تمتلك الرّحلة في المخيال العربي ثقلا مخياليا قبل أن يكون معرفيا، لأنّ علاقة العربي بالصّحراء أورثته تلك الرّغبة في استطلاع ما خلف الأفق الذي كان ملك ناظريه على مرّ الوقت، ولكن بعد أن اتّسعت الدّولة الإسلامية وامتدّت جغرافيتها، وجد المخيال العربي وبعده العقل ضالتهما في تتبع مسار المسافة وسبر خفاياها في شكل المدن وساكنيها، ولكن هناك عاملا وظيفيا يشدّ انتباه القارئ في رحلة ابن جبير العربي الأندلسي، الذي استدعاه يوما أمير غرناطة أبو سعيد بن عبد المؤمن، وكان كاتم سرّه، للكتابة عنه، وكان على شرابه، وأمر ابن جبير أن يشرب، فأبى، لكن الأمير أقسم عليه، فشرب كارها، وأمدّه بعد ذلك سبعة أقداح من الدّنانير، فعزم ابن جبير أن يحجّ بتلك الدنانير تكفيرا عن ذنبه، ودوّن مشاهداته وملاحظاته عن رحلته، فالرّحلة إلى الحج لم تكن فراغا من التأمّل والقصد التّخييلي، وهو ما نلمسه في رحلة «جنائن الشرق الملتهبة» لسعيد خطيبي، وهي رحلة إلى بلاد الصّقالبة كما يقول، التي يؤسّس لها عبر القصد الكامن في المخيال وفي الوجدان، ففي زيارة سربرنيتسا، كانت توجّهه الذاكرة المريرة، «ولم يكن يدور في ذهني سوى صور مشاهد أفلام وثائقية شاهدتها سلفا عن بشاعة ما وقع شهر يوليو/تموز 1995، أيّام ما عرف بحرب البوسنة»، بهذا المعنى الذي أخذ حيّزه في تفكير سعيد خطيبي، راح يحضّر لرحلة كانت محلا لعنصري التّشويق والمتعة عبر لغة حكائية تتواشج سريعا مع متخيّل القارئ، الذي يفتح أفقا للانتظار يراهن فيه على المتعة البعيدة عن الملل، وهو ما تحقّقه أوراق هذه الرحلة.
ابتداء تأسّس العنوان «جنائن الشّرق الملتهبة» على الثنائية الضدية التي تُنتج صراعيتها معنى قصديا في مخيال الرحالة، فـ«جنائن» تحمل دلالة الأخضر الذي يعكس حالة المخيال الغربي المتعطّش إلى السّحـــــري والإيروسي والعجائبي، كما بيّن كاتب الاستهلال، بينما الملتهبة تختزن شحنة الأحمر، التي تنطبق واقعا على الشّرق، فيصبح العنوان في حدّ ذاته قراءة مضادة للفكر الرّحلي الغربي، لأنّ صفة الالتهاب تجعل من «الشّرق» مستوى من المخيال الواقعي الذي يؤسّس للرّحلة بمفهومها المرتبط بالمعاناة والاكتشاف خارج أطر التّنميط والتّفكير النّاجز في وعي الغربي عن «الألف ليلة العربية» المتواطئة مع المتعة والعجائبية.
يمتحن سعيد خطيبي دلالة الفراغ الرّحلي والفجأة المفتوحة على الفضاء الجديد لكي يؤسّس امتلاء اللحظة المدمجة في السّفر، «وكان لابد لي من العودة إلى رسالة ابن فضلان (كتبها عام 921) وهو رحّالة مقدسي، ورحلته تدخل في صميم التّعريف بوجهة خطيبي نحو بلاد الصّقالبة، وهو ما يذكره الرحالة من ضمن عدّته «المعنوية»، ولعل هذا ما يجعل لهذه الرّحلة معنى في خضم ما ترنو إليه الذاكرة العربية المعاصرة، من تسجيل عارف لحركة المسافر في المكان، فالارتباط بالذاكرة التراثية ليس مبعثه فقط اختبار المعلومة، ولكن أيضا استمداد مفعول الحركة الارتجاعية ذاتها إلى النص الرّحلي الماضوي، وهو ما يكون قد هيّأ سعيد خطيبي ليكتشف «أنّ السّفر لا يقاس فقط بالمسافات، وإنّما أيضا بالحالات النّفسية التي يستشعرها الفرد»، وذلك هو أثر الاستعداد المعنوي الذي يتجلى في مجال النّفس أكثر من مجال الحس الذي يتجاوب مع المسافة فقط، وهو ما جعله يؤكد أنّ السّفر الأكبر «هو سفر يعيدنا إلى ذواتنا»، والذّات تتمثل في الأبعاد الثّقافية والقيمية والرّمزية التي تجعلها قيمة حاضرة في لحظة الوجود، ولهذا وجدت خطيبي يمارس شرطا إحاليا إلى الذّات، كلما وجد فرصة في ما هو مقبل على اكتشافه، فكان مثلا كثير الإحالة إلى الجزائر كوطن الذات الرّحلية، ويبدو أنّ هناك حنينا ذا خصوصية في ترتيب استراتجية الإحالة، حيث خطيبي يمتد بين الرّحلة والغربة، فكان المكان المرتحل إليه تعويضا عن المسار نحو المكان الميلاد، فوجوده في بلغراد واكتشاف زواياها، كان ذا شجن وحنين طاغ يترجمه التّشبيه بين ساحة الجمهورية وساحة الشّهداء، «ساحة الجمهورية، التي تحمل عبق ساحة الشّهداء في الجزائر العاصمة»، ومفردة العبق تكشف هذا المستوى من الحنين والشّجن في ترتيب الإحالات، وأيضا عندما يصف إحساسه بحي باشتارجيا في سراييفو، «في باشتارجيا شممت روائح الجزائر العاصمة».
