ما مدى مساهمة القنوات الإخبارية في قدح شرارة ثورات الربيع العربي؟
18 - June - 2013
حجم الخط
4
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن دور وتأثير وسائل الإعلام المختلفة في ثورات دول الربيع العربي، حيث أُعدت دراسات إعلامية مختلفة ألقت الضوء على هذا الموضوع بعد نجاح معظم هذه الثورات، فإن كان للمحطات الإخبارية العربية دور فعّال في تغطية هذه الثورات بعد اندلاعها، فكيف كان حال تغطيتها لدول الربيع العربي قبل اندلاع ثوراتها؟ في هذه المقالة سألقي الضوء على التغطية الإعلامية لكل من قناة الجزيرة وقناة العربية وقناة الحرة لدول الربيع العربي: تونس، مصر، ليبيا، اليمن وسورية قبل اندلاع ثوراتها. سأعتمد في هذا العرض على بيانات إحصائية كمية ونوعية لنسب تغطيات المحطات الثلاث لدول الربيع العربي خلال ثلاثة أشهر وهي: مايو/ أيار ويونيو/حزيران ويوليو/ تموز من عام 2005. في فترة الدراسة بثت قناة الجزيرة أخباراً متنوعة عن 82 دولة مختلفة من دول العالم في نشرة أخبارها الرئيسية (حصاد اليوم)، أما قناة العربية فبثت أخباراً عن 61 دولة في نشرة أخبارها الرئيسية (أخبار السادسة)، في حين بثت قناة الحرة أخباراً عن 94 دولة في نشرة أخبارها الرئيسية (العالم اليوم). بثت قناة الجزيرة عن مجموع دولها ما مدته 65 ساعة و4 دقائق و27 ثانية. كان نصيب تونس منها 1’، مصر 7’، ليبيا 1’، اليمن 1′ وسورية 3′. أما قناة العربية فبثت ما مدته 47 ساعة و15 دقيقة و45 ثانية عن مجموع دولها. كان نصيب تونس منها 0′ (لم تبث قناة العربية أي خبر عن تونس خلال هذه الفترة)، مصر 9’، ليبيا 1’، اليمن 1′ وسورية 5′. في حين بثت قناة الحرة ما مدته 70 ساعة و50 دقيقة و55 ثانية عن مجموع دولها، كان نصيب تونس منها 0′ (أقل من واحد بالمئة)، مصر 9’، ليبيا 1’، اليمن 1′ وسورية 4′. يتضح مما سبق أن القنوات الثلاث لم تخصص الكثير من الوقت لمعظم دول الربيع العربي قبل اندلاع ثوراتها. فتغطية قناة العربية لأخبار تونس قبل الثورة معدومة تماماً، وتغطية قناة الحرة لها أقل من واحد بالمئة. أما تغطية المحطات الثلاث لأخبار ليبيا واليمن فلم تتجاوز الواحد بالمئة. دولتا الربيع العربي اللتان حظيتا بتغطية معقولة لدى القنوات الثلاث هما مصر وسورية، رغم الفارق بين نسبتيهما. والملاحظ هنا أن قناتي العربية والحرة منحتا مصر وسورية نسباً أكبر من التغطية قبل الثورة من قناة الجزيرة. أما قناة الجزيرة فمنحت تونس نسبة أكبر في تغطيتها من قناتي العربية والحرة. لا يكفي الكشف عن نسب التغطية الإعلامية لدول الربيع العربي قبل الثورات لمعرفة مدى اهتمام المحطات الإخبارية بها في تلك الفترة، إذ لا بد من التعمق قليلاً ومعرفة المواضيع الإخبارية المختلفة التي غطتها المحطات الثلاث عن تلك الدول. تم تحديد سبعة تصنيفات رئيسية لدى القنوات الثلاث تندرج تحتها جميع المواضيع الإخبارية وهي: الأخبار السياسية، أخبار العنف والإرهاب والحروب، أخبار الكوارث الطبيعية والحوادث والجريمة، الأخبار الإنسانية والخفيفة، أخبار الصحة والطب، أخبار المحاكمات وسن القوانين، أخبار حقوق الإنسان والديمقراطية. المحطات التي تتطرق إلى مواضيع حقوق الإنسان والديمقراطية ومواضيع المحاكمات وسن القوانين في نشرات أخبارها، يكشف سعيها لإحداث تغيير ديمقراطي في الواقع المعاش لتلك الدول، ويعكس اهتمامها في نشر مبادئ الحرية فيها. أما اهتمام محطة إخبارية بالأخبار الإنسانية والخفيفة يعني أنها تحاول التخفيف من ثقل المواضيع السياسية وأخبار العنف والإرهاب والحروب. وهذا النوع من التغطية إن زاد عن حده، يعني أن المحطة لم تعد تهتم كثيراً بالمواضيع الأكثر تأثيراً في حياة الناس، كالمواضيع السياسية والعنف. في حين اهتمام محطة إخبارية بأخبار الصحة والطب وأخبار الكوارث والحوادث يعكس اهتمامها بحياة الإنسان وصحته، خاصة إن انسحب ذلك على مجموعة كبيرة من الدول. يمكن توزيع نسب مواضيع التغطية الإعلامية لدول الربيع العربي في قناة الجزيرة قبل الثورات كما يلي: كان نصيب تونس من الأخبار السياسية في قناة الجزيرة 1’، ومن أخبار المحاكمات وسن القوانين 4’، ومن أخبار حقوق الإنسان والديمقراطية 4′. أما المواضيع الإخبارية التونسية الأخرى فلم تبث عنها قناة الجزيرة شيئاً. أما نصيب مصر من الأخبار السياسية فكان 7’، وأخبار العنف والإرهاب 8’، وأخبار الكوارث والحوادث والجريمة 11’، وأخبار المحاكمات وسن القوانين 1’، وأخبار حقوق الإنسان والديمقراطية 10′. في حين لم تبث قناة الجزيرة أي أخبار إنسانية وخفيفة أو أخبار مصرية عن الصحة والطب. بينما نصيب ليبيا من الأخبار السياسية قبل الثورة في قناة الجزيرة كان 2’، ومن أخبار حقوق الإنسان والديمقراطية 3′. أما المواضيع الإخبارية الأخرى فلم تحظ بأي تغطية. أما نصيب اليمن من أخبار العنف والإرهاب في قناة الجزيرة فكان 1’، ومن أخبار الكوارث والحوادث 1’، ومن أخبار الصحة والطب 19’، ومن أخبار المحاكمات وسن القوانين 1’، ومن أخبار حقوق الإنسان والديمقراطية 2′. أما المواضيع الأخرى فلم تحظ بأي تغطية. أما سورية فكان نصيبها من الأخبار السياسية 5’، ومن أخبار العنف والإرهاب 1’، ومن أخبار حقوق الإنسان والديمقراطية 7′. أما المواضيع الأخرى فلم تحظ بأي تغطية. من هذا العرض يتضح أن أكثر ما كانت تهتم به قناة الجزيرة في تغطيتها لدول الربيع العربي قبل الثورة هو المواضيع الإخبارية الخاصة بحقوق الإنسان والديمقراطية، تليها الأخبار السياسية ثم أخبار الكوارث والحوادث. أما ارتفاع نسبة أخبار الصحة والطب فلا يعكس اهتمام قناة الجزيرة بأخبار الصحة بصورة عامة لاقتصارها على اليمن فقط. إن اهتمام قناة الجزيرة بمواضيع حقوق الإنسان والديمقراطية في جميع دول الربيع العربي قبل الثورة يعكس رغبتها في إحداث تغيير في الواقع المعاش في تلك البلدان، وهي رغبة مخالفة بالتأكيد لرغبات أنظمتها السياسية. ورغم ذلك لم تترك قناة الجزيرة أي بلد من هذه البلدان من دون التركيز على أخباره الخاصة بحقوق الإنسان والديمقراطية. والملاحظ أيضاً أن قناة الجزيرة لم تتطرق للمواضيع الإنسانية والخفيفة البتة، ما يعني أنها لا ترغب في التقليل من أهمية الأخبار السياسية وأخبار العنف والإرهاب قيد أنملة، مع أن جرعة بسيطة منها يُضفي على النشرة بعداً إنسانياً، بشرط أن تلتزم تقاريرها ببُعد الآنية. أما دول الربيع العربي التي حظيت بأكبر نسبة تغطية في معظم المواضيع لدى قناة الجزيرة فكانت مصر، وأقلها كانت تونس. أما بخصوص نسب مواضيع التغطية الإعلامية لدول الربيع العربي في قناة العربية قبل الثورات فكانت كما يلي: لم تحظَ تونس بأي نوع من أنواع التغطية لأخبارها في فترة الدراسة قبل الثورة، في قناة العربية. أما مصر فكان نصيبها من الأخبار السياسية 8’، ومن أخبار العنف والإرهاب 9’، ومن أخبار الكوارث والحوادث والجريمة 33’، ومن الأخبار الإنسانية والخفيفة 11’، ومن أخبار الصحة والطب 12’، أما أخبار المحاكمات وسن القوانين وأخبار حقوق الإنسان والديمقراطية فلم تحظَ بأي تغطية. ليبيا كان نصيبها من الأخبار السياسية 1’، أما غيرها من المواضيع الإخبارية فلم تحظَ بأي تغطية. بينما اليمن كان نصيبه من الأخبار السياسية 1’، ومن أخبار العنف والإرهاب 1′ أيضاً، أما المواضيع الأخرى فلم تتطرق إليها قناة العربية البتة. في حين حظيت سورية بـ6′ من الأخبار السياسية، و3′ من أخبار العنف والإرهاب، و6′ أخرى من أخبار الصحة والطب، أما غيرها من المواضيع فلم تحظَ بأي تغطية. من الواضح هنا أن قناة العربية كانت تركز على الأخبار السياسية لدول الربيع العربي قبل الثورة بصورة خاصة، تليها مواضيع العنف والإرهاب والحروب. أما مواضيع الكوارث والحوادث والجريمة ومواضيع الصحة والطب والأخبار الإنسانية والخفيفة، فلا يعد اهتماماً خاصاً بها لاقتصارها على أخبار مصر وسورية فقط. في حين لم تحظَ مواضيع حقوق الإنسان والديمقراطية وكذلك مواضيع المحاكمات وسن القوانين بأي تغطية لأي دولة من دول الربيع العربي قبل الثورة. وهذا يعكس عدم سعي قناة العربية لإحداث أي تغيير في الواقع المعاش في هذه الدول قبل الثورة. مصر نالت أكبر تغطية في قناة العربية، في حين لم تتطرق لأي خبر من أخبار تونس ـ مشعلة الشرارة الأولى للثورة. أما نسب مواضيع التغطية الإعلامية لدول الربيع العربي في قناة الحرة قبل الثورات فكانت كما يلي: كان نصيب تونس من أخبار حقوق الإنسان والديمقراطية في قناة الحرة 6’، أما باقي المواضيع الإخبارية فلم تحظَ بأي تغطية. بينما مصر حظيت بـ 9′ من الأخبار السياسية، ومن أخبار العنف والإرهاب 12’، ومن الأخبار الإنسانية والخفيفة 3’، ومن أخبار المحاكمات وسن القوانين 20’، ومن أخبار حقوق الإنسان والديمقراطية 12′. في حين لم تنل ليبيا سوى 1′ من الأخبار السياسية. أما المواضيع الأخرى فلم تحظ بأي تغطية. كان نصيب اليمن من أخبار العنف والإرهاب 1’، ومن أخبار الصحة والطب 6’، ومن أخبار المحاكمات وسن القوانين 5’، ومن أخبار حقوق الإنسان والديمقراطية 2′. أما سورية فكان نصيبها من الأخبار السياسية 3’، ومن أخبار العنف والإرهاب 2’، ومن الأخبار الإنسانية والمتنوعة 3’، أما أخبار حقوق الإنسان والديمقراطية فحازت على أكبر نسبة، إذ بلغت 24′ من مجموع تغطية قناة الحرة عن هذا الصنف من الأخبار. هذا العرض يُبيّن أن أخبار حقوق الإنسان والديمقراطية جاءت في أعلى سلم أولويات قناة الحرة في تغطيتها لدول الربيع العربي قبل الثورة، كما الحال لدى قناة الجزيرة. إلا أن الفارق بينهما هو أن قناة الجزيرة لم توفر بلداً من هذه البلدان في تغطيتها عن هذا الموضوع الإخباري المهم. في حين تجنبت قناة الحرة الأمريكية الحديث عن حقوق الإنسان والديمقراطية في ليبيا، واكتفت بتغطية بسيطة لا تتجاوز الواحد بالمئة لأخبارها السياسية. والملاحظ هنا أن مصر حظيت بأكبر تنوع في التغطية من بين جميع دول الربيع العربي قبل الثورة، أما سورية فقد حظيت بأكبر نسبة في تغطية قناة الحرة لمواضيع حقوق الإنسان والديمقراطية فيها على الإطلاق. يمكن تلخيص كل ما سبق بالنقاط التالية: التغطية الإعلامية لكل من تونس وليبيا واليمن قبل ثورات الربيع العربي كانت إما معدومة أو ضئيلة جداً لدى القنوات الإخبارية الثلاث. ألا تخصص قناة إخبارية فضائية نسبة معقولة لبلد ما في تغطيتها الإخبارية يعني أن مواطني الدولة لن يتأثروا بتغطيتها الإعلامية، وبالتالي تكون مساهمتها في إحداث أي تغيير في واقعهم المعاش ضئيلاً. كما يعكس عدم اهتمامها بهذا البلد. التغطية الإعلامية عن مصر حازت أكبر نسبة لدى القنوات الثلاث تليها سورية. اهتمام كل من قناة الجزيرة وقناة الحرة بأخبار حقوق الإنسان والديمقراطية وأخبار المحاكمات وسن القوانين، يعكس رغبة المحطتين في إحداث تغيير في الواقع المعاش تحت الأنظمة الدكتاتورية، بما يخدم مواطني دول الربيع العربي قبل الثورات، مع ملاحظة أن قناة الجزيرة لم تحابِ أيا من تلك الدول بعكس قناة الحرة. اهتمام قناة الحرة الأمريكية بمواضيع حقوق الإنسان والديمقراطية في سورية قبل الثورة بصورة لافتة، يعكس اهتمامها باحداث تغيير ديمقراطي فيها بصورة خاصة باستخدام القوة الناعمة. مع التأكيد أن الأمر يحتاج لمزيد من الدراسة. عدم اهتمام قناة العربية بمواضيع حقوق الإنسان والديمقراطية وبأخبار المحاكمات وسن القوانين في بلدان الربيع العربي قبل الثورة، يعكس عدم اهتمامها بإحداث تغيير فيها. عدم اهتمام قناة العربية بأي خبر من أخبار تونس في هذه الفترة، يظل بحاجة لدراسة أعمق لمعرفة الأسباب الحقيقية وراء ذلك. ولكن وبغض النظر عن الأسباب تبقى حقيقة واحدة، إن مساهمة قناة العربية في قدح الشرارة الأولى للثورة ضئيل جداً، بل يكاد يكون معدوماً. على الرغم من قلة نسب تغطية معظم دول الربيع العربي قبل اندلاع ثوراتها في المحطات الثلاث، يمكن القول إن قناتي الجزيرة والحرة كانت لديهما النية في إحداث تغيير ديقراطي فيها قبل الثورات بعكس قناة العربية. لكن لا يمكن الجزم بالمطلق بأنهما ساهمتا بالفعل في قدح شرارة ثورات الربيع العربي.