تعد مجزرة أورلاندو التي قام بها الأمريكي عمر متين، إحدى أقوى أوجه المسح الإنتقائي للذاكرة إعلاميا وسياسيا، فهي تأتي بعد ايام من مراسم دفن وتأبين محمد علي الذي شغلت وفاته الإعلام الثقيل على مدار الساعة ولأيام.
حضور محمد علي القوي في الذاكرة الجمعية للأمريكيين، والذي ظهر جليا قبل و بعد وفاته بقدوم محبيه من كل أصقاع المعمورة لإلقاء نظرة الوداع، فرض نفسه إعلاميا، وتكرر إسم «محمد» وذكر «على غير العادة» بكل خير، فمحمد هذه المرّة لم يرتبط إسمه بالإرهاب والقتل والتطرف ومعاداة الحرية، بل محمد هذه المرّة الملاكم العظيم صانع أفراح الأمريكيين، محمد هذه المرّة الإنسان الواقف مع الحق صاحب المواقف الإنسانية الخالدة و المشاريع الخيرية، الداعية إلى السلام، الخلوق الخدوم صديق الفقراء، المسلم بالضرورة.
وفاة محمد علي لم يتمنّها كثير من أصحاب المشاريع الخلاّقة في العالم العربي، ليس حبا فيه دون شك، لكن لضمان صيرورة أجواء الشحن والتعصّب التي تشحذ كل قطرة كره لتبرير كل الدمّار والقتل والتصفية العرقية الحاصل في المربع العربي الإسلامي، وبذلك تعد وفاته تشويشا خارج عن نطاق السيطرة، لا تحمد عواقبه، فهو يذكر ويلفت الإنتباه إلى نموذج المسلم في أنقى واصفى أوجهه المتمثلة في شخصية أو صورة محمد علي، الذي يعمل النافذون في الإعلام على إخفائها وإظهار نقيضها بتكريس تلك النظرة القميئة للمسلم في صورة «الداعشي».
قد تبدو هذه القراءة غارقة في فلسفة المؤامرة التي نعاني منها كأمّة عربية وإسلامية، لكن في أحداث كريهة كهذه تنال من وعينا وفهمنا وتجعل منّا دراويش مسطحي العقول يستقبلون كل ما يبثه الإعلام بغباء، كان لزاما التذكير بأن كل ما يحدث من عمليات «إرهابيةّ» في ديار «الكفر»ليست إعتباطية التوقيت بتاتا، ولا يمكن قراءتها خارج السياق السياسي والعسكري الجاري في مشرقنا العربي الذي تترتب عنه كما عهدنا دائما منذ أحداث 11 أيلول/ سبتمبرالى اليوم، سلسلة من الإجراءات المؤثّرة والمدمّرة لنا.
في هذه الفترة العصيبة من تاريخ البشرية عموما والتي يلخص قبحها ويقدّم عصارة إنهيار منظومتها الأخلاقية هؤلاء النافذون من مستبدين ومحتلين في عالمنا العربي، أصبح التمهيد الإعلامي أحد أبجديات إتمام أي مخطط يراد تكريسه على أرض الواقع، لذلك لا تستغرب عين مراقب هذه العملية التي قام بها هذا المضلل، فصناعة الأراغوز العنيف منذ «القاعدة» ووصولا إلى النسخة الرقمية المستحدثة والمسماة «تنظيم الدولة» لم تصنع إلاّ لهكذا أفعال.
منظومة سياسية عالمية نافذة لا تخجل من التنسيق مع نظام كنظام بشار الأسد في سوريا، حتى بعد قصفه الشعب بالكيماوي، منظومة متآمرة مع الحكّام في العراق لإزهاق أرواح العراقيين في الفلوجة وقصفهم وتصفيتهم ومحاصرتهم منذ زمن بحجّة «الدولة الإسلامية» ربيبتهم التي يوظفونها حسب الحاجة ووقت اللزوم، منظومة تعادي إيران علنا وتكرمها بما ليس من حقها، مزيدا من التوسع والتمدد في الجغرافيا العربية سرا؟.
منظومة تقبل بترشح ترامب العنصري عدو الأقليات والمرأة والذي أخرج حقيقة بعض الأمريكيين البيض كما قال أحد المحللين الأمريكيين في معرض شرحه موجة تصاعد شعبيته،» بأنّه تجرّأ على إخراج ما يقوله الأمريكيون في مجالسهم الخاصة إلى العلن ليس ألاّ؟»، نتوقع منها كل شيء وأي شيء مهما بدا ساذجا أو خبيثا، هؤلاء يجمعهم شر مطلق، فنسخ صورة محمدعلي بصورة عمر متين ليست إلاّ قطرة في بحردماء أغرقوا البشرية فيها خدمة لأناهم المتفجّرة.
كاتبة من الجزائر
منى مقراني