الشعر العربي المعاصر بين الشرق والغرب

حجم الخط
0

ليس ثمّ من اسم يحصل على الصفحات الأولى في الصحف الغربية يفوق الاسم العربي. وليس من موضوع يأخذ باهتمام الدول الغربية ودراساتها وأعمالها وملتقياتها كالحال العربي. والاستثناء الوحيد هو للشعر العربي، حيث يظلّ صوته مقصيا ومتجاهلا شأنه شأن أي صوت أو نداء يصدر من محفل عربي.
بهذا الاستهلال البليغ المشبع بالمرارة والاستنكار يبدأ الباحث الفرنسي سليمان زغيدور مقدمة كتابه عن «الشعر العربي المعاصر بين الإسلام والغرب». وفي إطار النبش على حفريات الحالة يرى زغيدور أن السبب في الحصار المضروب على هذا المصدر الثقافي المشع في عوالم الشرق والغرب، هو التواطؤ والمصادرة من قبل أنصار التعصّب والتطرف، في كلا الشطرين المعنيين.
ولكن إذا شئنا تجاوزنا ذلك فاخترقنا الجدار المفتعل وانْقدْنا لفضولنا الإنساني ولذائقة الأعماق، فإن هذا التجويف المعجز سيدخلنا إلى تاريخ ذي أشكال متعددة تحيطها الدهشة وعدم التصديق. ذلك أن الغرب سيعثر في الواقع على جذوره الذاتية من خلال هفهفة الكوفيات وصبيب البترودولارات. وأمّا هذا الضجيج حول العنف الذي يصلنا من هناك، فليس سوى قناع أخرق لماضٍ مشترك بين الجميع شرقيين وغربيين. وبعد أن يثبت بالدليل هيمنة العنصر العربي في تشكيل صورة الشرق لدى الغرب، يتجه زغيدور للتساؤل حول المقاربة الحالية لهذا الأخير حول العرب وعن اللوحة الداخلية التي يرسمها حولهم. فيرى أنها بسيطة للغاية، تلك البساطة التي يمنحها الوعي السطحي لقوة عابرة هي الازدراء والجهل، وهو مظهر موروث عن قرون ماضية، قرون المَعدن والظّلال والتربص. حينما قام الغرب المهيمن بتقسيم العالم الأوحد إلى «شرق» و»غرب». وكل ذلك لا يمكن أن يحجب الحقيقة التي تبين كيف أن الكيانين كانا متصلين منذ البداية عبر جسور الثقافة والعقيدة، وكيف اختلطت الهوية الشرقية من خلال الحضور الرمزي الموسوم لفيليب العربي إمبراطور روما، الذي استقدم المسيحية من المشرق ومنحها هدية للغرب، فتبنى الغرب هذا الدين الشرقي الذي طالما حاربه. وبالتالي أصبح يمثل القاعدة المشتركة بينه وبين الشرق. ولتوضيح دور العرب في دخول المسيحية إلى أوروبا، يقدم الباحث شهادة غيغوار دي بور الذي يؤكد أن كنيسة باريس ظلت تدار من طرف رهبان من سوريا حتى القرن العاشر. كما أن العديد من الفلاسفة الرومان كانوا عربا في الأصل، من قبيل لونجان، وبورفير وجامبليك… فقط بدأ الموقف يتفسخ في حوض المتوسط وفي المشرق، حيث برزت معارضة الاحتلال البيزنطي من خلال مظاهرها المتمثلة في الثورات والفوضى وكراهية الأجنبي المحتل. وتلك هي الأجواء ذاتها التي وجدها فرسان الرسول الأوائل على أبواب دمشق. فالهجرة الكثيفة للعرب نحو المدن لم تكن إذن جديدة، وإنما اتبعت منحى متصاعدا منذ زمن «سنحاريب» الذي حشد العرب ضد الأجنبي. وكانوا عبارة عن بدو يسكنون الصحراء ويعتبرون غير مسيّسين ووثنيين. فصار كل ملك بيزنطي بعده حين يُهدّد يستنجد بهم ويعدهم بالغارات والغنائم. ومن المؤكد أن صعود «هيرود» للحكم فتح للعرب أبواب الطموح والنفوذ، بل إن سقوط إمبراطورية روما أعاد للعرب الثقة بوزنهم لمّا تخلت القوافل عن الطرق الأقل أمنا في سوريا وتنقلت عبر الصحراء العربية.
إن هذه التأكيدات تقوم على التاريخ الفعلي للأفكار والفنون والأديان. ولقد بدأ هذا التاريخ يستعيد اليوم مكانته الحقيقية. فقبل الشعراء العرب المعاصرين استشعر شعراء غربيون بأن المعاناة التي تنخر نفوسهم أتت من ذلك البتر الذي أصاب عالمهم. فقد كانوا يعلمون جيدا أن الشرق يستحوذ على حواسهم. ولكي نوضّح ذلك ليس لنا إلاّ أن نقرأ ديوان «الشرقيّ الغربيّ» لغوته، وأن نقرأ نيرفال ورحلته في الشرق. فالرحلة للنبع الشرقي جلبت العديد من الشعراء الأوروبيين من أمثال: بايرون، وجيد، ومالارميه، ووايلد، ولامارتين، الخ. ولكن أصوات هؤلاء لم تسمع. وفي وقت لاحق أثر الشعراء العرب المعاصرون المتأثرون بدورهم بتلك الأسماء في إغناء المسار. فاستأنفوا الرحلة إلى المنبع حتى الأعماق. وقد كان الفعل المنبثق من هذا الينبوع هو وسيلة الترحال. ولذلك فإن الشعر العربي المعاصر يعد كونيا ولا يمكنه إلا أن يكون كذلك، لأنه يتبنى ويدمج الإرث الشعري الغربي والعربي في آن، ويغطس في الماضي الأكثر قدما خلف الإسلام وواجهاته التقليدية بحثا عن النبع الأصلي. فما كان من ادعاءات بعض المتعصبين المحليين من رفض الشعر الحديث الغربي النزعة لكونه بدعة أو للشعر القديم الشرقي لكونه وثنيا، أصبح اليوم مرفوضا من طرف الأغلبية في العالم العربي، ويمثل ثورة على تفكير محلي منغلق، وتحديا أيضا لذلك الغرب المتعالي الذي يقصي الآخر ولا يريد أن يسمعه. وهكذا، فإن شعرا يحمل في ذاته شمولية الماضي والحاضر الإنساني يظل مجهولا ومتجاهلا من هذه الجهات التي تمنح لنفسها حق الحديث باسم الإنسانية. فيظل كلا المستنقعين منكفئا على ذاته، حريصا على ألاّ يلوث نقاءه. بينما بالقرب منهما يوجد المحيط الأصلي المكوّن في الوقت نفسه من الماضي التاريخي المتألق والحاضر الإنساني المتنور، هائجا مزمجرا وأمواجه تبدو أكثر صخبا مهددة بتفجير الحاجز الذي في ملاذه يتسع المستنقعان اليتيمان وينتعشان.
ويختتم الباحث تقديمه ملتمسا من القراء الغربيين والفرنسيين خاصة، أن يمنحوا هذه النصوص الشعرية العربية الحداثية كرم الرّوح والفؤاد والذاكرة. متمنّيا أن يكون الاستماع إلى أصوات الشعراء العرب داعيا في المقابل إلى تجشم الرحلة التي تحدث عنها غوته الكبير ذلك الغربي العاشق للشرق بقوله: «إن من يريد فهم الشعر عليه الذهاب لموطنه، ومن أراد فهم الشاعر عليه أيضا أن يحجّ لموطنه».

٭ كاتب وشاعر من المغرب

الشعر العربي المعاصر بين الشرق والغرب

عبدالسلام ناس عبدالكريم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية