اضافة إلى التشكيك التاريخي حول المقارنة بين عمليات انهيار الديمقراطية في إسرائيل من قبل نتنياهو، بينيت وليبرمان من ناحية، وبين الاحداث التي كانت في جمهورية فايمر من ناحية اخرى. أحد الادعاءات الشديدة ضد مقارنات من هذا النوع هو أن من يقوم بها هم زمرة من الذين يدّعون الاخلاق وينفصلون عن الشعب في إسرائيل وغرباء عن الهوية القومية اليهودية الإسرائيلية.
هذا الادعاء نجح في صياغته في الاونة الاخيرة غادي طاوب («هآرتس»، 10/6). حسب رأيه، من يجدون أن هناك تشابه، ولو بسيط، بين إسرائيل 2016 والمانيا في ثلاثينيات القرن العشرين، فانهم يفصلون أنفسهم عن الجماعة القومية اليهودية الإسرائيلية انطلاقا من دوافع نرجسية. ولكن في الوقت الذي يمكن الاتفاق فيه مع عدد من الادعاءات التاريخية والاجتماعية ضد المقارنة بين إسرائيل الحالية والمانيا ما قبل النازية، فان الموقف الذي يعتبر هذه المقارنة خطوة لا قومية، لا أساس له من الصحة، وفيه أكثر من العمى التاريخي فيما يتعلق بالتوجهات العميقة في تاريخ الخيال القومي للصهيونية.
في المقال المفصلي «قوزاقي وبدوي» الذي تحول إلى كلاسيكي في السيرة التاريخية للقومية اليهودية العصرية، بيّن البروفيسور إسرائيل برطال أنه عندما جاءوا لتشكيل النموذج القومي اليهودي الجديد، تبنى أصحاب الهجرة الثانية صورة القوزاقي الاوكراني والمقاتل البدوي الشرق اوسطي كنموذج للتقليد والاعجاب. حقيقة أن الحديث كان عن عدوين لدودين لليهود، واحد من الماضي الشرق اوروبي والثاني من الحياة في ارض إسرائيل، لم تزعج الشبان الصهاينة أبدا. بل على العكس، لأن القوزاقي والبدوي مثلاّ، كل واحد بطريقته، ما هو معاكس لطريقة الصهيونية كسلبية ليهودية المنفى الملاحقة. والرغبة في التشبه بهما عكست التوق القومي الصهيوني إلى تحويل اليهود إلى شعب مثل باقي الشعوب.
بنفس القدر، وأمام التوق الصهيوني بأن يكونوا كـ «باقي الاغيار»، نشأ في اوساطهم الموقف النقيض المعارض لهذا التشبه والتقليد. هذا الرد عكس ولا زال يعكس الخوف القومي العميق بأنه من شدة الحماسة يمكن ترك ماضي المنفى في الخلف والولادة من جديد مثل باقي الكيانات السياسية والسيادية للاغيار. وبهذا تتسبب الصهيونية بأن يفقد الشعب اليهودي «الأنا» القومية التاريخية التي هي عبارة عن أقلية ملاحقة.
أحد المظاهر البارزة لذلك الخوف هو اقوال غولدا مئير في 1948 حيث لخصت انطلاقا من منصبها كرئيسة للقسم السياسي في الوكالة اليهودية، انطباعاتها حول زيارتها إلى حيفا، بعد سقوط هذه المدينة العربية بأيام قليلة: «وجدت بقرب الميناء أولاد، نساء وشيوخ ينتظرون من اجل الخروج.
دخلت إلى البيوت، كانت القهوة والخبز ما زالا على الطاولات. ولم أستطع إلا رؤية هذه الصورة في الكثير من المدن اليهودية» (اقتباس بيني موريس، «نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، 1947 ـ 1949»)
لا شك أن ملاحظة الشبه بين اللجوء الفلسطيني وبين خراب المدينة اليهودية في شرق اوروبا، دفع غولدا مئير إلى التسليم في اعماق قلبها بهذه المقارنة الفظيعة والتخيل، للحظة، اليهودي الجديد في ارض إسرائيل الذي سعت الصهيونية إلى خلقه، كمن يشبه من تسبب بذلك الخراب. من هنا نبعت قوة الزعزعة.
المثال الآخر والمستجد للزعزعة القومية الصهيونية أوجده لنا مؤخرا نائب رئيس الاركان، يئير غولان، في خطابه في ذكرى يوم الكارثة. ولسبب ما فان المنتقدين والمؤيدين يميلون إلى اعتبار الخطاب ما ليس هو عليه، ويتجاهلون جوهر الاشياء. نائب رئيس الاركان لم يتحدث عن الفاشية ولا عن الخطر على الديمقراطية، بل عن الهوية اليهودية والذاكرة اليهودية.
مثل غولدا مئير في حينه ـ وإن كان بشكل مباشر وواضح أكثر ـ فقد أشرك سامعيه في الكابوس الداخلي القومي الكامن في اللاوعي اليهودي الصهيوني والذي حسبه فان الثورة الصهيونية على شكل اليهودي القديم في الشتات، ستتكشف على أنها اساءة لذكرى ضحايا الكارثة: مكان الشعب المطارد الذي فقد ستة ملايين من أبنائه وبناته، ترثه أمة مختلفة في مميزاتها عن كل ما كان يميزها اجتماعيا وثقافيا لذلك الشعب، والتشابه في عدة مفاهيم مع ملاحقيه ومُسببي خرابه.
التوتر المتواصل بين السعي إلى أن تكون شبيها بالآخر وبين الخوف من هذا التشابه، يوجد في قلب الهوية الصهيونية العصرية. اعراض جانبية طبيعية للتوتر الداخلي هي الاماكن المهجورة للمدينة اليهودية كما رأتها غولدا مئير في شوارع حيفا العربية الفارغة، ظل المجتمعات الفاشية لشعوب اوروبا قبل الكارثة، الذي يتحدث عنه يئير غولان في إسرائيل 2016، وهنا وهناك أرواح الاشباح من الماضي اليهودي المؤلم الذي يملأ باكتظاظ عالم الصور القومية للصهيونية حتى اليوم.
من يصمم على سحب الجذور القومية الصهيونية من هذه الصور، يفعل ذلك لسبب من سببين: عدم الوعي للطبيعة المركبة للوعي القومي الصهيوني في الماضي، أو عدم الحساسية تجاه استمرار هذا التعقيد في الحاضر.
هآرتس 21/6/2016