تأثيرات القرآن الكريم في شعر الروسي ألكسندر بوشكين

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب: في محاضرة مثيرة قدَّمها الكاتب والمسرحي ياسر عبد الصاحب البراك في مدينة الناصرية؛ جنوب العراق، بعنوان «تأثيرات القرآن الكريم في الشعر الروسي.. الشاعر ألكسندر بوشكين أنموذجاً»، تحدث فيها أولاً عن اهتمامات الروس بالثقافة العربية والإسلامية.
مؤكداً أن بدايات الاهتمام الرسمي تعود إلى عصر القيصر المُصلح بطرس الكبير بطرس الكسييفيتش رومانوف (1672- 1725)، إذ اقتنت الدوائر الدبلوماسية والعلمية والدينية الروسية المسكوكات والمخطوطات والكتب والنقوش والرسومات العربية والتركية والفارسية النادرة، وأنشأت خزائن لحفظها في دار التحف (معهد ومتحف الإثنوغرافيا والإنثروبولوجيا)، فضلاً عن المكتبة الإمبراطورية (مكتبة أكاديمية العلوم الروسية).
كما تناول بدايات تعرف الأدباء الروس على القرآن الكريم من خلال أول طبعة فرنسية مترجمة مباشرة من اللغة العربية للقرآن الكريم، التي وضعها المستشرق والدبـــــلوماسي الفرنسي أندريه دي ريّيه، قنصل فرنسا لدى القاهرة، صدرت في باريس عـــام (1647) بعنوان (قـــرآن محمت) LAlcoran de Mahomet، وأُعيدت طباعتها أكثر من ثماني عشرة مرة خلال قرن كامل.
وأضاف البراك أن الكثير من الآراء التي ذهبت إلى وجود العديد من المؤاخذات على الفرنسية لمعاني القرآن الكريم، حيث أنها لم تكن أمينة ومطابقة للأصل العربي، وعلى الرغم من أن هذه الترجمة لا تخلو من أخطاء في كل صحيفة، غير أنها كانت الترجمة الأكمل في ذلك العصر، وقد بلغ من شهرتها وما لقيته من رواج، أن نقلت إلى اللغات الهولندية والألمانية والإنكليزية. وقد اعتمد الروس على هذه الطبعة في البداية على معرفتهم بالقرآن الكريم، إذ تم اعتماد هذه النسخة في نهاية القرن الثامن عشر من خلال طبعة أمستردام عام (1770)، التي تضمنت مقالةً مملوءةً بالإفك والافتراء على شخصية النبي محمد (ص) تحت عنوان «نبذة عن حياة النبي الدجال محمد» أعدها كُتيبيّ فرنسي حاقد على الإسلام وأتباعه، وأصبحت مصدراً أساساً للترجمة الروسية الجديدة لمعاني القرآن الكريم، التي وضعها الأكاديمي والكاتب المسرحي الروسي ميخائيل فيريوفكين (1732-1796) وجرت طباعتها في مدينة سانت – بطرسبورغ (عاصمة القياصرة) عام (1790). وقد كانت هذه الطبعة بحسب البراك هي التي اطلع عليها الشاعر ألكسندر بوشكين وبنى تصوراته عن النبي والقرآن الكريم على أساسها، غير أنه لم يأبه بالافتراءات والترهات التي حوتها تلك المقالة الكارهة للإسلام ونبيه، بل على العكس من ذلك، لاحظ أن الكثير من الأخلاق الفاضلة والقيم الإنسانية الحميدة واردة وبقوة في خطاب القرآن الكريم.
لم يقف البراك في محاضرته عند هذا الجانب فحسب، إذ إنه تحدَّث عن أهم الآراء التي حاولت تفسير اهتمام بوشكين بالقرآن الكريم، فقدم استعراضاً واسعاً لآراء عدد من النقاد والباحثين الروس، من أمثال الباحثة كاشنا ليفار والنقاد سلومينسكي وستراخوف وبراجينسكي، فضلاً عن بعض النقاد العرب من أمثال: محمد علي البار ومالك صقور ومكارم الغمري، وبيَّن البراك أوجه التناص بين النصوص القرآنية والنصوص الشعرية التي استوحاها بوشكين من القرآن الكريم، وخصوصية تلك النصوص في رسم صورة النبي والقرآن الكريم في المخيال الروسي ومن ثم الأوروبي بعيداً عن الصورة النمطية التي رسمتها الترجمة الفرنسية للنبي وقرآنه، التي اعتمدت عليها أغلب الترجمات الأوروبية آنذاك، حيث قرأ بصوته بعض تلك القصائد، موضحاً طبيعة التناصات القرآنية فيها مقارباً إياها مع السور والآيات القرآنية، كما وضَّح البراك كيف كان النبي محمد وأفكاره ملهماً لحركة الشباب الديسمبريين، الذين قاموا بانتفاضة عام 1825 ضد القيصر، والتي قمعها بوحشية مستشهداً بمقولة الأديب والثائر الديسمبري تشاداييف، التي أكد فيها على عظمة الرسول (ص) وأثر حركته الثورية، إذ يقول: «إن عظمة الرسول محمد الذي حمل لواء الدعوة الجديدة التي كان لظهورها الفضل في ذلك (الغليان الديني في الشرق)… والمحفز لنضالنا…»… كما تطرَّق البراك بشكل عرضي إلى اعتماد بوشكين على «ألف ليلة وليلة» في ملحمته الشعرية الأسطورية «رسلان ولودميلا»، التي كانت سبب شهرته الواسعة وهو في مقتبل العمر، إذ أخذ بوشكين الفكرة الرئيسة التي بنى ملحمته عليها من هذه الحكايات، خاصة فكرة خطف العروس في ليلة زفافها من بين المحتفلين بالعرس.
وخلص البراك في نهاية محاضرته إلى نتيجة مفادها أن شعر بوشكين كان البوابة التي أطلَّ منها الشعراء الروس في ما بعد على الثقافة العربية والإسلامية ليشيع استخدام رموز تلك الثقافة عند الكثير من الشعراء الروس، داعياً في الوقت ذاته إلى ضرورة الاهتمام بمُنجز هؤلاء الشعراء ودراسته وتسويقه في المؤسسات الثقافية والإعلامية والتربوية، كونه يرسم صورة مغايرة عن الإسلام ونبيه الكريم عن تلك الصورة النمطية التي روَّج لها الفكر الاستشراقي في الغرب.
يشار إلى أن عدداً من النقاد أكدوا على أن مؤلفات ألكسندر بوشكين- الذي يعتبره الروس أعظم شعرائهم ومؤسس المذهب الواقعي في الآداب الروسية وسابك اللغة الأدبية الروسية الحديثة، ويعده غالبية النقاد من عباقرة الأدب العالمي- تأثرت بالقرآن الكريم، وتأثر بسماحة روح ورقي خطاب كتاب الإسلام الأول وآياته الحكيمة، التي تعرف عليها من الترجمات الفرنسية والروسية لمعاني القرآن الكريم التي أمدت قريحة الشاعر بزاد الشعر اللذيذ. وقد اتضح تأثره بفلسفته الخاصة، ونظمه المُتجسد في إيقاع سجع القرآن، وكان هذا واضحاً في ملحمته الشعرية «محاكاة القرآن» أو «من وحي القرآن» وقصيدة «النبي» و»مغارة سرية» التي نظمها بوحي من سورة الكهف التي قرأها، على الأرجح، في الشتاء في منفاه في قرية ميخائيلوفسكي، جنوب روسيا، وتَذَكّر فيها الشاعر بوشكين بقوة مغارة القرم الباردة والمظلمة والمكفهرة، وأيام (الحبس) فنطالع في قصيدته «مغارة سرية»:
– في يوم العصف
قرأت القرآن العذب
فجأة هبط ملاك السلوان
حاملاً لي طلسمان
قوته الغَيبية
كلمات مقدسة
خطتها عليه
يد خفية.

تأثيرات القرآن الكريم في شعر الروسي ألكسندر بوشكين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية