«مذبحة الفلاسفة» للفلسطيني تيسير خلف: مجادلة السائد التاريخي

حجم الخط
0

يستهل الكاتب تيسير خلف روايته الثالثة «مذبحة الفلاسفة» المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2016، بالحديث عن قصر تيبور ومن بناه، وعن النهاية المأساوية التي آلت إليها مملكة تدمر بعد مواجهة غير متكافئة لجحافل إمبراطور روما أورليانوس (273م) الذي انقلب عليها مستعينا بجذيمة التدمري، الذي خان تدمر، منضما لامبراطور روما المذكور. فانتهت المواجهة بسبب ذلك بهزيمة المشروع التدمري، واقتيدت الملكة زنوبيا وحاشيتها التي تضم عددا من الحكماء والفلاسفة والمستشارين إلى روما أولا، ثم إلى قصر تيبور، ثم حوكم الفلاسفة بعد ذلك، وصلبوا، وقتلوا، ولم ينج من تلك المذبحة إلا الراوي، وهو (حنبل بن جرم اللات) ولولاه لما عرف القارئ الكثير من أسرار ما جرى لتدمر وخفاياه.
فقد أخذ الراوي على عاتقه تصنيف مؤلف يروي فيه ما جرى في خط سردي متتابع تصاعديا مع الزمن، فإذا كان المؤلف تيسير خلف قد ذكر لنا في مقدمات الكتاب السنوات التي استغرقتها وقائع روايته هذه، وهي من 224م إلى 273م أي نحو 50عاما ، فقد بدأ روايته بما جرى في عام 273 عائدا القهقرى لما جرى قبيل ذلك أي في عام 224 متدرجا بها أولا فأول حتى ينتهي بنا ثانية إلى عام 273 من دون عودة لذكر ما جرى فيها من حروب انتهت بأسر الملكة زنوبيا.
في الأثناء يكتشف القارئ ، وبعد قراءته 170 صفحة أن يوحنا بن تيموس البلمريني هو الذي يروي لنا الحكاية نقلا عن جده لأبيه حنبل بن جرم اللات، الذي ساقته الأقدار إلى روما بعد أن اغتيل أورليانوس، وجلوس تاسيتوس على عرش الإمبراطورية في روما، وتلبية لصديقه القديم مالكوس، وفي روما يعمل في التدريس في الأكاديمية. وهناك، وبعد نحو 30 عاما من مغادرته تدمر استجاب لداعي الوفاء فأقبل على تأليف الكتاب الذي عهد لحفيده يوحنا به وحثه على المحافظة عليه أكثر من محافظته على روحه هو. ولدى قراءة يوحنا الكتاب تأثر به تأثرا كبيرا، فانتهج بسببه طريق الزهد والتقشف، والتأمل بعيدا عن السلك الكنسي، ونقله من اللغة الأصلية لغة تدمر إلى اليونانية، وقام منصور بن بكر الحراني بترجمته من اليونانية إلى السريانية مع بعض الحواشي والتعليقات. أما المترجم الأخير الذي نقله من السريانية إلى ما أصبح بين أيدينا رواية بعنوان «مذبحة الفلاسفة» فهو المؤلف الذي يعرف هذه اللغة معرفة جيدة.
ولعل أبرز الانطباعات التي يستخلصها القارئ من مرويات تيسير خلف، رغبته الشديدة في تصحيح الكثير من المفاهيم والأفكار الشائعة عن تدمر ومشروعها الحضاري، وما تعرضت له من إحباط على أيدي القوى العظمى في ذلك الحين: الفرس من جهة والرومان من جهة أخرى. كاشفا- في الوقت ذاته- عن طبيعة العلاقات التي أقامتها المملكة مع المحيط الإقليمي، فقد امتدت علاقاتها التجارية إلى مصر والسودان وفي الجزيرة العربية إلى حدود اليمن وبلاد ما بين النهرين، وشمالا إلى بحر القلزم، وغربا في البحر المتوسط. ويلقي الكاتب أيضا الضوء على ما يتراءى له من كشف يضاف لحقل الدراسات التاريخية، وهو الربط بين قصي (أفكل) تدمر، أي كبير الكهنة، و (قصي بن كلاب) الذي يتردد ذكره لدى الإخباريين العرب. وما نسبوه إليه من بنائه مدينة مكة، وإنشائه مسجدا بين يثرب ونجران. ولهذا السبب نرى الراوي (حنبل) يطيل الحوار مع قصي الذي جاء إلى تدمر من روما عابرا الكثير من الأهوال، عارضا ما سمعه وشاهده من مناكفات بين المذاهب المسيحية في أنطاكيا. ذاكرا الكثير عن علاقته المتينة بالملكة زنوبيا وبالمعلم أفلاطون، وبالمعلم الحكيم لونجاينوس، راويًا ما كان من خبر كسرى الفرس (شابور) وحروبه التي شنها ظلما على تدمر، وعلى دورا أوربس، واعتداء جنده على المعابد، وإحراقها بما فيها معبد أناهيت الذي هو لآلهة الفرس.
وبكلمة موجزة: جل ما جاء في الفصول التالية من الرواية إنما هو سرد لوقائع يذكرها قصي لحنبل بما في ذلك الحوادث التي عصفت بروما، وأدت إلى رحيل أفلاطون منها إلى تدمر تلبية لدعوة لونجاينوس.
ويحتل أفلاطون (المعلم) بؤرة السرد في ما يلي ذلك، فقصي لا يترك صغيرة ولا كبيرة عن هذا الفيلسوف إلا ويذكرها. ويشير بوجه خاص لمشروع الجمهورية الفاضلة التي حاول أفلاطون وبعض تلاميذه إقامتها في كمبانا. وفي صفحات متوالية يروي حنبل في الكتاب الذي آل لحفيده يوحنا التفاصيل الكثيرة عن الدور الذي نهض به أفلاطون في بلاط تدمر قبل أن يصاب بمرضه الذي أدى إلى وفاته. ولا يفوت الكاتب أن يُذكــِّرنا بأن جل ما كان يروى عن أفلاطون ما هو في الواقع إلا من أقوال قصي، التي نقلها عنه حنبل بن جرم اللات. قبل أن تتعرض تدمر لما تعرضت له من دسائس، ومكائد، آلت في النهاية للمأساة التي أحاطنا المؤلف علما بها وبتفاصيلها في الفصل الأول «قصر تيبور».
ومن الجليّ، والواضح، أن تيسر خلف يريد أن يعيد كتابة تاريخ الفترة، والمدينة، عن طريق السرد الروائي، بعد تهذيبه، وتنقيحه من الأغلاط، والخرافات، والخزعبلات التي علقت به، سواء من تحريف النساخ، أو من شوائب المؤرِّخين، والإخباريين. بيد أن هذا قليلا ما يؤدي- في الواقع – لنسيج روائيٍّ متين كالذي نجده في الروايات التاريخية الكبرى: كروايات رضوى عاشور «ثلاثية غرناطة»، أو رواية «المخطوط القرمزي»، لأنطونيو غالا، أو رواية «ليون الأفريقي» لأمين معلوف، أو رواية «آخر بني سراج» لشاتوبريان. فحظ هذه الرواية «مذبحة الفلاسفة» من التاريخ أظهَرُ، وأقوى، من متخيلها الروائي. تشهد على ذلك كثرة التحقيقات، والإمعان في تدقيق الأسماء، وترجمة الألفاظ اليونانية للسريانية، والسريانية للعربية، إلخ.. والتدقيق في العقائد، والأديان، ومذاهب المتفلسفين، وأخبار الحكماء والمتكلمين. وهذا كله، وإن كان حريا أن يرتقي بالمحتوى التعليمي للرواية، إذا صحَّ أن القصص خير وسيلة لتعليم التاريخ، فإنه يُبقي ـ مع ذلك- على الجانب الروائي الأدبي أدنى رتبة من الجانب التاريخي، غير أنَّ ما في الرواية من تصحيح، وإعادة نظر في تاريخ الحقبة الممتدة من 224م إلى 273م يمنح هذا العمل قيمته العلمية، والثقافية، والتاريخية، وهذا حَسْبُه.

٭ ناقد وأكاديمي من الأردن

«مذبحة الفلاسفة» للفلسطيني تيسير خلف: مجادلة السائد التاريخي

إبراهيم خليل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية