مراكش ـ «القدس العربي» من عبدالله الساورة: لا تكاد تنتهي مشاكل ومعارك المخرج الأمريكي مايكل مور بعد الفوز بجائزة الأوسكار عن فيلمه «بولينج لكومباين» وبالسعفة الذهبية عن فيلم «فهرنهايت 9/11 «، حتى يمنحنا فيلما ظريفا ومنوعا بعنوان استفزازي «أين نغزو المرة المقبلة» (2015) كناية عن غزوات أمريكا التي لم تتوقف طيلة القرن التاسع عشر وحتى بداية القرن الواحد والعشرين.
الفيلم كوميديا بطعم السخرية السوداء، وقلب الأدوار حتى تغدو توسعية ولا تكف عن خلق المقارنات، حيث يلعب المخرج مايكل مور دور «الغازي» بزيارته لعشر دول بخلاصة مفادها كيف تستفيد الولايات المتحدة الأمريكية من هذه التجارب.
مبدع فيلم «فهرنهايت 9/11» ومع كل صرخاته المتكررة ضد الحرب، وكشفه المشاكل العويصة والعميقة للولايات الأمريكية على أنها على أهبة الاستعداد وتنتظر فقط ساعة الصفر للغزو والاقتحام.
عن سن يناهز 61 عاما يخرج مايكل مور فيلما وثائقيا جديدا تحت يافطة النقد السياسي والنقد الاجتماعي والاقتصادي الأمريكي، مع احتفاظه بذاك المعنى الساخر «المبالغ فيه» وبطبعه المشاكس، حين يروي قصصا من النقد الاجتماعي بشكل أساسي ضد قادة الحزب الجمهوري لبلاده.
مايكل مور ليس اسما عابرا في السينما الوثائقية، بل له حضور وازن وله شعبية كبرى بين مخرجي السينما الوثائقية، والفائز بجوائز لا تنتهي للعديد من أفلامه. انتقل شخصيا إلى أوروبا وشمال أفريقيا لسرد الوضعيات الحالية لمواطني هذه البلدان ومقارنة الجودة التي تمتاز بها مجموعة من القطاعات والمناطق مقارنة مع مواطني الولايات المتحدة الأمريكية.
الفكرة راودته حينما تذكر الرحلة التي قضاها في القارة العجوز وهو لم يبلغ التاسعة عشرة من عمره، والانطباعات التي حملها من تلك الرحلة، لكن قصة الفيلم تبدو في الدقائق الأولى متنوعة وظريفة من خلال إقامة المخرج في كل من فرنسا وإيطاليا والبرتغال وفنلندا، واستجوابه لشخصيات غريبة تقدم مقاطع قصيرة، سواء من الأطفال أو من البالغين. بفضل لباسه العسكري الراغب في الغزو بطريقة زائفة لهذه البلدان حاملا معه العلم الوطني الأمريكي ومنهيا كلامه بعبارة وضعها عنوانها لفيلمه «أين نغزو في المرة المقبلة» في إشارة إلى الجهوزية والاستعداد الكامل والرغبة القوية في غزو الشعوب…
أسئلته بارعة ودقيقة، ولا يمكن الشك فيها بتاتا وفي مواهبه المتعددة، ولكن المشكلة لسرد هذه الثيمات المركزية مثل التعليم، الاقتصاد، العمال وساعات العمل… ثم الذهاب إلى الحالات الأكثر تطرفا تنتفي لأسباب أيديولوجية مع ما يحدث في بلدان أوروبية أخرى. ما قام به المخرج هو اختيار مسبق لأشياء وحالات جيدة لكل مكان وموقع زاره (أو غزاه بنوع زائف)، متطرقا مع موقع لموضوع معين وبطريقة حزبية وساخرة، لأن عملية اختيار هذه المواقع والأماكن المعزولة، حيث تنجح بعض التجارب في بعض المجتمعات الأوروبية أو الشبيهة بها. فالمخرج يسعى إلى تقديم هذه الحالات على أنها صور ناجحة يمكن الاقتداء بها وتقدم خدمات عامة على عكس الولايات الأمريكية.. أو يقوم بالعكس في طريقة المقارنة بين أمريكا وباقي الدول الأوروبية.
على الرغم من المخاطر الأيديولوجية المعتادة في معظم أفلام مايكل مور، لابد من الاعتراف بقدرته الفائقة على الحكي وصناعة فيلم جماهيري قادر على اختراق النخبة المثقفة وصياغة رأي عام وطني بطرحه لهذه القضايا مازجا إياها بالسخرية السوداء والمرح وبدروس عميقة من التاريخ. على الرغم من المساحة الزمنية للفيلم التي قاربت الساعتين ( 119 دقيقة).
فالجمهور الذي يعرف عمق السياسات الأوروبية وصنوتها الأمريكية لا يروقه الفيلم باستثناء أولئك العاشقين والمتابعين لسينما مايكل مور وجنونه الإبداعي.
مشاهد الضحك مع الثنائي الإيطالي حينما يتحدثان عن أيام العطل التي تتكفل بها الدولة، وكذلك مع الأطفال الفرنسيين. ففي هذه الحالة يجلس المخرج أمام مدرسة عمومية في نورماندي وهو يتناول الأكل محاطا بمجموعة من الصبية شارحا جودة الأكل بعلاقته مع ما يأكله الأمريكيون من وجبات سريعة، وفي محاولته لشرب كوكاكولا مع قائمة الأكل أمام مدرسة عمومية فرنسية.
في فنلندا، يحكي كيف يمنحون مساحات كبيرة للمتعلمين لالتقاط الأنفاس بعيدا عن الضغط المفرط وإرهاب نفسيات المتعلمين. ما يظهر أقل شجاعة أن المخرج يظهر خطابه بطريقة انتقائية، حينما ذهب لتونس وهي واحدة من الدول العربية والإسلامية ذات النهج الأوروبي تقريبا، ليحكي لنا أن في تونس مستشفيات ومراكز صحية عامة مجانية خاصة بالنساء، حيث باستطاعتهن ممارسة عمليات الإجهاض بطريقة قانونية وشرعية. هذا خطاب غير صائب وغــــير مقنع بالمرة للترويج لدولة عربية، بأنها غير ذكورية ومتسلطة وتجيز قوانين لحماية النساء. كان بإمكانه الذهاب إلى دول عربية في الجوار، حيث تتم عملـــيات التمـــييز بطريقة فجة أقلها قيادة السيارات… أو الإجهاض… ولكن المخرج اختار بلدا يوافق تطلعاته الأيديولوجية ورؤيته للأشياء… من باب أن كل العيون لا تنظر للزهور بالنظرة نفسها.
وكذلك الأمر في ألمانيا حينما يتحدث عن مصالحة مواطنيها مع النازية، في حين أن الولايات الأمريكية لم تستطع أن تتصالح مع تاريخها. ويعقد مقارنة كيف أن السيدات في أوروبا تمكن من تبوؤ مناصب سياسية على عكس بلده.
يذكرني فيلم مايكل مور بأولئك الذين قتلوا ذاك الشاب اليمني الذي لم يبلغ من العمر 17 ربيعا حينما قال: «أرى الله في الزهور ولا أراه في القبور»، فتصيدته رصاصة قاتلة وغادرة، بالرؤية نفسها يريد المخرج مايكل مور إقناعنا بالسواد المقبل من الولايات المتحدة الأمريكية.