بعيدا عن السياسة

حجم الخط
1

عندما كان يحيى ينظر إلى دمشق كيف كانت وكيف صارت ! لم تكن يوماً دمشق خلابة من حيث الحضارة. مر عليها الرومان والعثمانيون والعرب ووو، ليست مقياس الحضارة أو النظافة أو النزاهة.
الصحافة خرساء القضاء مخترق الجماهير لا تلتزم بالطابور أمام المؤسسات الاستهلاكية، أو أمام أي شيء رسمي أو غير رسمي.. تلتزم بالطابور فقط أمام السفارة الأمريكية .
منذ كان في المدرسة الابتدائية في الصباح الباكر. الساعة السابعة والبرد قارس ابتداء من أيلول/سبتمبر وقبل هذا الذي يسمونه اليوم موجة الحر التي تهدد كوكبنا الصبور.. وهو في باص المدرسة. كان السائق يمر بين الشوارع لينقل التلاميذ من أمام أبواب بيوتهم، كان يمر من أمام السفارة الأمريكية، وكان الفتى يرى طابوراً من الشباب له بداية ولا نهاية له. شباب مهاجر تاركاً وراءه أشلاء وطن كل يوم هزيمة، أصداء كل هزيمة في كل ركن من أركان الدولة. كان الفتى في أفضل مدارس العاصمة مدرسة خاصة، منهاجها أقوى من منهاج مدارس الحكومة. تعلّم اللغتين الإنكليزية والفرنسية منذ الصف الأول الابتدائي وقصص وروايات عالمية والعزف على الآلات الموسيقية الشرقية والغربية ودروس الأشغال من أرقى الكاتلوغات. وهو كان يعيش في كنف أسرة مكتفية مادياً ومثقفة يكاد أبوه وأمه يتكلمان باللغة الفصحى في حياتهم اليومية. يتحاشيا الكلام في الطوائف والسياسة والتقاليد. فقط العلم واحترام الفن وتقدير الأدب على اختلاف المذاهب والمدارس والتيارات، ويتحاشيان الكلام في السياسة ومتاهاتها، إلا أن السياسة خبز يومي، قوت وزاد العاطلين عن العمل .
لكن لماذا كل يوم صفارات إنذار وغارات إسرائيلية واجتياح جنوب لبنان وأحداث حماة وعساكر على هضبة الجولان وحرب الخليج الأولى، ومن قبلها النكبة والنكسة ومشاهد العنف في التلفزيون، والفتى لا يستطيع النوم في الغرفة لوحده وفي الظلام سيذكر ما يراه في السهرىة التلفزيونية من مناظر جثث وضحايا. ناس تنوح وتبكي. هو لا يعرف السبب. ما شأنه وتلك المشاهد المفروضة على طفولته. هو يريد أن يلعب بالدمى، مسرح العرائس والدراجة الهوائية وابن الجيران هذا كل ما يريد أن يشغل ذهنه به. يتذكر الألعاب التي شاهدها على واجهة المحلات في السوق، إنه يريدها ويلّح في طلبها، وأمه تعده ثم تفي، ولا علاقة له بالسياسة .
وعندما كبر وشبّ أحب بنت الجيران. كان يراها من النافذة فتبتسم له أخذ يواعدها ويراسلها ثم خطبها وتزوجها، وما علاقته هو بالسياسة؟
حرب الخليج الأولى.. الانتفاضة الفلسطينية.. ما علاقته هو بالسياسة هو مشغول بالدروس في المدرسة والدروس الخصوصية. أستاذ فيزياء داخل وأستاذ كيمياء خارج والامتحانات دائماً على الأبواب، ثم عام دراسي جديد وهمّة من جديد وما يشغله هو المجموع العالي الذي يخوّله الدخول إلى الكلية التي يحلم بها… ما علاقته هو بالسياسة؟
حرب الخليج الثانية وما علاقته هو بالحكام العرب وحلف شمال الأطلسي وما علاقته بالتعليق السياسي واجتياح جنوب لبنان ووو؟
هو مشغول بإملاء المفاضلة بعد ظهور النتائج وحفل النجاح وانتظار قرار وزير التربية والتعليم لتحديد العلامات للتقدّم إلى الجامعات… وحفلة التخرّج والهدايا واجتماع العائلة والفرحة والصور التذكارية وعروس المستقبل… ما علاقته هو بالسياسة ونتائج حرب الخليج ونزوح العراقيين إلى سوريا وقرارات الأمم المتحدة وحلف الناتو والضغط الاقتصادي وارتفاع الأسعار وانتشار الرشاوى وانحلال القيم..؟
هو مشغول بمشروع التخرج والمنافسة بين الزملاء وتحضير المهر اللائق بفتاة أحلامه والبحث عن عقد عمل يكفل له حياة كريمة… ما علاقته هو بالسياسة وبالربيع العربي بالنظام الديكتاتوري للحكّام العرب؟ ما علاقته بالانتخابات نزيهة أم غير نزيهة؟
كل ما يريده هو أن تلد زوجته وتنجب له طفلاً سليماً يتمتّع بصحة جيدة جسدياً وعقلياً هو وزوجته …
ما علاقته هو بنظام بشار أو العلوية أو السنة… أو الحركة الوّهابية أو داعش أو أو؟
كل ما يريده هو وظيفة وزوجة ونسل يؤمن له مستقبلاً اقتصادياً مضموناً يقيه شر الأيام، إنه يريد العيش مستوراً هو وعائلته، لذلك لم ولن يهتف لا مع بشار ولا ضد بشار. ولم يخرج كباقي الشباب ولا حتى بدافع الفضول ليتفرّج. هو رب أسرة مسؤول عن زوجة وابن الواحد منهما يساوي الدنيا وما فيها، لذلك لا يخرج من بيته مغيب الشمس أبداً إلا للضرورة القصوى كزيارة صديق أو مريض .
وفي يوم من الأيام عاد بعد انتهاء الدوام إلى بيته. فرأى بيته أنقاضاً. مثل المجنون ركض وأخذ يزيح أكوام الحجارة بيديه من دون وعي أو تركيز وكأنه أيقن الحقيقة باحثاً عن زوجته وابنه اللذين تركهما صباحاً في البيت. لكنه لم يتمكن من العثور إلا على لعبة ابنه التي اشتراها له في عيد ميلاده الأول. أغرقها بدموعه عندما سأله صحافي عن مشاعره وهل وراء التفجير فعلاً العصابات المسلحة أم رجال بشار؟
فأجاب أنا لم.. لا..لا أعرف … عشــت كل حـــياتي بعيدا عن السياسة..
٭ قاصة سورية

بعيدا عن السياسة

سلافة الماغوط

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية