واشنطن ـ «القدس العربي»: بعد عملية القتل الجماعي التي وقعت في ناد ليلي للمثليين الجنسيين في أورلاندو وانتشار اسم القاتل عمر متين، اتصلت إمرأة محجبة بمراسل «القدس العربي» في واشنطن قائلة: «هل سيقتلون كل مسلمة محجبة في أمريكا؟». هذا الخوف من عمليات انتقام يقوم بها بعض الأمريكيين هي هاجس المسلمين في الولايات المتحدة. خاصة ان المرشح الرئاسي الجمهوري المفترض دونالد ترامب بدأ يكرر: «ألم أكن على حق عندما قلت بعد هجوم المسلمين في سان برناندينو في كاليفورنيا انه يجب منع المسلمين من دخول أمريكا. انظروا إلى المسلمين كيف ضربوا مرة أخرى في أمريكا؟ على الرئيس اوباما ان يستقيل». هذه التصريحات النارية دفعت المدير التنفيذي لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية نهاد عوض للحديث مع الصحافة الأمريكية وشجب هذا العمل بشدة واصفا إياه «بجريمة كراهية تنتهك مبادئنا كأمريكيين مسلمين» وأضاف: «أريد أن أقول كلمة لداعش وداعميه.. كيف ستقفون أمام الله وتفسرون جرائمكم ضد الآلاف من المسلمين الأبرياء والمسيحيين والأقليات الأخرى؟ أنتم لا تتكلمون باسمنا. أنتم لا تمثلوننا. أنتم منحرفون وخارجون عن القانون، أو كما نسميهم في الإسلام خوارج. وهم لا يتكلمون باسم إيماننا، ولم ينتموا لهذا الإيمان الجميل قط، هم يدعون ذلك، لكن 1.7 مليار شخص يرفض تطرفهم وتفسيرهم وتصرفاتهم العنيفة غير المنطقية». وأضاف عوض: «أما بالنسبة للسياسيين الذين قد يحاولون استغلال هذه المأساة، نطلب منهم أن يحترموا الضحايا وعائلاتهم، فهذا ليس الوقت الصحيح لتعداد المواقف السيئة لبعضنا، وهذا ليس الوقت المناسب لاستغلال الخوف، هذا هو وقت الاتحاد والإيمان».
وتلقت الجالية المسلمة في الولايات المتحدة الأمريكية ضربة موجعة من جديد بعد حادثة أورلاندو مؤكدة خشيتها من مظاهر الكراهية. ويتوقع مركز إيرفنغ الإسلامي القريب من مدينة دالاس، قدوم أفراد مسلحين من جديد للتظاهر بأسلحتهم أمام المسجد .وبعد ساعات من الهجوم، حذر إمام مركز ايرفنغ الجالية المسلمة من تقديم تصريحات إلى الصحافيين، لأنهم «سيخرجون كل ما ندلي به عن سياقه، وسيشوهون كل تصريحاتنا».
وذكر الشيخ إمام زيا أنه بعد «اعتداءات سان بيرناردينو جنوب كاليفورنيا، قدم رجال مسلحون للتظاهر أمام المسجد، وتكرر الأمر ذاته بعد اعتداءات باريس، ولا أستغرب إذا ما رأيت ذلك في الأيام المقبلة».
وقال في هذا الصدد: إن «مسجد إيرفنغ يضم أفرادا من أصول مختلفة باكستانية وهندية وآسيوية، هناك تعددية على الطريقة الأمريكية، لكن كلهم يدركون العواقب الوخيمة التي ستجرها علينا هذه الهجمة الإرهابية، وتتداول صورها البشعة وسائل الإعلام الوطنية».
وأضاف: «لقد طلبت من أفراد الجالية المسلمة عدم الخروج إلى الشوارع خلال الأيام الآتية، والتواري عن الأنظار إلى حين اجتياز هذه العاصفة، فمن المؤكد أن المرشح الجمهوري دونالد ترامب سيستغل هذه الأحداث من أجل وصم المسلمين».
كما أكد أن الجالية المسلمة الأمريكية سيطلب منها الخروج وتقديم اعتذارات عن هجوم أورلاندو الإرهابي. وتابع: «لكن لا يمكننا سوى تقديم أحر تعازينا إليهم، لماذا ينبغي علينا تقديم اعتذارات عن ما ارتكبه شخص واحد بمفرده وليس جالية بأكملها؟».
وشوهدت سيارة شرطة تحرس مسجد دار الهجرة في وسط شمال فرجينيا قرب العاصمة واشنطن حيث يعيش عشرات الآلاف من المسلمين. خاصة ان الكثير من المسلمين يرتادون المساجد في ليالي رمضان لتناول العشاء واقامة صلاة التراويح التي تطول حتى الحادية عشرة ليلا. وسألت «القدس العربي» بعض المصلين في ذلك المسجد عما حدث في أورلاندو ووقعها على حياتهم فقالت احدى المحجبات التي تعيش بالقرب من المسجد، أنها لم تتأثر كثيرا ولكن عندما تنتقل إلى مناطق أخرى يرمقها البعض بنظرات ريبة واحتقار، والبعض الآخر يرميها بالكلمات النابية الأمريكية. ولكنها تعتقد ان هذه موجه وتمر. وتقول محجبة عربية أخرى: «لقد ازدادت نظرة الكراهية ضد المسلمين والمسلمات، وأصبح هناك تطرف ضد الإسلام كما أن هناك تطرفا إسلاميا. وزيادة الحوادث من قبل المسلمين تدفعني لمغادرة أمريكا لأنها لم تعد بلدا آمنا للمسلمين .ولكن على أمريكا ان تعالج مصدر الإرهاب وأسبابه ليس بالحروب وعلى مبدأ الكلب الذي عضني سأعضه». بينما يقول مسلم عربي مقيم في أمريكا منذ سنوات :»لم يتعرض لي أحد. لكن أعتقد ان المسلمين أصبحوا خطرا على أمريكا وقد يجري طردهم إذا انتخب رئيس متطرف ضدهم». ويقول أحد المصلين انه لا يهتم بما يجري ولا يخاف من ان يؤذيه أمريكي بسبب ما حدث. بل قال أحدهم اننا نشرنا الرعب بين الأمريكيين من كل الفئات ولسنا بمرعوبين.
والجدير بالذكر ان الحكومة الأمريكية الفدرالية تولي المثليين من الرجال والنساء والمتحولين من جنس إلى آخر أهمية خاصة ويختصرونهم بـ»LGBT» وترجمتها الحرفية «المثليون والمثليات وذوي التفضيل الجنسي المزدوج والمتحولين جنسياً.» ولهم حقوقهم المدنية والقانونية حتى ان المحكمة العليا الأمريكية قررت السماح بزواج المثليين من الرجال والنساء رغم ان بعض الولايات الأمريكية حاولت ان تقاوم هذا القرار لكنها انصاعت له. كما ان الرئيس اوباما لديه مبعوث خاص لحقوق المثليين واسمه راندي بيري ولقد بعثه مؤخرا لتركيا ليتابع حقوق المثليين هناك ويدافع عنهم.
وعبرت الجالية المسلمة الأمريكية عن مؤازرتها وتضامنها مع باقي المواطنين الأمريكيين، بعد أفظع هجوم شهدته مدينة أورلاندو في تاريخها. وجاء هذا الدعم على شكل تبرعات مالية وبالدم، وتصريحات علنية مدينة جملة وتفصيلا لذلك العنف الذي أودى بحياة 50 مواطنا أمريكيا، وخلف عشرات الجرحى وراءه. وفي الوقت نفسه، أثار هذا الهجوم نقاشا واسعا لدى أفراد الجالية بخصوص وجوب إدانة القادة المسلمين لكل الأفكار الداعية إلى قتل الأفراد بغض النظر عن دينهم أو تفضيلهم الجنسي.
وكانت المنظمات الإسلامية والناشطون الحقوقيون قد شجبوا هذا العمل الشنيع واصفين إياه «جريمة كراهية».
وقالت رشا مبارك، منسقة مكتب مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية في مدينة أورلاندو،»إننا ندين هذا العمل الفظيع ونقدم أحر تعازينا إلى أسر الضحايا القتلى أو المصابين منهم. وتضم الجالية المسلمة صوتها إلى باقي المواطنين الأمريكيين لإدانة كل شخص أو مجموعة تدعي تبريرا لأعمال عنف مروعة بهذا الشكل».
ودعا حسن السيبلي، المدير التنفيذي لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية في مدينة فلوريدا، في شريط فيديو إلى الوحدة. مؤكدا على عدم السماح لبعض السياسيين باستغلال الحادثة «لزرع الخوف ونشر الكراهية» بين المواطنين الأمريكيين.
وقال: «الولايات الأمريكية المتحدة من أفضل الأماكن التي يمكن أن يكون فيها المرء مسلما أو غير ذلك، إذ يتمتع الفرد بحرية كاملة لممارسة شعائره الدينية في كل زمان ومكان».
وأضاف: «كل من تسول له نفسه الاعتداء على هذه الحرية التي من الله بها عباده في هذه البلاد وارتكب مثل هذه الحوادث المروعة، فسيكون له حسابا عسيرا مع الخالق».
فيما شجع قادة آخرون الأفراد المسلمين على التبرع بالدم بعد الإفطار لمساعدة الجرحى.
ونشر أفراد الجالية المسلمة صورا عديدة لهم على مواقع التواصل الاجتماعي وهم يتواجدون في مراكز التبرع بالدم.
بينما اختارت فئات أخرى التبرع بمبالغ مالية لصالح أسر الضحايا، وأوضح المنظمون لحملة جمع التبرعات أن «هذا الملهى الليلي الذي شهد هجوما مروعا له مكانة هامة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، ونسعى من خلال هذه الحملة للرد على هذا العمل الجبان بأعمال حسنة حتى نبعث برسالة قوية تعبر عن مدى تضامننا وشعورنا بالأسى كباقي الأسر الأمريكية».
ولكن من ناحية أخرى يشن الأصوليون المسيحيون مثل القس بيلي غراهام الإبن حملات ضد المثليين الجنسيين ويعتبرهم يرتكبون خطيئة ضد المسيح وان عليهم الإستغفار. وان أمريكا بنيت على المسيحية والإنجيل وان المثليين جنسيا يريدون ان يأخذوا الحرية من المسيحيين. ومع ان غراهام معروف بعدائه للإسلام، لكن بعض المسلمين يتحدثون مثل كلامه ضد المثليين.أي ان هناك انقساما في أمريكا حول الموقف من المثلية.
ويقول مدير مركز محاربة الكراهية والتطرف في ولاية كاليفورنيا، بريان ليفين، أن ظاهرة الإسلاموفوبيا في مدينة سان بيرناردينو زادت بحدة منذ الاعتداء الإرهابي في المدينة أواخر عام 2015 . وأكد تليقه العديد من الرسائل والخطابات التي تستهزئ بالأعمال الانتقامية من المسلمين، والتي تضم أحيانا لهجة تهديد ووعيد، وذلك بعد وقوع اعتداء سان بيرناردينو .ويعد بريان ليفين من أهم الشخصيات اليهودية المدافعة عن حقوق الأقلية المسلمة، وينشر مركزه كل سنة دراسة معمقة عن تطور ظاهرة الكراهية ضد الأقليات. كما يعتبر من الأوجه البارزة على مستوى الساحة الإعلامية، إذ يضاعف من ظهوره الإعلامي للتوعية بمخاطر ظاهرة الإسلاموفوبيا وقدرتها على تقويض مبدأ العيش المشترك الذي تنعم به البلاد. وأكد أن الدراسات التي قادها بعد أحداث سان بيرناردينو وباريس أظهرت ارتفاع حالات الجرائم المعادية للإسلام بحوالي ثلاث مرات في الولايات المتحدة الأمريكية.
وأوضح أن اعتداء سان بيرناردينو شكل حدثا هاما في إطار الحملات الانتخابية للرئاسة الأمريكية، حيث استغل المرشح الجمهوري دونالد ترامب هذه الفرصة لكي يعلن عن رغبته في منع المسلمين من الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لافتا إلى أن الأخطر من وجهة نظره هو تقبل أغلبية الناخبين الجمهوريين لهذه الفكرة.
وقال في هذا الصدد إن «الجرائم المعادية للإسلام أصبحت مثيرة للخوف والقلق، ولكن ما يدعو للخوف أكثر هو أن الأفكار المعادية للمسلمين أصبحت مقبولة لدى شريحة هامة من المواطنين».
تمام البرازي