محللون لـ«القدس العربي»: مساع تركية حثيثة لتحسين علاقاتها بعد أن أرهقتها الأزمات الدولية

حجم الخط
2

إسطنبول ـ »القدس العربي»: أجمع محللون سياسيون أتراك وعرب في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي» على أن الحكومة التركية الجديدة تبذل مساع حثيثة ضمن سياسة جديدة لتحسين العلاقات مع العديد من الدول حول العالم وذلك بعد أن أرهقتها هذه الأزمات سياسياً واقتصادياً بشكل كبير.
وبعد أن انتهت سياسة «صفر مشاكل» وشهد الاقتصاد التركي تراجعاً متواصلاً خلال السنوات الأخيرة، بدأت أنقرة مؤخراً بمساعي حثيثة أبرزها محاولة إنهاء الأزمة مع روسيا وإعادة العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، وقرب التوقيع على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، والحرص على عدم توسيع الخلافات مع ألمانيا، بالإضافة إلى محاولات تطوير العلاقات الاقتصادية مع طهران لتعويض خسائر الاقتصاد التركي.

مساع تركية حثيثة ومتسارعة مع روسيا

بعد يومين فقط من تهنئة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لنظيره الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء بن علي يلدريم لنظيره الروسي ديميتري ميدفيديف، بمناسبة اليوم الوطني لروسيا، دعا أردوغان، الأربعاء، السفير الروسي في أنقرة، أندريه كارلوف، إلى مأدبة إفطار السفراء الأجانب في مقر الرئاسة.
وتمنت تركيا أن تشكل تهنئة أردوغان لبوتين «الخطوة الأولى في مسيرة تطبيع العلاقات بين البلدين»، وقال نائب رئيس الوزراء نعمان قورتولموش إن «هذه الخطوة تشير إلى رغبة تركيا بإعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي مع روسيا»، معرباً عن أمله بتحسن العلاقات بين البلدين التي تضررت على خلفية أزمة إسقاط المقاتلة الروسية التي اخترقت المجال الجوي التركي في 24 نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي.
وعلى الرغم من أن المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف قال «نحن أيضاً نريد تطبيع العلاقات وعودتها إلى مسار التعاون لتحقيق المصالح المتبادلة»، إلا أنه أكد أن على تركيا البدء بخطوات تحسين العلاقات من خلال تلبية الشروط الروسية التي أعلنها بوتين عقب الحادثة وتتمثل في الاعتذار والمحاسبة والتعويض.
وفي خطوة أخرى، أعلنت رئاسة الأركان التركية، الأربعاء، أن تركيا وفنلندا، تجريان رحلة استطلاعية جوية مشتركة للمراقبة في أجواء روسيا الاتحادية، في إطار اتفاقية السماوات المفتوحة، وذلك بعد أسابيع من رفض أنقرة الجولة الروسية الاستطلاعية بالأجواء التركية على خلفية الأزمة.

اتفاق قريب مع إسرائيل

وبات من شبه المؤكد أن المفاوضات الإسرائيلية ـ التركية وصلت إلى مراحل متقدمة جداً ومن المتوقع أن يتم التوقيع النهائي على اتفاق لإعادة تطبيع العلاقات الدبلوماسية المجمدة بينهما منذ الهجوم الإسرائيلي على سفينة المساعدات التركية إلى غزة «مافي مرمرة» وقتل 10 متضامنين أتراك.
وفي آخر تأكيد رسمي، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إن تركيا يفصلها اجتماع أو اثنان عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وقال: «بقي لقاءان آخران مع الجانب الإسرائيلي لمناقشة التفاصيل المتعلقة في إطار المفاوضات (…) هناك بعض التقارب حول شرطي أنقرة في هذا الخصوص (رفع الحصار عن قطاع غزة، وتعويض ضحايا سفينة مرمرة)».
وفي أبرز دليل على حدوث تطور هام في العلاقات بين البلدين، كانت تركيا من بين الدول التي رشحت إسرائيل لرئاسة اللجنة السادسة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة والمعنية بمكافحة الإرهاب وقضايا القانون الدولي، وذلك من خلال مجموعة دول غرب أوروبا التي تضم عددا من دول غرب أوروبا إلى جانب أستراليا ونيوزيلندا وإسرائيل وتركيا.

