات الميثولوجية الساخرة.
إنّ رعب الأصوليات يضع التاريخ في سياق الميثولوجيا، ويجعل من مفهوم الأخلاق أكثر خضوعا لهذه الأصوليات، حتى الحديث عن أزمة (المجتمعات مابعد العلمنة) التي تحدث عنها يورغن هابرماز قبل أكثر من خمسة عشر عاما وهو يتسلّم جائزة السلام الألمانية بعد مرور شهر على أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، ستكون بعيدة عن الحديث الذي ارتبط دائما بأزمات الرأسمالية والشيوعية والحداثة، إذ ستكون أصوليات الغرب خطاً مواجهة لأصوليات الشرق الإسلاموية والجماعاتية..
العقل العربي يعيش اليوم رهاب صعود هذه الأصوليات، ورهاب صدماتها، وتحوّل التاريخ- في سياقها- إلى درس غامر بشيفرات العنف والكراهية، مقابل أنْ لا جوائز للسلام لدينا، رغم كثرة الجوائز الأدبية والعائلية، التي لا تمسّ جوهر المشكلة التي نعيشها، والتي تهدد مستقبلنا ومستقبل الآتين، فضلا عن التشوهات التي تلحق منظومات التعليم والتنمية، والتي ستنعكس على تشكيل أيّ أفق للحوار والقبول بالآخر والاندماج في المشاريع المعرفية الكبرى، التي تخصّ صناعة (الدولة) وتجريد الهويات من نزعاتها القاتلة، ومن تمترسها المقدس عند مشاجب الأسلحة والأيديولوجيات..
حديث التنوير والإصلاح والأخلاق سيكون ملتبسا في هذه (المعمعة) فلا الحكومات تقبل به، ولا الأحزاب تتبناه في استراتيجياتها السياسية، وحتى التيارات الدينية ستضع فكرة الإصلاح المُلتبسة أصلا في سياق المسكوت عنه، لأنه سيمُسُّ التاريخ والنقل والماضي والجماعة والفقه والأحكام والتأويل المُفرَط، وستُفرّغ القيم من أي جدوى، إذ ستكون أكثر اغترابا وعزلة، وأقرب الى الانحطاط والعدمية، وبما سيُعطي كذلك للجماعات الأصولية مجالا لتسطيح المشكلات التي تعاني منها المجتمعات العربية، بما فيها المشكلة الأخلاقية، التي لا تعني هنا التوصيف الفقهي التمثيلي لها، بل تعني «الشعور الأخلاقي» كما سماه هابرماز، الذي يستعيد فيه مقولات كانط، تلك التي تربط بين الأديان والأخلاق، وأن جوهر هذه الأديان هو الأخلاق.
ثقافة الأخلاق وليست ثقافة الفقه هي العتبة التي يجب الوقوف عندها أو تجاوزها، ليس للمقارنة أو للمغالبة، بل لإثارة الأسئلة التي تتعلق بالتحولات وقبولها أو رفضها، فضلا عن دورها في توجيه مسارات باتت تتجه – أصلا- نحو الجحيم، وتهدد بحروب (ثقافية) مفتوحة من الصعب السيطرة على مُغذياتها الغامرة بالتاريخ والأوهام الطائفية والعُقد الأهلية، ولكن هذه الثقافة – ثقافة الأخلاق- لا تتطلب فقط أبطالا رمزيين، أو حتى مفكرين أو رجال دين على طريقة الطهطهاوي ومحمد عبده والكواكبي فقط – بل تتطلب أيضا وجود المؤسسات الصيانية، مثلما تفترض- كذلك- وجود (الدولة) بوصفها القانوني والحقوقي والمؤسساتي، إذ سيظل الجدل خارج هذه الشرعة مجانيا وطارئا، وفاقدا للحماية وهشاً أمام صعود رعب الأصوليات المُحصّنة بالمقدس والجماعة والسلاح. مشكلة الدولة العربية المعاصرة إنها مازالت دولة تاريخية، أو دولة جماعاتية تخص طائفة ما، أو معسكرا ما، ولا علاقة لها بالحداثة، وهذا ما يجعل نظرتها للصيانة القومية أو الوطنية أو الفردية مشبوبة بحساسيات معينة، تلك التي تقوم على فكرة الولاء والتابعية وصولا الى طاعة ولي الأمر، وحتى الأنموذج (الغرب أمريكي) للدولة الذي يتم تسويقه الآن في دول مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن، سيكون أشبه بـ(أنموذج فرانكشتاين) إذ سرعان ما يتضخم، وأن عوامل التحول إلى التوحش والاستبداد ستكون جاهزة، وتصفية الحساب مع الخصوم القدامى/ القتلة ستكون توصيفا لسيرورة هذا الأنموذج وتبيئته.
هذا المُعطى يعود إلى أسباب جوهرية، فالثورات فقدت طرقها في مسار الربيع الديمقراطي والثوري، وأن عمليات التغيير والترميم التي حدثت داخل المنظومة المركزية لدولة (الجنرال القديم) لم تمسّ الجوهر العميق، كما أن التوهّم بتبني العلمانية دعوة للخلاص، ليس كافيا لإحداث فعل المناعة، لأن العلمانية الشرقية لا تقاليد لها، وأنها ستكون قابلة ومتساهلة في صناعة ظاهرة البطل الشرقي المستبد، والزعيم الأوحد والجماعة الواحدة، فضلا عن أن فكرة الاستعمار الجديد، وبكل لبوسه وشعاراته لم تكن بريئة في التعاطي مع عذابات الشرق المسلم، ومع فكرة الخلاص من المهيمنات والمركزيات القديمة، ولعل بعض الوثائق التي تُنشر هنا أو هناك تكشف عن علاقات معينة مع جماعات أصوليات، يتم توظيفها لأغراض تخص الصراعات الداخلية في عديد الدول العربية.

الأصوليات وفتوى الأخلاق

مفهوم الأصوليات لا يعني بالضبط الارتباط بالسلف الصالح كما يتصوره البعض، ولا حتى بفكرة الحفاظ اليقيني على المقدس، بل تعني هنا، وفي ضوء ما يتبدى من صراعات ومظاهر قهرية للعنف فرض القوة، وتأليه الفهم الواحد للنص ولسلطة الجماعة، وهذا الموضوع المُعقّد له إرثه التاريخي والصراعي طوال أكثر من اثني عشر قرنا، وهو ما كرّس أُطرا وسياقات وحواضن شرعنت الفهم الأصولي، وعمدت إلى تسويق مفاهيمه وأحكامه، من خلال السلطة وقوتها، أو من خلال التعليم والفقه والتكفير والتأثيم، التي أوجدت معارضات كثيرة، بعضها مُقنع بالميثولوجيا، وبعضها بما سُمّي بـ(الإسرائيليات) والبعض الآخر نزع منزعا عقليا، وحاول أنْ يضع مفهوم الأصولية في سياق العقل وليس النقل، ما أثار حول أطروحاتها الإشكالية جدلا واسعا، على مستوى علم الكلام، وعلى مستوى علم العقائد وعلم الرجال وكذلك على مستوى المصالح والمقاصد، فضلا عن مستوى علم الأخلاق، الذي يصفه عبدالمقصود عبدالغني بأنه «علمٌ بالفضائل وكيفية اقتنائها ليتحلى بها الإنسان، وعلم الرذائل وكيفية اجتنابها ليتخلى عنها، والإلمام التام بجميع القواعد التي باتباعها يكون عمل الإنسان خيراً، وتكون حياته سعيدة».
العلاقة ما بين علم الأخلاق والسعادة تكمن في حيازة الفضائل والنأي بالنفس عن الرذائل، وهذه تتطلب وعيا بالحاجة إليه، مثلما تتطلب وجود سياق ثقافي معرفي يُفعّل استعمال هذه الحاجات من دون إكراه، ومن دون تكفير أو قهر أو تهميش..
السعادة تكمن في تأصيل وظائفية الخطاب الأخلاقي ليس بوصفه العُرفي، بل في سياقه التنظيمي، الذي يخص العلاقات العامة، والقيم العامة والحقوق الخاصة والعامة، التي يمكن أن تتحول إلى دروس وممارسات تنظم معها استعمالات السياسة، واستعمالات الخطاب الديني، وبما يمنع كبح جماح التطرف بكل مستوياته وجماعاته، لأن الاستبداد مهما كانت له شرعية سلطوية وأيديولوجية يظل لا أخلاقيا، مثلما أن جوهر فكرة الوصايا في الأديان السماوية يقوم على الأخلاق، إلّا أن الخروج عن النسق يكمن في الحاكميات، التي تشرعن وجود أصوليات داخل الميتافيريقيا أو خارجها، والتي لا تقبل بأي نقد أو مراجعة أو تقويم، وهذا ما يجعلها سريعة التحوّل إلى طغيانات تقوم على فكرة العنف المقدس، وعلى طرد الآخرين عن نهجها وعن أحكامها.

٭ ناقد عراقي

الأصوليات وثقافة الأخلاق

علي حسن الفواز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية