في حادث هزّ بريطانيا قام رجل يدعى توماس مير بالهجوم على نائب في البرلمان تدعى جو كوكس وطعنها ثم أطلق عليها الرصاص مرتين وهو يصيح «بريطانيا أولا».
الصيحة التي أطلقها القاتل هي اسم لحزب يميني متطرّف قام مرشحه بإدارة ظهره باشمئزاز لعمدة لندن صادق خان أثناء إحصاء الأصوات معلناً غضبه من قرار سكان لندن اختيار مسلم عمدة لهم.
وقد نشرت الصحف أن المتهم اشترى كتبا من جماعة مناصرة للنازية في أمريكا تشرح طرق صناعة بنادق ومتفجرات، وكذلك كتاب «كفاحي» لهتلر، كما كان مشتركا في مجلة «الوطني الجنوب إفريقي» التي تنشرها جماعة مؤيدة للتمييز العنصري ومناهضة لـ»الإسلام التوسّعي».
النائب، من جهة أخرى، هي امرأة في الواحدة والأربعين من العمر، أم لطفلين، ومشهورة بدفاعها عن الفلسطينيين والسوريين، وعن التنوّع العرقي والديني والاجتماعي في منطقتها وفي المملكة المتحدة، ولديها تاريخ من العمل ضمن منظمات خيرية مثل «أوكسفام» و»أنقذوا الأطفال»، وكانت ناشطة في الدفاع عن حقوق المرأة، كما كانت عضواً في لجنة أصدقاء سوريا في البرلمان وكانت تشارك في أعمال حول الأراضي الفلسطينية وباكستان، وكانت بحسب بيان أصدره زوجها «تؤمن بعالم أفضل وبالكفاح ضد الكراهية».
رغم أن الأمن البريطاني لم يُعلن بعد أهداف الجريمة لكن خلفيتي الضحيّة والمتهم بقتلها تظهران الفارق السياسي الهائل الذي يفصل بينهما، فالسياسية المغدورة كانت تدافع بشكل واضح عن القيم العامّة الأخلاقية التي تجمع البشريّة، كما تدافع عن حقوق المقهورين والمظلومين والضعفاء، بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم، فيما يرتبط المتّهم بجماعات العنصرية العرقيّة التي تقسّم البشر إلى أعراق أعلى وأدنى وتشرّع بالتالي التمييز ضدهم واحتقارهم، وهي دعاية سياسية موتورة تؤدي بالنتيجة إلى تحليل قتلهم جماعياً، وفي حالة جو كوكس، قتل المدافعين عنهم أو المختلفين مع هذه الرؤية المتطرّفة للعالم.
غير أن سياق الحادث، وهو الجو المحموم الذي يميّز هذه الأيام القليلة التي تسبق الاستفتاء الشعبي العام على قرار بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي من خروجها يفتح قوس دلالات الجريمة ليربطها بالدعاية الهائلة التي قامت بها أطراف بريطانية عديدة لتبرير الخروج من الاتحاد الأوروبي وتركيز هذه الدعاية على العداء للمهاجرين، وخصوصاً المسلمين منهم، لكنّها أيضاً تستعيد نغمة العداء القديم بين بريطانيا والقارّة الأوروبية التي تنتمي إليها، وقد وصلت حملة الاستفتاء هذه إلى مدارك من الانحطاط لا يمكن تصوّرها.
أحد أشكال هذه الدعاية تشبيه عمدة لندن السابق بوريس جونسون الاتحاد الأوروبي بالاحتلال النازيّ لبلاده، وأساليب التضليل الكثيرة التي يستخدمها زعيم حزب «الاستقلال» نايجل فراج الذي استخدم في ملصق دعائيّ له يظهر صورة مهاجرين سمر مع جملة «نقطة النهاية»، وما فعلته الحملة عموماً من التركيز على إمكانيّة انضمام تركيّا وألبانيا (البلدين المسلمين) باعتبارهما الخطر الأكبر على البريطانيين.
النتيجة الطبيعية لهذه الأجواء الموتورة ضد المهاجرين، والمسلمين منهم خصوصا، وهذا التضليل الكاذب حول خطرهم العاجل جعل هذه الجريمة ممكنة، ونشر سموم التعصّب ضمن البريطانيين بحيث أثّر على التركيبة النفسية لسكان الجزيرة وقسمهم إلى قسمين متعاديين، وهدّد بالتالي الأسس الديمقراطية للمجتمع.
نتيجة الطبيعة الإرهابية للجريمة ثار سؤال لا يني يتكرّر كلّما حصل فعل من هذا النوع، وهو: لماذا لا توصف الجريمة بالإرهاب، ولماذا لا يذكر دين المجرم الإرهابي، كما يحصل، بسرعة هائلة، حين يكون المنفذ مسلماً؟
السؤال الثاني، الذي خطر في بال أغلب البريطانيين، وتردّد في مقالات بعض الكتاب وهو: هل هناك خيط رفيع يفصل بين الحضارة والهمجية؟
رأي القدس