واشنطن ـ «القدس العربي»: ذكرت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون في أكثر من مناسبة انتخابية ان تنظيم «الدولة» يستخدم تعليقات غريمها المرشح الجمهوري دونالد ترامب كأدة لتجنيد المزيد من العناصر الجهادية الأكثر راديكالية. إذ قالت ان قيادة الجماعة المتطرفة كانت حريصة للغاية على إبراز أشرطة فيديو أمام الناس لترامب وهو يتعرض للإسلام والمسلمين بإهانات.
هذا التصريح أثار حفيظة العديد الناس في بداية الأمر إلى درجة ان كلينتون نفسها بدأت تتراجع عن التصريح قائلة ان هناك التباسا في مضمون حديثها. ولكنها، في الواقع، لم تكن بعيدة عن الصواب حيث ظهر ترامب بالفعل في شريط فيديو بثته حركة الشباب الصومالية الموالية للجماعة، ولا حصافة بالتأكيد في استنتاج ماهية تعليق ترامب في مقطع الفيديو، فقد كان يدعو كعادته إلى حظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة. وركزت دعاية تنظيم الدولة في ذلك الشريط، أيضا، على انور العالقي الذى قتلته الولايات المتحدة في هجوم بطائرة بدون طيار رغم انه أمريكي الجنسية من مواليد ولاية نيو مكسيكو.
وقالت كلينتون ان ترامب لديه القدرة على استخدام التهديد والوعيد والغضب لتأجيج الناس، ولكن طريقته خاطئة في حل المشاكل، مشيرة إلى ان هناك حاجة لاتحاد جميع أطياف المجتمع الأمريكي في مواجهة التهديدات الإرهابية وضرورة لعدم تسلل مشاعر من الاستبعاد أو التهميش لدى الجالية الإسلامية في الولايات المتحدة.
تعليقات ترامب العنصرية هي هدية لا تقدر بثمن مقدمة من اليمين المتطرف إلى الجماعات الجهادية والمنظمات الإرهابية، حيث تم استخدامها بكثرة على وسائل التواصل الاجتماعي لتشويه صورة الولايات المتحدة وجذب المزيد من المقاتلين للقتال في سوريا والعراق أو للقيام بشن هجمات دموية في أوطانهم مثل المجزرة التي ارتكبها عمر صدقي متين في فلوريدا. ووفقا لما قاله ديفيد فيلبيس، مدير برنامج بناء السلام والحقوق في جامعة كولومبيا، فإن تصريحات ترامب أثارت، أيضا، نقاشا غير صحي في كثير من الدول التي تضم جاليات مسلمة كبيرة، كما أشعلت الحديث حول تحول «الشر الأمريكي» ضد المسلمين مما اكسب المزيد من الموالين لتنظيم الدولة.
قادة الجيش الأمريكي ورؤساء وكالات الاستخبارات يدركون أكثر من غيرهم أضرار هرطقة ترامب، فتعليقاته تساعد تنظيم «الدولة» وتلحق الكثير من الأذى ضد الولايات المتحدة، كما قال الجنرال ديفيد بيتراويس في افتتاحية لصحيفة «واشنطن بوست» مشيرا إلى انه يشعر بقلق بالغ بسبب قدرة تنظيم «الدولة» على اللعب بالخطاب السياسي المناهض للمسلمين.
وقال بيتراويس في لغة مشتركة مع عسكر وزارة الدفاع، ان مفاهيم الخطاب السياسي الشائع الذي يؤجج المشاعر ضد الإسلام والمسلمين بما في ذلك الاقتراحات التي تطالب بتمييز الناس على أساس دينهم، غالبا ما تجلب نتائج عكسية تماما، وبدلا من جعل الولايات المتحدة أكثر أمنا فإنها تفاقم الخطر الإرهابي. أما الأفكار السامة فهي خطرة جدا في الجسم السياسي لصعوبة شطبها ولأنها غير قابلة للتحلل بسهولة.
أما أولئك الذين يغازلون خطاب الكراهية ضد المسلمين فهم ـ على حد تعبير المتحدث ـ مجرد لعبة في أيدي تنظيم «الدولة» و«القاعدة» وهم، أيضا، يزرعون الأمل لدى الجماعات الإرهابية في محاولة إثارة الصدام بين الحضارات عبر الترويج للعالم الإسلامي بأن الولايات المتحدة في حالة حرب ضدهم. وقال مدير المخابرات السابق ليون بانيتا في تصريح أدلى به قبل أيام قليلة، ان خطاب ترامب يساعد أعداء أمريكا مشيرا إلى انه لم يشهد خلال 50 سنة في الحياة العامة مرشحا يصنع الاتهامات ويرفع التلميحات مثل ترامب. وأضاف انه اتهم أوباما بالخيانة والتعاون مع العدو أما اقتراحاته بتقييد المسلمين ومراقبتهم فهي خاطئة جدا لاننا نحاول العمل مع المجتمع المسلم ضد الهجمات في المستقبل.
ووفقا لحسابات الأرواح والأموال على الطريقة الأمريكية، فان خطاب الكراهية سيؤدي حتما إلى مزيد من المخاطر على القوات الأمريكية في أرض المعركة لان تشويه الإسلام لا يمر بلا عقاب، وغالبا ما يتحمل الجنود ثمن هرطقة غيرهم.
وتتفق إدارة أوباما تماما مع العسكريين ورجال الاستخبارات بهذا الشأن، حيث حذر البيت الأبيض مرارا من الوقوع ضحية في لعبة «داعش» من خلال مهاجمة الإسلام أو عبر المغالاة في خطر التنظيم لدرجة القول بان التنظيم يمثل تهديدا وجوديا للولايات المتحدة لانه، في الواقع، لا يمثل تهديدا بهذا الحجم رغم كونه حالة فريدة على الساحة العالمية. ولا مفاجأة في موقف أوباما حيث ينتاب البيت الأبيض مهما اختلفت الإدارات المتعاقبة، هاجس الحرص على عدم استعداء الجالية الإسلامية بمن في ذلك الرئيس السابق جورج بوش الذي قال عقب هجمات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر موجها حديثه إلى المسلمين الأمريكيين: «نحن في هذا الأمر معا كشركاء لا خصوم».