نافذة أمل: مشروع «تصوّر العودة» للقرى الفلسطينية المهجرة: خريطة هيكلية ورؤية معمارية وديموغرافية لذاكرة وطن ومستقبله

حجم الخط
0

 بيروت ـ «القدس العربي» من ريما شري: بعد مرور أكثر من 68 عاما على النكبة الفلسطينية، لا يزال السؤال المتوارث يتردد بين الأجيال: هل يتحقق حلم الفلسطينيين بحق العودة، مع تصاعد الأزمات التي تهدد القضية الفلسطينية، وتراجع الاهتمام العربي والعالمي بها؟ يبقى السؤال وجوابه، في إنتظار المستقبل. لكن، ثمة من يجتهد الآن، وبعيدا عن آفاق الحلم، لتصوّر العودة إلى القرى المهجرة كواقع ملموس وعملي يتضمن خططا واضحة لصورة العودة بتفاصيلها الديموغرافية، والجغرافية، والهندسية. أصحاب هذا المشروع هم مجموعة من الشباب الفلسطيني من الجيل الثالث والرابع للنكبة الذي يحاول، منذ أكثر من ثلاثة أعوام، تصور ملامح العودة على أرض الواقع عبر تصميم أشكال هندسية للقرى المهجرة، تتضمن دراسات ديموغرافية للسكان وعددهم بعد عودتهم وتنظيم زيارات لأهل القرى وإقامة حفلات موسيقية تعيد الحياة إلى الجذور المتروكة للذاكرة، وذلك بالتعاون مع معماريين ومهندسين وفنانين تخطوا حدود الرومانسيات وخرجوا إلى الواقع. الحديث هنا عن مشروع «تصوّر العودة» للقرى المهجرة في أراضي 48: «دنا» الذي أنتجته جمعية «بلدنا» ونظمته تسع مجموعات شبابية من تسع قرى مهجرة هي اللجون، وميعار، والغابسية، وصفورية، واقرث، ومجدل- عسقلان، ومعلول، والمجيدل والبروة. تحاول هذه المجموعة من خلال هذا المشروع تخيل ملامح العودة من ذاكرة قرى مهجورة وملامح أصلية طمسها الاحتلال إيمانا منهم أن «تصور العودة يقربنا من واقع العودة إليها.»
انتقلت هذه المجموعات عبر مشروعها هذا من مرحلة «التنقيب في الذاكرة الوجدانية إلى زمن العمل المحسوس والملموس» متحدية الواقع وعقباته، ومصممة على البحث في ماهية العودة ومفهومها والتخطيط لها وتخيل الصورة التي ستكون عليها القرى بعد العودة، آخذين بعين الإعتبار أسئلة تتضمن كيفية التعامل مع الازدياد الديموغرافي للمهجرين عند عودتهم وتحدي الجمع بين تراث البلد المهجر واحتياجات الإنسان العصرية. لكن الأمر لم يكن سهلا، كما تقول منسقة المشروع جمانة أشقر في حديثها مع «القدس العربي»: «كانت هناك صعوبات كبيرة عند جيل الشباب أن ينتقل من رومانسيات حلم العودة إلى التفكير في أسئلة حقيقية مثل: كيف بدنا نرجع؟ ووين؟ خاصة في القرى التي بنى المستوطنون فيها مستوطنات». لكن، رغم التحديات، فقد قطع المشروع أشواطا كبيرة في تصور العودة عبر إنجازه تصاميم هيكلية لأربع قرى مهجرة هي الغابسية، واللجون، وعسقلان، والبروة. حتى أن المشروع توسع ليشمل، في مراحله المقبلة، تحقيق نوع من التواصل مع كل المناطق الفلسطينية، بما في ذلك الضفة الغربية، في محاولة للتواصل مع المهجرين في غزة والشتات. كما يقيم هذا المشروع منذ انطلاقه عام 2013 ورشات عمل مع مجموعات شبابية من مهجري الداخل وفصولا تعليمية حول النكبة الفلسطينية والحياة في فلسطين قبل التهجير، إضافة إلى محاضرات وندوات عن تاريخ فلسطين، والنكبة، والهوية التاريخية، وتنظيم زيارات المهجرين إلى قراهم القديمة لتوثيق شهاداتهم وإعادة الحياة إلى قراهم.
وتوضح أن فكرة المشروع أتت من الحاجة إلى خلق مساحة فلسطينية جديده تحاكي العودة «بخطوة إلى الأمـــام عبر الانتقال من الطابع النظري إلى العملي والحديث عن حق العودة ليس فقط كشعار وانما كتطبيق». وتضيف أن الهدف من المشروع خلق نوعا من التوعية حول قضية التهجير والترحيل وقضايا الأرض والمسكن، «إضافة إلى تعزيز الرواية التاريخية الفلسطينية عند جيل شباب الداخل المعرّض لمحاولات تشويه هوية وأسرلة يوميا ضمن إطارات الدراسة والبرامج الممولة من الحكومة الإسرائيلية».
الإنجازات

وتضمن المشروع في مراحل تطوره عرض خرائط قديمة وحديثة لمنطقة بلاد الروحة ولقرية اللجون للمهندس المعماري شادي حبيب الله، منفذ مشروع «بسواعدنا». وعرض المخطط الهندسي مساحة القرية، وموقعها، والمباني وتنظيم العمارة فيها والتطور الديموغرافي لسكانها حتى عام 1948. وقام شادي خلال عمله، «بربط جميع قرى الروحة المهجرة وشملها بالمشروع، داخل مسطح سكني واحد، وذلك على فرض الانتشار السكاني في المنطقة فيما لو ما زالت القرى قائمة حتى اليوم، ودمجها إلى (7) قرى بدلا من (34) بالإضافة إلى اللجون، التي تم التركيز عليها، كونها تحمل اسم المشروع.»
وعن المشروع يقول حبيب الله «رُبما من غير السهل علينا كفلسطينيين، تخيُل وجه العودة إلى قرانا المهجرة، لكن محاولة تصور ملامحها، والتعبير عن ذلك، هو جُزء من حقيقة تؤكد أننا عائدون إليها – عاجلا أم أجلا.»
ومن الإنجازات التي حققتها المجموعات الشبابية الموزعة حسب القرى، مجسم لقرية البروة الذي قام بتصميمه المعماري أنس اشقر بالاستناد إلى خريطة القرية بحيث تم الحفاظ على هيئة القرية وإضافة لمسة عصرية تواكب الجيل الثالث للنكبة. كما أنتجت مجموعة قرية اللجون بإشراف عمر سمير محاميد، فيلما وثائقيا عن القرية مدته 20 دقيقة يوثق زيارات مهجري
اللجون للقرية ومسيرات وشهادات مهجري القرية وما حصل أبان النكبة. كما قامت نرمين موعد، مشرفة مجموعة صفورية، بعرض مشروع مجموعتها والذي يتضمن توثيقا لروايات شفوية ومقابلات مع أناس من قرية صفورية المهجرة من مختلف الأجيال، بالإضافة إلى إنتاج أغنية «صفورية» من غناء وتلحين الفنان علاء عزام. أما مجموعة الغابسية فقد عرضت فيلما تصويريا ثلاثي الأبعاد قام بتصميمه المهندسان المعماريان أمير خطيب وأوليفر شلبي يستند على الخريطة الهيكلية للقرية وتمت إحاطة البيوت المهدومة على محيط المسجد بمبنى من زجاج لتخليد ذكرى تهجير القرية وروايتها وعدم محو تفاصيل ماضيها، وفي المقابل قاموا بإضافة لمسة عصرية تشمل المباني الثقافية والبيوت الجديدة، والمدارس والمنتزهات.
وتقول الناشطة سمر عزايزة، منسقة المشاريع في المؤسسة العربية لحقوق الإنسان في تصريحات صحافية سابقة: «نحن كمؤسسة لحقوق الإنسان نرى أن مشروع تصور العودة هو ممارسة لحق العودة، كما أنه وسيلة للتعبير عن إرادة الشعب الفلسطيني للرجوع إلى قراه المهجرة، بالإضافة إلى أنه عبارة عن نافذة أمل لكل لاجئ في كل أماكن تواجده. لهذا نرى أهمية كبيرة لصب طاقات شبابنا بمشروع العودة. وإعطاء الشباب الأدوات والوسائل لقيادة زمام الأمور وترسيخ مفهوم الأرض والهوية لتطبيقها لمشاريع واقعية.»

التخطيط للمرحلة المقبلة

المشروع اليوم هو في مرحلة التخطيط للمرحلة المقبلة. وتقول أشقر لـ «القدس العربي» أن اهم التفاصيل في هذا المشروع هو «عملنا في المرحلة المقبلة وتواصلنا مع كل المنطاق الفلسطينية – الضفة على وجه الخصوص – وستكون محاولات للتواصل مع المهجرين في غزة والشتات وتحديدا لمعايير الانجازات الأخيرة لكل مجموعة وقرية بحيث تجيب على حاجات وأسئلة المشروع». وتضيف: «اليوم أكثر الـ90٪ من القرى والمدن المهجرة متروكة لهذا الجزء من المشروع والذي يتضمن إعادة احيائها وزيارتها وتنظيم جولات للتعرف عليها وتعزيز التواصل مع الذاكرة الفلسطينية».
يذكر أن مشروع تصور العودة نُفذ بشراكة كل من جمعية الشباب العربـ بلدنا، والمؤسسة العربية لحقوق الإنسان، وجمعية الدفاع عن حقوق المهجرين و»ذاكراتـ زوخروت» وبتمويل من صندوق «هيكس إيبير».

نافذة أمل فلسطينية: خريطة هيكلية ورؤية معمارية وديموغرافية لذاكرة وطن ومستقبله

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية