نقد نظرية الحق الإلهي

حجم الخط
1

اختار محمد حسن الوزاني أن يناقش نظرية الحق الإلهي التي ظهرت في أوروبا «لكي يبدد ما تقوم عليها من الأوهام والأباطيل وما يحوم حولها من الشبهات».
وإن كان يرى منذ البداية بأن «هذه النظرية السخيفة لا تثبت أمام البحث العلمي ولا توافق عليها شريعة التوحيد مطلقا»، ولإثبات هذه السخافة اعتمد منهجية العرض والتجاوز بحيث قام باستعراض أهم أسسها التاريخية ومرتكزاتها الفكرية على لسان منظريها الأوائل في أوروبا، خاصة بوسوي في فرنسا، والفيلسوف فيلمر وهوبس في إنكلترا، الذين يعتبرون من أنصار الحكم المطلق المقدس، والذين دافعوا على بعض الأطروحات التي ترى بأن «السلطة السياسية يرجع أصلها إلى آدم الذي أعطاه الله السلطة على كل ما يدب على الأرض من حيوان، فآدم أول ملك عرفه تاريخ الخليقة» حسب فيلمر، ولذلك «وجب البحث عن مبدأ السيادة في السماء لا في الأرض» لأن مبدأ السلطة ـ حسب بوسوي «إنما يوجد في الله ذاته، فالله ملك الملوك وفي بدء الخليقة كان وحده ملك البشر أجمعين»، ومن هنا يستمد ملوك الأرض حسب دعاة هذه النظرية ـ مشروعيتهم، وليس للناس اتجاههم إلا «الاستسلام والطاعة والامتثال».
ولا يكلف حسن الوزاني نفسه عناء الرد الدقيق على هذه الأطروحات، ويرى بأن «مجرد بسط نظرية الحق الإلهي (..) يكفي لإظهار ما تتصف به من السخافة والباطل. فهي تدحض نفسها بنفسها في نظر العقل، ولا ينتحلها إلا من عميت بصيرته ولبس عليه الشيطان فأغواه وأضله»، ولكن المعطى الوحيد الذي يدفع به لرد هذه الأفكار هوأن «هذه النظرية الخيالية السخيفة قد أخذ بها جميع الملوك المستبدين الذين أبوا أن يقيموا حكمهم على رضى الأمة بصفتها المصدر الحقيقي لكل سلطة سياسية».
ولكن يبدو بأن المستهدف الرئيسي وراء نقد نظرية الحق الإلهي، ليس هو التجربة الأوروبية، بحيث إن التجارب السياسية في أوروبا لم تعد تأخذ بهذه النظرية بعدما ترسخت الفكرة الديمقراطية «عبر مسار تاريخي وفكري واجتماعي استطاع الثورة على الكنيسة وانتزاع الوصاية على الشأن السياسي من رجال الإكليروس، ليمنح المجتمع المدني والسياسي وظيفة الخوض في أمور الحكم والسياسة وابتكار نظام سياسي قائم على التعاقد وعلى حق المواطنين في إدارة الشؤون العامة».
ولذلك فإن محمد حسن الوزاني لا يتردد في تخصيص الحيز الكبير من صفحات هذا الفصل لتتبع «آثار وتجليات» هذه النظرية في تاريخ المسلمين، لأن الباعث الرئيسي من وراء دحض مفهوم الحق الإلهي، هو «رغبته وتصميمه على نزع أية مصداقية للاستبداد الملكي أيا كانت طبيعته وغاياته ومنجزاته».
وهكذا يستخرج الوزاني أسلحته الفكرية وأدلته التاريخية لتتبع مظاهر الاستبداد المتستر بالدين في تاريخ المسلمين، انطلاقا من تحديد تاريخ ظهوره ورصد تطوره التاريخي ثم بعد ذلك القيام بنقد مستنداته عبر ترسانة من الآيات والأحاديث وصور من السير النبوية، ليثبت بأن نظرية الحق الإلهي تمثل افتراء على حقيقة الدين الإسلامي وتصوره لنظام الحكم.
يحدد الوزاني تاريخ تسرب آثار هذه «النظرية الباطلة» إلى المسلمين في «عهد انقلاب الخلافة إلى حكم الاستبداد» بحيث «ظهرت في عصر الأمويين»، ويوضح الوزاني بأن الدولة الأموية عملت على مناصرة الجبرية ومحاصرة القدرية لأن هذه الأخيرة تقول «بحرية الإرادة الإنسانية»، بينما يعمل الفكر الجبري على تركيز إيديولوجية الطاعة المطلقة للدولة لأن «كل تبرم وتذمر من تصرفات الدولة الحاكمة، هو في الحقيقة اعتراض على قضاء الله وقدره، فخير للناس إذن أن يفوضوا أمرهم إلى الله ويخلصوا الطاعة للولاة إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا».
وإذا كانت آثار هذه النظرية عند الأمويين، تتجلى في نصرتهم للفرق الجبرية انسجاما مع أغراض دولتهم السياسية، فإن آثارها عند العباسيين تظهر، حسب الوزاني، عندما «جعلت الخلافة إرثا يتوارثه الملوك عن الرسول».
ويرد الوزاني على ذلك بالحديث الذي جاء فيه (إنا معشر الأنبياء لا نورث)، ثم يوضح بأن الرسول لم يورث إلا علم الشريعة «وهذا الميراث مشاع بين سائر العلماء بحيث لا يمكن لأحد منهم أن يدعي أنه الوارث للنبي دون سواه وأن هذا الإرث يتناقله الأبناء خلفا عن سلف».
في حلقة قادمة نتابع بيان الخلفية السياسية التي تقف وراء هذا التحليل.

٭ كاتب من المغرب

نقد نظرية الحق الإلهي

د. عبد العلي حامي الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية