اعتادت الدول التي تحترم نفسها ومواطنيها التحرك عندما يقع مكروه لبعض المواطنين، خاصة إذا كان عدد الضحايا كبيرا ويفوق العشرة. ورأينا في الكثير من الأحيان كيف حركت بعض الدول آلياتها الأمنية والدبلوماسية للبحث عن مفقودين أو معتقلين، بل يصل الأمر إلى مستوى تجميد العلاقات أو قطعها في حالات اعتداء دول على مواطني دول أخرى. لكن المغرب لا يدخل في طينة هذه الدول الغيورة على مواطنيها إلا إذا تعلق الأمر بنافذين.
في هذا الصدد، يتابع جزء من المغاربة، الجزء وليس الكل، مأساة غرق ما بين خمسين وسبعين شابا مغربيا في المياه الفاصلة بين ليبيا وإيطاليا، بداية الشهر الجاري، في إطار مآسي الهجرة التي لا تنتهي منذ أكثر من ثلاثة عقود، حيث تحول البحر الأبيض المتوسط إلى مقبرة حقيقية للشباب المغربي الحالم بما قد يكون تبقى من «الحلم الأوروبي».
في البدء كان الخبر غير مؤكد، فقد تحدثت عنه وسائل الاعلام الدولية، بل وتصدرت صورة القارب الضخم وهو يغرق الصفحات الأولى لمعظم الجرائد العالمية، إذ لأول مرة يتم تصوير قارب يغرق بالمئات من المهاجرين وكان منهم المغاربة، يحدث هذا، بينما الإعلام المغربي الرسمي المرتبط بالدولة يستمر في نهج «الإعلام الوردي» الذي يقدم المغرب كجنة من جنان الكون، أو بمثابة المدينة الفاضلة لأفلاطون. ولا يمتلك الإعلام المستقل الوسائل الكافية لتأكيد الخبر، ومنها الانتقال الى عين المكان. لكن تدريجيا، تأكدت صحة الخبر، بل الفاجعة، ما بين خمسين وسبعين شابا مغربيا غرقوا دفعة واحدة في واحدة من أكبر مآسي الهجرة السرية في البحر الأبيض المتوسط. ومصطلح «فاجعة» يبقى نسبيا في هذه الحالة، فيبدو أن البحر المتوسط مصر على تحطيم الأرقام القياسية، كل مرة يفاجئنا بابتلاع قوارب كبيرة، وتكون كل فاجعة أكبر من الأخرى.
ظهرت الهجرة السرية التي تعرف بقوارب الموت من شواطئ المغرب نحو الأندلس في نهاية الثمانينيات، وكانت تقع مآس بين الحين والآخر بغرق قوارب، لكنها لم تكن تتجاوز غرق بضعة شباب. وأكبر مأساة في الماضي وقعت سنة 2003 بغرق 23 شخصا في مياه مضيق جبل طارق، لكن مآسي هجــــرة المغاربة عبر ليبيا نحو إيطاليا تخلف مآسي حقيقـــية بغرق العشرات دفعة واحدة. واعتدنا في المغـــرب سماع غرق شباب مغاربة في مقتبل العمر تقريبا في كل فاجعة تقع في البحر الأبيض المتوسط مؤخرا. يظهر شبان مغاربة ناجون يحكون في شبكات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها يوتيوب كيف غرق زملاؤهم، ويكون الناجون وسيلة رئيسية لمعرفة عدد المغاربة الضحايا وهويتهم.
وخبر من حجم مأساة غرق أكثر من خمسين شابا دفعة واحدة كفيل، في وطن يؤمن بالعدالة والاجتماعية ويحترم مشاعر مواطنيه ويحرص على سمعته وسط المنتظم الدولي، بتحريك جميع المؤسسات المسؤولة، خاصة الحاكمة والمنتخبة والرأي العام للتعبير عن الحــــزن، وكذلك نكس الأعلام وعقد مناظرة وطنية لمعالجـــة هذه الظـاهرة التي تختطف مغاربة في عز الشباب من عائلاتهم.
ورغم الفاجعة، التزمت الدولة المغربية الصمت، ولم تعالج الحكومة المغربية المأساة في أي اجتماع من اجتماعاتها الأسبوعية. وصمتت الجمعيات الحقوقية مع استثناءات، ولم يبد الرأي العام اهتماما ملحوظا بالفاجعة، واستمر الكثير من المنابر الإعلامية في تجاهل هذه القضية وخاصة الرسمية منها.
هذا الصمت الجماعي، مع استثناءات، يبرز حقيقة «مستوى القيمة» التي يتمتع بها المواطن في بلد مثل المغرب، وهي قيمة لا تساوي شيئا في غالب الأحيان، إلا إذا تعلق الأمر بنافذ من النافذين مرتبط بالنظام. والصمت لا يشكل مفاجأة في بلد يسجل أعلى نسب حرق الذات لمواطنين يائسين لم يجدوا أمامهم سوى عملية الانتحار هذه كاحتجاج سياسي. وفي بلد تلد بعض نسائه عند أبواب المستشفيات. وفي بلد يستمر شبـــابه في اللجوء والهجرة بشكل يكاد يكون جماعيا، كما تؤكد معطيـــات هجرة المغاربة عبر طريقي البلقان نحو المانيا وعـــبر سواحل ليبـــيا، منافسين لاجئي دول تعرف حربا أهلية مثل سوريا. والصمت لا يشكل مفــاجأة في ظل سيادة نوع من النفاق السياسي والاجتماعي وسط نسبة من المغاربة يتجلى في أن السكوت عن سلبيات هو خير لصورة الوطن.
لقد تعرض ضحايا قارب ليبيا – إيطاليا لجريمتين من طرف المغرب كدولة ومجتمع، الجريمة الأولى أنهم ضحايا السياسات الاقتصادية المتعبة، التي عمقت من الفقر والحرمان وعمقت الفوارق الطبقية في البلاد، من خلال تكديس البعض للأموال الطائلة، خاصة الذين هم في السلطة وحكمت على الأغلبية بالعيش في فقر مدقع. وتتجلى الجريمة الثانية في عدم اهتمام المغرب بهم بعد رحيلهم المأساوي ولو ببيان تعزية، من دون الحديث عن تشكيل لجنة أزمة للبحث عن المفقودين وتأكيد الوفاة لعائلاتهم المكلومة.
الصمت الرسمي والشعبي المغربي مع استثناءات في حالة هذه الفاجعة يعتبر وصمة عار وموت «للضمير الأخلاقي الجماعي لمغرب 2016».
٭ كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»
د. حسين مجدوبي