سفير الإمارات يعود لأنقرة

وفي أول خطوة فعلية بعد مساعي تحسين العلاقات مع الإمارات، تسلم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الثلاثاء، أوراق اعتماد السفير الإماراتي لدى أنقرة» خليفة شاهين المرر».
وكان وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، أول مسؤول تركي يزور الإمارات منذ فترة طويلة نهاية شهر أبريل/نيسان الماضي، أكد أن الزيارة تشكل منعطفًا في العلاقات بين البلدين، مشيراً إلى توصل الجانبين إلى اتفاق لتطوير العلاقات في كافة المجالات، خلال المرحلة المقبلة.
وكانت العلاقات الدبلوماسية التركية الإماراتية شهدت فتورًا خلال الفترة الماضية على خلفية اختلاف في وجهات النظر بخصوص عدد من الملفات أبرزها إطاحة الجيش المصري بمحمد مرسي أول رئيس منتخب ديمقراطياً في يوليو/ تموز 2013، حيث ساهم التقارب السعودي التركي في إحداث تقارب مع أبو ظبي.
كما تسعى تركيا لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع طهران، وعملت طوال الفترة الماضية على تجنيب الخلافات السياسية العميقة بين البلدين خاصة في ما يتعلق بالشأن السوري، في محاولة للاستفادة من النتائج الاقتصادية للاتفاق النووي الذي رفعت بموجبه العقوبات عن طهران.
والثلاثاء، أعلن رئيس غرفة التجارة والصناعة الإيرانية محسن جلال بور، أن الغرفة الصناعية باسطنبول ستؤسس منطقة صناعية في إيران تتكون من 140 وحدة، تبلغ كلفة مرحلتها الأولى 10 مليارات دولار أمريكي.
وقال وزير الطاقة التركي، نهاد زيبكتشي، قبل أيام، إن بلاده تنظر في إمكانية القيام بتجديد وإصلاح أنابيب الطاقة الإيرانية وتطويرها تقنيا، موضحاً أن بلاده ستقوم بإرسال خمسة مستشارين تجاريين جدد إلى إيران في إطار سعيها لتحسين العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إيران.
والخميس، نقلت وكالة رويترز عن وزير الجمارك والتجارة التركي بولنت تفنكجي قوله إن بلاده تسعى لزيادة حجم التجارة مع إيران إلى ثلاثة أمثاله ليصل إلى 30 مليار دولار بأقصى سرعة ممكنة بعدما رفعت العقوبات التي كانت مفروضة على طهران مما جعل التحويلات المصرفية أكثر سهولة. وزاد حجم التجارة بين إيران وتركيا إلى 21.9 مليار دولار في 2012 قبل أن ينخفض لما دون العشرة مليارات دولار في 2015 بفعل تأثير العقوبات والخلافات.
المحلل السياسي التركي باكير أتاجان اعتبر أن هذه المساعي موجودة بالفعل وتأتي في إطار سياسية تركية جديدة لتحسين العلاقات مع العديد من الدول، لكنه شدد على أن هذه المهمة لن تكون سهلة على الإطلاق بسبب وجود العديد من الأطراف الدولية التي لا ترغب لتركيا تحسين علاقاتها وتطوير اقتصادها، على حد تعبيره.
ولفت أتاجان إلى أن التغيير الحقيقي ظهر من خلال التغييرات الكبيرة التي شهدتها وزارة الخارجية التركية عقب تسلم بن علي يلدريم رئاسة الوزراء، مشيراً إلى أنه تم تغيير ممثل تركيا في الأمم المتحدة وعدد من الهيئات الدولية وعدد من العواصم الهامة لإحداث اختراق جديد في السياسة الخارجية.
وتوقع أن تنجح تركيا في تحسين علاقاتها لكن ليس على المدى القصير، قائلاً: الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت وخاصة مع روسيا التي تسعى إلى فرض شروطها على تركيا، فيما يقع العراق تحت الضغوط الروسية والإيرانية». المحلل السياسي المتخصص في الشؤون التركية صلاح لبيب اعتبر أن إسقاط الطائرة الروسية وما تبعها من تغيرات حادة في المشهد السوري كانت محفزا وضاغطا في الوقت نفسه لتغيير طريقة التعاطي التركي مع قضايا الإقليم.
وقال في تصريحات خاصة لـ»القدس العربي»: «هناك عدة قضايا ذات أولوية كبيرة منها القضية السورية والتعاطي مع غزة وتطبيع العلاقات مع إسرائيل والقضية المصرية وما يرتبط بها من تأزم في العلاقات مع الحكومة المصرية ودولة الإمارات»، مضيفاً: «قامت الحكومةً التركية بالسعي علي هذه الملفات بطريقة متوازية ورأت أن هذه الملفات مترابطة وكان تمتين العلاقات مع السعودية ومسايرتها في مواجهة النفوذ الإيراني وحديثها المتكرر عن امن الخليج دافعا لتقارب مع الإمارات علي سبيل المثال مع تحجيم الخلاف بينهما حول قضيتي مصر وليبيا».
ورأى لبيب أن «هذه السياسة التركية هدفها الأساسي تقليل التأثيرات السلبية على الاقتصاد من اجل إعادة معدلات النمو لما كانت عليه أو تنشيطها علي اقل مستوي»، مستدركاً: «لكن ستظل هناك ملفات سيؤدي التقارب فيها إلى قضم جزء مما حققته تركيا في الأعوام الماضية من صورة ايجابية في العالم الإسلامي.. أول هذه الملفات هو ملف التطبيع من إسرائيل، فرغم الدعاية التي تركز تركيا علي نشرها حول ربط التطبيع برفع الحصار عن غزة، إلا أن إسرائيل يبدو أنها ليست في حاجه ماسة لتركيا في مقابل تقديم تنازلات كبيرة للفلسطينيين».
وتابع: «لذلك تأخر تطبيع العلاقات شهورا طويلة رغم أن التبادل الاقتصادي تضاعف عن عام حادث مرمرة»، لافتاً إلى أن «ترشيح وتصويت تركيا لإسرائيل لرئاسة اللجنة القانونية في الأمم المتحدة كان كاشفا عن تحول سياسي واضح إزاء العلاقات مع إسرائيل».
وعن مدى نجاح تركيا بسياستها الجديدة، قال لبيب: «غاية ما تتمناه الحكومة التركية هو العودة إلى سياسة ما قبل الربيع العربي ولكن هذا غير ممكن بفعل التغيرات الجادة في الإقليم ولكن تركيا ستضع نصب أعينها تشكيل تحالفات تمكنها أولا من منع إقامة دولة كردية علي حدودها وتقليل الوجود العسكري الروسي بالقرب منها وتقليل الأخطار الإيرانية عليها بعد أن أصبحت ملاصقة لها في العراق وسوريا إضافة إلى الحدود المشتركة بين البلدين».
الكاتب والمحلل السياسي محمود عثمان رأى أن إسقاط تركيا للمقاتلة الروسية وما تلاه من تطورات متلاحقة وإجراءات روسية على المستويين العسكري والاستراتيجي في سورية والمنطقة، أدى إلى خسارة تركية على أكثر من صعيد عسكريًا وسياسيا واقتصاديا.
وقال لـ«القدس العربي»: «عسكريا فقدت تركيا القدرة على الطيران فوق سورية والمبادرة في شمالها، وسياسياً فقد ارتهنت المواقف السياسية التركية لواشنطن وحلف الناتو أكثر من أي وقت مضى, واقتصاديا فقد انحدر ميزان التبادل التجاري بين البلدين إلى مستوى متدن رغم حاجة البلدين لبعضهما البعض، كما حصل تراجع كبير في قطاع السياحة التركي الذي يشكل السياح الروس ثاني أكبر زبائنه».
وأضاف عثمان: «اضطرت تركيا لتحمل جميع التبعات دون تدخل من الناتو مما أعطى انطباعا واضحا بأن تركيا تركت وشأنها في مواجهة الدب الروسي.. من اجل ذلك بدأت تركيا تتحين الفرص من أجل إحداث اختراق للبدء بالحوار مع الطرف الروسي.
وقد كانت مناسبة العيد الوطني لروسيا فرصة سانحة لطرق الباب الروسي, حيث قام كل من أردوغان ويلدريم بإرسال التهاني كل على حدة للتأكيد على النوايا الجادة لدى القيادة التركية بترميم العلاقات مع الجارة روسيا.

محللون لـ«القدس العربي»: مساع تركية حثيثة لتحسين علاقاتها بعد أن أرهقتها الأزمات الدولية

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية