أسقطت سلطات المنامة الجنسية البحرينية عن المرجع الشيعي الأبرز في البلاد عيسى قاسم وذلك، بحسب بيان وزارة الداخلية، بسبب «التشجيع على الطائفية والعنف» والتسبب «في الإضرار بالمصالح العليا للبلاد»، التي «لم يراع واجب الولاء لها».
أدّى القرار إلى عدد من ردود الفعل الإيرانية كان أشدّها عنفاً تهديد الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني بـ»إشعال المنطقة»، وبيان عن الحرس الثوري الإيراني يقول إن القرار سيؤدي إلى «ثورة إسلامية» في البحرين، فيما اعتبرت وزارة الخارجية الإيرانية القرار «تعسفيّاً» و«غير مبرّر».
حظي القرار برد فعل من الولايات المتحدة الأمريكية التي أعلنت انزعاجها من «سحب الجنسية تعسفياً من مواطني» البحرين، وآخر من مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة الذي اعتبر القرار «غير مبرر» فيما أيّدت السعودية ومصر الخطوة.
القرار تصعيد في المواجهة المفتوحة بين السلطات البحرينية والمعارضة وقد مهّدت الأولى له قبل أيام بإصدار قانون يمنع الجمع بين العمل السياسي والدينيّ (كما يفعل الشيخ عيسى)، وحكم بالسجن على الأمين العام لجمعية «الوفاق» (أهم الكتل السياسية الشيعية المعارضة في البلاد) وإغلاق لمقراتها لأسباب فصّلتها المحكمة بينها «توفير بيئة حاضنة للإرهاب والتطرف والعنف فضلاً عن استدعاء التدخلات الخارجية في الشأن الوطني الداخلي».
يعتبر قاسم القائد الروحيّ الأبرز للشيعة في البحرين وقرار انتزاع الجنسيّة البحرينية منه هو استهداف رمزيّ لهذه الطائفة بأكملها إضافة لكونه يحمل تخييراً استقطابياً بين الولاء للنظام (الذي يتماهى مع البلد نفسه) والولاء للطائفة.
يزيد التصعيد الإيراني الموقف سوءاً لأنّه يقوم أيضاً، ومن دون مواربة، بتخيير الشيعة في البحرين (وفي المنطقة العربية عموماً) بين ولائهم لقمّ والنجف (وهما المدينتان اللتان تلقّى الشيخ عيسى قاسم دروسه الدينية فيهما، وتعتبران مركزي التوجيه الدينيّ للشيعة في العالم) وولائهم لبلادهم.
مما يؤسف له كثيراً أن الخلفيّة الدمويّة للصراع الحاصل في المنطقة بين إيران والكثير من الدول العربية القلقة على سيادتها وكياناتها المجتمعية تجعل قراءة القرار المذكور بالمقاييس القانونية المتعارف عليها عالميّا (وهي ترفض انتزاع جنسيّة أي إنسان) أمراً طوباويّاً، فالتدخّل الإيراني في شؤون البحرين (والذي تعتبر تصريحات قاسم سليماني نموذجاً فظّاً عنه) يفاقم المشكلة، كما أن استباحة طهران للعراق وسوريا ولبنان واليمن، يجعل تراجع الدول العربية الأخرى في شؤون سيادتها، وقبول اعتبار الشيعة في بلدانها تابعين لطهران، تثبيتاً لأحقّيّة إيران في ادعاءاتها وتشجيعاً لها في استراتيجيتها التوسعية الخطيرة.
فوق هذا وذاك، فإن إيران، تتعاطى مع أقلّياتها الكثيرة، وخصوصاً السنّة منهم، بأسلوب الاضطهاد الممنهج والعنيف، بل إنها تقمع أيضاً العرب الشيعة من سكّانها، وخصوصاً في الأهواز، وتمارس ضدّهم أشكال التمييز والإساءة، مما يكشف استخدامها الانتهازيّ للشيعة العرب ويخسف بمصداقيّة ادعائها الدفاع عنهم.
والمؤسف أكثر أن عدداً من بلدان العالم التي تنظر إلى العرب وأنظمتهم باحتقار باعتبارها أنظمة متخلّفة ورجعية ومستبدة، وتعتبر نفسها متحضّرة وديمقراطية بحيث تلقي على البحرين محاضرات عن التعسّف القانوني والقرارات «غير المبررة» كانت سبّاقة باستخدام وسيلة إسقاط الجنسية لأسباب سياسية عن مواطنين وُلدوا وعاشوا فيها ولا يعرفون بلداً لهم غيرها معطية النموذج لأي دولة أخرى في العالم باقتداء مثالها وكاشفة بذلك عن الغابة التي تحوّل إليها العالم.
رأي القدس