الأردن: ضبط النفس في ظل التطرف

حجم الخط
0

قبل حوالي اسبوع وفي ذروة الازمة التي وصل اليها الشرق الاوسط احتفلت الاردن بمرور مئة عام على ولادتها. لا، ليس الحديث عن يوم الاستقلال السبعين الذي احياه الاردنيون في شهر ايار هذا العام (وهو ايضا سبب للاحتفال) بل الذكرى المئة لاندلاع التمرد العربي الكبير الذي قادته العائلة الهاشمية ضد الامبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الاولى. نهاية التمرد هي التي احضرت الملك عبدالله ابن العائلة الهاشمية إلى الاردن هناك اقام مملكة الاردن.
بعد مئة عام من الانفجار الكبير الذي أدى إلى ولادتها وعلى العكس من كافة التقديرات والتوقعات فان المملكة الاردنية لا زالت مستقرة وتقف على قدميها. انها تظهر القوة والصلابة على عكس الدول مثل العراق او سوريا التي اعتبرت في حينه قوى عظمى اقليمية تفرض هيبتها وعلى راسها نظام دكتاتوري حصين. لكن الاردن القابلة للانكسار هي التي صمدت، ومن الممكن أن ذلك بسبب ضعفها وبسبب أن زعماءها لم يتصرفوا تجاه شعبهم كما تصرف صدام حسين او حافظ الاسد ومن بعده ابنه بشار.
اسباب كثيرة ساهمت في بقاء المملكة الاردنية. يمكن ان نذكر من بينها الموقع الاستراتيجي كسهم يفصل بين سوريا والعراق والسعودية وإسرائيل ـ حيث أن تجارات الاردن مصلحة واضحة في ان تبقى. ويجب أن نذكر ايضا ان مؤسسة المملكة في الاردن ترضع من الارث المحلي والعربي ولا تناقض ذلك مثل سوريا والعراق. وفي لنهاية يجب أن نذكر بط النفس والاعتدال وحل الخلافات حيث أن هذا ميز المملكة ومن يقف على رأسها. الحقيقة هي أن الانتقادات العامة في الاردن لم تصل إلى مستوى الغضب والكراهية الذي كان يشعر به الكثيرين في مصر وسوريا تجاه الزعماء.
في السنوات الاخيرة تواجه الاردن أزمة اقتصادية متزايدة وبوادر راديكالية إسلامية. كل هذا في ظل موجات اللاجئين التي تغرقها. لملايين الفلسطينيين الذين وصلو اليها بعد الحروب مع إسرائيل وتحولوا إلى نصف السكان يضاف إلى اكثر من مليون ونصف لاجيء من العراق في العقدين الاخيرين وعدد مشابه للاجئين من سوريا. هؤلاء اللاجؤون يشكلون عبئا ثقيلا على الشبكة الاقتصادية في الدولة ولكن في نفس الوقت يذكرون كل اردني اين ستؤدي الحرب الاهلية والخطر الذي قد يحمله الاحتجاج السياسي الذي يخرج عن السيطرة.
ان اندلاع التمرد بقيادة العائلة الهاشمية، الشريف حسين وابنه الامير فيصل قد سبق وعد بلفور بعام، هذا الوعد الذي منح الشرعية الدولية والرعاية البريطانية للمشروع الصهيوني في ارض إسرائيل. ولكن هاتين العمليتين التاريخيتين ـ عمل العائلة الهاشمية والمشروع الصهيوني ـ لم يتناقضا ولم يسيرا على خط الصدام الذي لا يمكن منعه. والدليل هو أن الامير فيصل كان الاول من بين القادة العرب ممن وقعوا مع حاييم فايتسمن عام 1919 على اتفاق اعترف فيه بحق اليهود في ارض إسرائيل.
لم يستطع فيصل الوقوف وراء الاتفاق الذي وقعه، لكن الاتفاق كان حلقة اولى في سلسلة طويلة لعلاقات الصداقة والجيرة الحسنة، بين الاردن وإسرائيل. هاتان الدولتان اللتان استوعبتا بعضهما البعض بفضل التفاهم والصلة المتواصلة والحميمية على المستوى الاستراتيجي نجحتا في التغلب على الازمات سواء في حرب الاستقلال أو في حرب الايام الستة.
الامر المثير هو ان ابناء العائلة الهاشمية هم الذين اختاروا الخيار الاستراتيجي بعدم تحويل الصراع مع إسرائيل إلى هدف اساسي بل اقامة علاقات التعاون معها ـ هم اولئك الذين بقوا من بين الزعماء العرب، والدولة التي يقفون على رأسها هي قصة نجاح حسب معايير المنطقة.
الازمة التي تتهدد الاردن لم تختف بعد. تهديد داعش يحلق فوق رأسها والكثير مرتبط بقدرة الملك عبدالله على ضمان الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي لجميع الاردنيين وخاصة السكان البدو الذين هم العمود الفقري للمملكة. لكن المئة عام التي مرت تعطي الامل بانه سينجح في ذلك.

إسرائيل اليوم 22/6/2016

الأردن: ضبط النفس في ظل التطرف
هذه الدولة بالذات التي تعتبر ضعيفة وقابلة للانكسار هي التي لا زالت صامدة في المنطقة
ايال زيسر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية