لن يكون الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد آخر أوراق المحافظين المتشددين في المواجهة المكشوفة بينهم وبين الرئيس المعتدل حسن روحاني، وهم يخسرون يومياً أمامه وأمام حلفائه الإصلاحيين، المزيد من أوراق المنافسة في الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في صيف 2017.
لكن ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية يحاول البعض إثارة إسم الرئيس السابق، في محاولة لخلط الأوراق، وإيجاد صعوبات أمام عمل حكومة الرئيس روحاني، لإيجاد هوة بينها وبين الناخب من خلال تذكيره بوعود روحاني التي لم تتحقق بعد، وهي وعود، يخطط روحاني لتنفيذها في دورة رئاسته الثانية مستثمراً أجواء انتصارته السياسية خارجياُ التي حققها في رئاسته الحالية.
ويمكن القول إن إيران دخلت بالفعل في أجواء انتخابية مبكرة مع كثرة التكهنات في الأوساط السياسية حول هوية المرشحين المفترضين لمنافسة حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ويسعى روحاني إلى استثمار تنفيذ الاتفاق النووي لتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتحقيق المزيد من الإنفراج السياسي، وهو يسابق الزمن للحفاظ على حظوظه في تولي فترة رئاسية ثانية، قبل بداية معركة الانتخابات الرئاسة 2017.
ويدرك الرئيس وفريقه خصوصاً الداعم الأكبر له وهو رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام أكبر هاشمي رفسنجاني، أن خسارة ثقة الشارع الإيراني بإدارته في السنة الأخيرة من مهمتها، سيمنح خصومه ومنافسيه فرصة المناورة لازاحته عبر منعه (طوعاً أو كرهاً) من الترشيح، أو بالحاق هزيمة تاريخية به في الانتخابات.
وقيل في هذا السياق أن بعض النافذين في المؤسسة الدينية والعسكرية في إيران بعثوا برسالة إلى روحاني كي لا يترشح للانتخابات المقبلة، إلا أنه لن يأبه لمثل هذه الرسائل إذا ضمن تأييد خامنئي بانتظار نتائج تطبيق النووي كما كان الاتفاق بينهما.
حتى هذه اللحظة لا يملك المحافظون المتشددون منافساً قويا يمكنه الصمود أمام روحاني، إلا أن فريقاً منهم يبني آماله على رمال متحركة في توسيع دائرة التحاف مع إصوليين معتدلين، مثل رئيس البرلمان الحالي علي لاريجاني باستنساخ تجربة التحالف الذي نجح في الانتخابات التشريعية الأخيرة بين الاصوليين والإصلاحيين وتيار روحاني.
ويراهن آخرون على قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني، ونجاحاته الكبيرة في سوريا والعراق ـ كما يقولون- وصعود إسمه كثيراً داخل إيران، خصوصاً انه يحظى بدعم قوي جداً من الولي الفقيه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله سيد علي خامنئي الذي دخل مؤخراً في سجال غير مباشر مع الرئيس روحاني وفريقه، حول تعثر تطبيق الاتفاق النووي!.
لكن هناك من يرفع ورقة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد كأبرز المرشحين من المعسكر الأصولي المتشدد لجمع خصوم روحاني حول شخص واحد حتى وإن كانوا انقلبوا عليه في سنوات رئاسته الأخيرة، مستثمرين ما يتردد حول نهاية التحالف الإصلاحي والاصوليين المعتدلين وتيار روحاني، وعزم الإصلاحيين كما يبدو على تسمية مرشحهم لانتخابات الرئاسة المقبلة.
وإذ لم يعلن أحمدي نجاد شخصياً عزمه الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، إلا أن مقربين منه أعلنوا أكثر من مرة أنه سيترشح وسينافس روحاني بالرغم من وجود عقبات كثيرة تحول دون ذلك منها سجله المفتوح أمام المحاكم، وإدانة العديد من مساعديه بجرائم فساد وتم إيداع بعضهم السجن، إضافة إلى أن المرشد خامنئي لم يعد راغبا به كما كان في فترة رئاسته الأولى وبداية رئاسته الثانية في مواجهة احتجاجات الإصلاحيين.
وبالرغم من أن الكثير من أعضاء مجلس صيانة الدستور المعنية بدراسة أهلية المرشحين للانتخابات، لا يزالون ممن يدعمون أحمدي نجاد، ولو نكاية بروحاني، فان هناك من يعتقد أن يرفض مجلس الصيانة ترشيح نجاد للانتخابات الرئاسية المقبلة بسبب ملفات فساد طالت شخصه وحكومته ولم يتم بعد الانتهاء منها. غير أن أحمدي نجاد سيطرح خيارا آخرَ في حال رفض ترشيحه كما فعل هاشمي رفسنجاني عندما طرح روحاني، إذ من المتوقع أن يقوم بدعم مرشح للانتخابات إذ صدر قرار رفض ترشحه.
وخلال السنوات الثلاث الماضية تعمد نجاد الغياب عن الأنظار إلا في مناسبات يغلب عليها الطابع الشخصي، لكنه ظهر بضع مرات في الأسابيع القليلة الماضية، والقى في إحداها كلمة الأسبوع في مدينة جيروفت لتكريم «شهداء» الحرب مع العراق، أثارت التكهنات مجدداً عن عودته السياسية.
وبعد كلمته في جيروفت، عاد المحافظون المتشددون للحديث بأن أحمدي نجاد هو الوحيد الذي يستطيع الوقوف في وجه الإصلاحيين ومرشحيهم، فيما لو تخلى الإصلاحيون بالفعل عن دعم روحاني، وقدموا مرشحهم بعيدا عن تيار الرئيس ورفسنجاني. وبدا بعض المحافظين بالقيام بخطوات تمهيدية لضمان عدم إعتراض المرشد خامنئي على أحمدي نجاد حتى يتمكن من الترشح للانتخابات. كما تحرك آخرون على الحرس الثوري القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر في إيران، لمنحه دفعة مهمة.
وتمتع أحمدي نجاد بدعم خامنئي لفترة طويلة لكنه اختلف معه أكثر من مرة في السنوات الأخيرة من حكمه. ففي عام 2011 قاطع اجتماعات الحكومة لعشرة أيام بعد أن أعاد خامنئي وزير المخابرات حيدر مصلحي الذي أقاله الرئيس السابق.
ويرى أقطاب بارزون في المؤسسة الدينية التقليدية أن ما يساعد أحمدي نجاد على منافسة روحاني هو أن الأخير لم يحقق الوعود التي قطعها على نفسه ولعل أبرزها حل أزمة السكن، إلى جانب ما يروج له المحافظون عن «فشل الاتفاق النووي» وتعثر رفع العقوبات عن إيران.
وفي البين..كانت دعوة عضو اللجنة المركزية لجامعة علماء الدين المناضلين في قم آية الله جعفر شجوني، إلى جلد أحمدي نجاد ووضعه قيد الإقامة الجبرية، مؤشراً على إحتمال رفض ترشحه من قبل خامنئي أو مجلس صيانة الدستور، من واقع قرب شجوني من المرشد ومن رئيس مجلس الصيانة آية الله أحمدي نجاد.
دعوة شجوني جاءت في سياق مقابلة قال فيها أيضا إن الولاية الثانية للرئيس أحمدي نجاد شهدت العديد من الخلافات مع خامنئي، الأمر الذي يستدعي محاكمته وجلده ووضعه تحت الإقامة الجبرية، مبينا أن قضايا الفساد والاختلال التي شهدتها الولاية الثانية لنجاد، بالإضافة إلى تعيين شخصيات عن طريق الواسطة والمحسوبية، كفيلة بوصف تلك الولاية بالمنحرفة من الناحية الفكرية وبعيدة عن الخط الثوري. لكنه ترك الباب مواربا بقوله إنه في حال تم تأييد أهلية أحمدي نجاد للترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة العام 2017 من قبل مجلس صيانة الدستور، فإن العديد من شخصيات التيار الأصولي المحافظ لن يؤيد أحمدي نجاد، بسبب أخطائه في ولايته الثانية.
ولكن من يجرؤ على فتح ملفات أحمدي نجاد؟
فقد أشار النائب العضو في لجنة المادة 90 في البرلمان، إلى الأسباب التي تمنع ملاحقة الرئيس أحمدي نجاد قضائيا، قائلا إن الملفات التي استحوذ عليها خلال توليه رئاسة وزارة الاستخبارات، تحول دون ملاحقة تجاوزات الحكومة في فترة توليه الرئاسة «وعلى هذا الأساس، فإن الكثيرين لديهم نقاط ضعف، يمكن لأحمدي نجاد الضغط عليهم بواسطة تلك الملفات، ولهذا السبب لا يجرؤ أحد على مواجهته».
وقال فاضل الموسوي لموقع «خبر أونلاين» التابع لرئيس البرلمان علي لاريجاني: إن لجنة المادة 90 في مجلس الشورى الإسلامي في دورته البرلمانية الثامنة قد شكلت العديد من الملفات القضائية ضد أحمدي نجاد والمقربين منه، إلا أن الأجواء السياسية الداعمة لحكومته آنذك، كانت السبب في عدم متابعة تلك الملفات قضائيا، وأن الدعم الذي كان يتلقاه أحمدي نجاد من أنصاره في المجلس والنظام، حال دون متابعة ملفه القضائي، وأن القضاء يتجاهل تلك الملفات المرسلة إليه، بسبب تورط بعض الشخصيات البارزة فيها.
وأشار موسوي أيضا إلى أن الكثيرين كانوا يعارضون متابعة التهم المتعلقة بأحمدي نجاد قضائيا، ويرون أنه ليس من مصلحة النظام البت فيها موضحا أن أحمدي نجاد خرج من صلب التيار الأصولي، ولهذا السبب فان الأصوليين يعارضون مقاضاته.
وذكر موسوي أيضا إن اللجنة رصدت الكثير من تجاوزات الحكومة السابقة أدرجتها في 11 مجالا من بينها السياسي والاقتصادي، وفي كل مجال أحصينا ما يقارب سبعة أو ثمانية تجاوزات، إلا أن حصة الأكبر كانت في المجال الاقتصادي.
وحول عزل أحمدي نجاد لوزير خارجيته السابق متكي قال: من أصل 11 ملفا عن تجاوزات حكومة أحمدي نجاد، طالبت اللجنة بالتركيز على ثلاثة ملفات من بينها عزل وزير الخارجية الأسبق منوتشهر متكي، والإختلاس من بيت المال، والإضراب عن العمل الذي استمر 11 يوما، وتم ارسالها للسلطة القضائية بعد إقرارها.
وأشار موسوي أيضا إلى عدم حضور أحمدي نجاد في المحكمة رغم الإستدعاء الذي أرسلته له السلطة القضائية، وقال: بالطبع سمعت من عدد من أعضاء اللجنة أن السلطة القضائية استدعت أحمدي نجاد للمحاكمة إلا ان الأخير لم يستجب.
أما الإصلاحيون فانهم يأخذون على روحاني أنه «عجز» حتى الآن في إنهاء ملف السجناء السياسيين، خصوصاً رفع الإقامة الجبرية عن المرشحين المعترضين في الانتخابات قبل الأخيرة العام 2009 مير حسين موسوي وزوجته زهراء رهنورد، ومهدي كروبي. كما أنهم يلومونه لأنه في رأيهم لم يدعمهم في الانتخابات الداخلية لاختيار رئيس البرلمان ونوابه في هيئة الرئاسة، ما أدى إلى إعادة انتخاب لاريجاني رئيساً.
ويحاول روحاني شرح وجهة نظره لحلفائه الإصلاحيين، وأنه لن يتدخل في عمل السلطة التشريعية، ويسعى فقط لأن لا يقطع حبل الود بينه وبين خامنئي ليسمح له بالترشح لفترة رئاسية ثانية العام المقبل في ضوء عدم وجود بديل واضح لخامنئي في الوقت الحالي.
وتبقى كل الاحتمالات مفتوحة إلا عبور الإصلاحيين لروحاني يظل يواجه صعوبات ما دام موسوي وكروبي رهن الإقامة الجبرية، ولكل مقام مقال!.
نجاح محمد علي