(أمنيات): اليوم، في ساحة المدينة، أقيم قصاص جديد. فصلوا رأس شاب بتهمة ما. أمه التي كانت حاضرة اندفعت من بين الحشد. حملت الرأس ووضعته على الجسد الذي مازال مستنداً على الدكة بصورة مائلة. الرأس يسقط. الأم تعيد وضعه ثانية ليسقط مرة أخرى كما في كل المرات التالية. تتابع الأم آخر المغادرين بعينين مندهشتين. تحمل الرأس وتهرب به. تدق أبواب البيوت والحوانيت والبنايات المحيطة بالساحة. لا أحد يفتح لها باباً. إنهم يتمنون لو أنها لا تكف عن المحاولة؛ لو أنها لا تفقد إيمانها. علّها تنجح في إحدى المرات.
(عائلة)
ما إن يحل المساء حتى تقوم زوجتي بإقفال أبواب البيت المطلة على الباحة: باب المطبخ، باب غرفة الضيوف، باب الممر وباب السطح.
لا يعنيها أن الحارس يذرع الشارع طيلة الليل؛ إنني أقرأ وأكتب وبجانبي مسدس محشو حتى الصباح. وكخط دفاع أخير؛ تضع زوجتي سكين مطبخ تحت وسادتها. إذا ما سمعت نأمة ؛ تفز يدها قبلها مندسة تحت الوسادة.
(إطلاقات كثيفة)
كنت أتناول العشاء في بيت أهلي عندما أجفلتني أصوات العيارات النارية. كانت الإطلاقات كثيفة وقريبة كما لو أن معركةً اندلعت في الشارع. قفز أحد إخوتي إلى غرفته. يا إلهي صحتُ «ألا يستطيع المرء أن يتناول عشاءه بهدوء في هذا البلد اللعين؟ مَن تزوج؟ هل فاز المنتخب؟ أغداً عيد؟ هل نجح أحد الأولاد؟ ألا يكترث أحد للأبرياء الذين يُقتلون بالرصاص الطائش؟».
ـ لقد أتوا به قال أخي الأكبر.
ـ ألم يجدوا غير وقت العشاء؟ قالت زوجته.
ـ ما الأمر؟ قلت وأنا ألحظ وجوم الجميع حتى الأولاد وامتناعهم عن الأكل.
خرج أخي من غرفته حاملاً مسدساً واتجه للشارع.. خرجنا كلنا خلفه. كان رذاذ خفيف يتساقط في تلك اللحظة وعكس إسفلت الشارع أضواء البيوت المتقابلة. كان الجيران قد خرجوا أيضاً وكان أناس يتقاطرون من شوارع الحي الأخرى ولم يتوقف إطلاق الرصاص. خطونا باتجاه البيت حيث كانت السيارة واقفة وعليها التابوت المغطى بالعَلَم .
ـ مَن يكون؟
ـ لا تعرفهُ قالت زوجة أخي، رجل فقير جداً أجَّر بيت نعيمة منذ أشهر. لديه أربعة أطفال وزوجة حامل.
عند الباب الذي أحاط به الحشد، كانت الزوجة ببطنها المكوّرة وشعرها المنفوش فاقدة الوعي وبعض نسوة الشارع يسعفنها. أحد أطفالها الصغار كان ينظر إليها بفم ملوث بالمرق. يبدو أنه لم يُكمِل عشاءه هو الآخر. لم يُكمِل عشاءه في هذا البلد اللعين. لفح الهواء البارد جبهتي المتعرقة. أحسست أن جسدي ثقيل، ثقيل كالرصاص، كما لو أنه مُثبّت إلى إسفلت الشارع. لم أعد أسمع شيئاً.أخذت المسدس من أخي. رفعت يدي أطلقت الرصاص على السماء المكفهرة .
٭ العراق
خالد شاطي