لقد كان الرحّالة خطيبي في تشريحه للأمكنة جدّ دقيق في توصيف حالاتها ويومياتها، فهو يقول عن «زغرب» عاصمة كرواتيا أنّها «مدينة تعيش في انسجام مع تاريخها، ومع الأساطير المؤسّسة لها»، يقول عن سراييفو أيضا، «مدينة عاصية، ومتوحّدة في آنّ»، لكن ما ينطبع في ذاكرة القراءة هو انطباعاته عن «سربرنيتسا» المدينة البوسنية، في سربرنيتسا حكايات وأغانٍ تولد كل صباح. طرق وأزقّة البلدة الصّغيرة، حدائقها وربواتها، أطفالها ونساؤها، لم ينسوا فظاعة صيف 1995»، وعند هذا المفصل، ومفاصل أخرى، يتوسّد هذا النص الرحّلي المعنى في العنوان «جنائن الشّرق الملتهبة»، حيث تنبثق داخل المخيّلة إرشادات البراءة الطفولية لتقول بكلّ عفوية اللغة حركة الذّات نحو الأمكنة، «لست أعرف كيف ولد تعلّقي بسراييفو، قبل أن أزورها أو أفكر في زيارتها، كانت جدّ حاضرة في مخيّلتي…. سنوات الطفولة في الجزائر، في سنّ العاشرة، كنّا في المدرسة، وفي فرقة الكشّافة، نغنّي لأطفال سراييفو»، لهذا لا نلمس في سرد الرّحلة أي إشارة إلى الخوف، وهو ما يكشف عن حالة التوادد بين المكان المراد اكتشافه والذّات المكتشفة، وهو ما أهّل الإحساس الرِّحلي إلى التعالق مع الجانب الجمالي والإبداعي، فنكتشف ثقافة جوزيف بروز تيتو وولعه بالكتاب والشّعر، «ما أثار انتباهي في قصر الزّعيم هو المكتبة التي تكشف عن روح مبدع»، وفي سلوفينيا وبالذّات في مكتبةٍ في «ليوبليانا» وجد رشيد ميموني مترجما إلى السلوفينية، إذا الذات دائما حاضرة في المسار الرّحلي، رغم انّه يقول في بداية السّرد: «وحدها الصّدفة قادتني إلى بلاد الصقالبة»، قد يكون ذلك قائما في الشعور بالراهن، لكن تجلّيات السّفر في أمكنة تصرّ على أن نرتادها، تكشف ما يمكن أن يفسّر العلاقات الخفيّة بين الإنسان والأمكنة، فإذا كانت تلك هي البداية، أي صدفة التوجّه الرّحلي، فإنّ نهاية الرّحلة نسجها السرد على وتيرة ارتجاعية إلى الذّات، لا تكشف سوى عن علاقة خطيبي بنصه وبالمكان المرتحل إليه وبحضور الإحساس القوي بالغربة كونه يعيش بعيدا عن الوطن الميلاد، يقول: «السّفر إلى الخارج، ليس سوى عودة إلى الداخل»، وما بالداخل سوى الذات والوطن الرّمز الذي تكشف عنه الأمكنة في وجودياتها الثقافية والرمزية والقيمية، فالداخل هو العلاقة التي تزن المسافات في لقائها بنقطة المركز الذي يشمل الذّات/الوطن.
٭ كاتب جزائري
عبد الحفيظ بن جلولي