غوما (الكونغو الديمقراطية) ـ «القدس العربي»: من كوت ديفوار إلى الكونغو الديمقراطية مرورا بالكاميرون، يتابع عشّاق كرة القدم مباريات كأس الأمم الأوروبية (يورو 2016)، بذات الحماس المتدفّق من ملايين متابعيها مباشرة في الملاعب. حركة وجلبة وازدحام في المقاهي مع ما يحمله كلّ ذلك من انتعاشة اقتصادية.
ففي حي ماركوري- رومبلي جنوب أبيدجان الإيفوارية، يملك ساليا كوني مقهى في شارع ضيق، قام بتجهيزه بشاشة تلفزيونية عملاقة، لاستقطاب أكبر عدد ممكن من عشّاق كرة القدم ممن ينتظرون بفارغ الصبر موعد البطولة الأوروبية لمتابعة البث المباشر لمبارياتها. خدمة إضافية يقدّمها ساليا لزبائنه مقابل احتساء الشاي أو القهوة الساخنة بأسعار «مخفضة»، على حدّ تعبيره.
أجواء محمومة وحماس وتشجيع من هذا الجانب، تقابلها خيبة وحنق وغضب من الجانب الآخر… صورة مصغّرة مما يحدث في المستطيلات الخضراء بفرنسا، خصوصا حين يتعلّق الأمر بالمباريات الهامة، حيث تتحوّل الحشود المحدّقة في الشاشات بانتباه بالغ إلى مجموعة من الخبراء الرياضيين. تحليل وتقييم ومواقف وآراء لا تنقطع ولا تنضب إلا مع ضربة حاسمة أو هدف يمنحها هدنة مؤقتة سرعان ما تستعيد ضوضاءها وضجيجها.
كوني، أحد مشجّعي المنتخب الفرنسي. هو يعشق هذا الفريق حدّ الجنون، حتى أنّ صوته بدا مميّزا وسط الأصوات المستهجنة والغاضبة حينا والمهلّلة أحيانا أخرى. «فرنسا ستفوز بهذه النسخة من اليورو«، قال كوني بحماس قبل أن يكمل ويداه تمسكان بطرف قميص بألوان الراية الفرنسي، وسط إيماءات رؤوس عدد من الجالسين حذوه، في إشارة إلى تأييدهم التام لما يقوله. «لقد تابعت مباريات الفرق الأخرى»، يتابع الشاب بذات الحماس المتدفّق من كلماته، «لكنني أعتقد أن الفرنسيين يقدّمون أداء ذي جودة عالية، إذ يوجد نوع من اللحمة بين لاعبين بقدرات فردية فعالة، ولهذا السبب أدعم فريق الزرق».
عثمان نفاني، يبلغ من العمر 27 عاما، ويعمل بميناء أبيدجان، قال إنه يدعم أيضا المنتخب الفرنسي، وخصوصا لاعب الوسط الفرنسي من أصول مالية، نغولو كانتي. «أحب كانتي»، يضيف نفاني، «فهو من اللاعبين الذين يتمتعون بالروح القتالية»، معربا عن فخره بوجود إفريقي ينافس على البطولة الأوروبية تحت الراية الفرنسية.
تولو عبدولاي (31 عاما)، قدّم نفسه على أنه «عاشق لليورو«، يعمل أمين مخزن، قال إنه يشجّع لاعب الوسط الفرنسي من أصول غينية، بول بوغبا، في حين أبدى الأربعيني كريستوف كواديو، وهو مهندس بمصنع للشوكولاته في كوت ديفوار، تشجيعه ومساندته للمنتخب السويسري. «سويسرا قدّمت لي الكثير في حياتي»، يقول كريستوف، «فلقد عشت فيها سنوات طويلة، ولذلك أجد من الصعب عليّ دعم أي فريق آخر غير منتخبها، إضافة إلى أنّ المدافع من أصل إيفواري، يوهان دجورو، ينشط في المنتخب السويسري، ما يعني أنه هناك سببا يدفع للفخر بهذا الفريق». حمّى «اليورو 2016» سرت عدواها إلى جميع عشاق اللعبة الأكثر شعبية في العالم، بل إنّ هذا الشغف لم يقتصر على التشجيع والمساندة ومتابعة المباريات، وإنما اكتظت بهم قاعات الرهان الرياضي، طمعا في استشراف نتائج المباريات. الرسام كامارا ألفا أحدهم، وهو الذي لم يفقد حماسه في تشجيع المنتخب الأنكليزي منذ أكثر من 20 عاما، يقول «أشجع إنكلترا لأنني من محبي مانشستر يونايتد. أراهن على 10 دولارات على الأقل عند لعب هذا المنتخب وبمبالغ أقل مع المنتخبات الأخرى»، كلمات كامارا هذه طبعت ابتسامة على وجه إلفيس مدير أحد قاعات الرهان. ومنذ انطلاق «يورو 2016»، راهن أغلب الأشخاص على منتخبات فرنسا وألمانيا واسبانيا وانكلترا»، يقول إلفيس الذي يتمكن من تحصيل نحو ألف دولار يوميا من خلال سوق الرهان على الكأس الأوروبي.
الأسواق بدورها، شهدت خلال الأيام الأخيرة حركة ملحوظة على وقع كأس الأمم الأوروبية. ففي سوق تريشفيل بضاحية أبيدجان الجنوبية، أعرب التاجر كريم باري بائع القمصان الرياضية عن سعادته إزاء أرقام البيع المسجلة منذ انطلاق «يورو 2016». وقال: «تجارتي ازدهرت منذ انطلاق بطولة أمم أوروبا بعد نفاد نصف بضاعتي المخزنة»، يقول الشاب الجالس في قلب متجره. «سعر القميص الواحد يتراوح بين 5 دولارات و35 دولارا. وتمكنت من بيع المئات منها، وأغلبها لمنتخبات فرنسا وانكلترا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال».
مشهد مماثل تعيش على نبضه الكاميرون التي غصت مقاهيها بأعداد المشجعين الكبيرة المندفعين لمتابعة لقاءات الفرق الأوروبية، ما خلق حركة اقتصادية كبيرة. وفي المدن الرئيسية، تتأهب قوات الأمن الكاميرونية قبل كل مباراة تحسبا لأي اشتباكات قد تطرأ بين أنصار الفرق التي تبعد آلاف الكيلومترات.
جول تيز، صاحب مطعم ومقهى أعرب عن سعادته إزاء توافد المشجعين على منشأته، قائلا: «خلال اللقاءات، يمتلئ المكان بالمشجعين الذين يفشل بعضهم في الظفر بمقعد ورغم ذلك يصرون على البقاء». بطولة أمم أوروبا تعد فرصة «جيدة» لجول وبقية تجار الكاميرون ممن يعمدون إلى رفع الأسعار. وفي هذا الصدد، علّق صاحب المقهى بالقول: «عشق الكاميرونيين لكرة القدم، خاصة منتخب الكاميرون، أمر بديهي، لذا ارتأينا الزيادة في الأسعار للحد من عدد الزبائن خلال اللقاءات».
تسعيرات «مجحفة» وفق بعض المشجعين لكنها لم تثنيهم عن متابعة مواجهات المستديرة. لاعب المنتخب الكاميروني السابق ويليام كانديم، كشف عن سر «ولعه الشديد» بالبطولة: «فرنسوا مبوبندجي وبريل أمبولو (من أصول كاميرونية) المنضمين إلى المنتخب السويسري غير معروفين في الكاميرون. سنكتشفهم خلال المباريات».
وفي الكونغو الديمقراطية، لا يضيع عشاق كرة القدم فرصة الاستمتاع بالمباريات التي تجمع أقوى المنتخبات الأوروبية، خاصة في مدينة غوما (شرق) والعاصمة كنشاسا. ولتخفيف الضغط الذي تشهده عديد أحياء المدن الكبرى تم تسخير مولدات كهربائية إضافية تحسبا لانقطاع كهربائي مفاجئ بهدف ضمان استمرار «متعة» متابعة مواجهات «اليورو«. ايريتيي مبالو كونغولي من سكان مدينة لوبومباشي، معقل فريق «تيبي مازمبي» الأعرق في البلاد، يتوقع صعود فرنسا البلد المنظم وبلجيكا وألمانيا بطل العالم في 2014 وإسبانيا إلى الدور نصف النهائي.