قوة الاستعارة وعنفها في الخطاب السياسي العربي

«الاستعارة آلية ناجعة يستعملها السّياسيّ لتشكيل الرّأي العام، وإنتاج القيم الجديدة، وتغيير البنى الاجتماعيّة، وشنّ الحروب وإبادة الشّعوب، إنّها ما به نحيا وما به نموت».
لعلّ ما يُعاب عليه البحث الأكاديمي العربي، خاصة ما اتصل منه بمجال الإنسانيات، هو تحصُّنه في مدارج الجامعات وسكونه بين صفحات الكتب وعزلته عن معيش الناس. وهو عيب نراه قد أفقده حرارة ملامسة مشاغل المجموعة الاجتماعية التي يوجد فيها، وجَعَله غريبا عن مجريات الواقع، فلا يُسمع له صوتٌ إلا في الندوات المغلقة.
ويبدو أنّ الباحثين العرب الجُدُدَ قد تفطّنوا إلى هذه الهَنة، فراحوا ينفتحون بجهودهم المعرفية على وقائع عصرهم، محاولين تفكيك البنيات الحاكمة للمنظومات الاجتماعية والسياسية والثقافية فيه، ونقدها بجرأة ووعي كبيريْن. وصورة ذلك ما اشتمل عليه كتاب «الاستعارات التصوّرية وتحليل الخطاب السياسي» للباحث التونسي محمد الصالح البوعمراني الصادر عن دار كنوز المعرفة في عَمّان/الأردن.
نزّل الباحث في كتابه مجموعة من المفاهيم والنظريات العرفانية منازل إجرائيّة متصلة بالخطاب السياسي العربي، بوصفه خطابا مثخنا بالاستعارات. وهي «استعارات تصدر عن الفاعل السّياسي، عن وعي أو عن غير وعي، لتكشف عمّا يظهر وعمّا يبطن أحيانا. ترمي إلى ردّ أفكار وتغيير تصوّرات وتحويل قناعات، وتوجيه المتلقي الوجهة التي يبغيها السّياسيّ. إنّها آلية ناجعة يستعملها السّياسيّ لتشكيل الرّأي العام، وإنتاج القيم الجديدة، وتغيير البنى الاجتماعيّة، لشنّ الحروب وإبادة الشّعوب، إنّها ما به نحيا وما به نموت».
وزّع البوعمراني كتابه على فصليْن، أوّلهما خصّصه للمسائل النّظريّة، وتناول فيه بالبحث أربعة موضوعات، تعلّقت بالاستعارة التّصوّريّة وتحليل الخطاب بين العرفان والتّداول، وفيه بيان للأسس العامّة للاستعارة عند العرفانيين في نظريتيْها: نظريّة الاستعارة التّصوّريّة ونظريّة المزج التّصوّري، وانفتاح هذه المباحث على الدّراسات التّداوليّة، وما أحدثه هذا الانفتاح من إضافة إلى هاتين النّظريتين، وإلى تحليل الخطاب. واستعرض الكاتب في المبحث الثّالث بعض الدّراسات النّقديّة الأجنبيّة والعربيّة، التي قاربت الخطاب السّياسي من زاوية الاستعارة، للوقوف على ما انتهت إليه الدّراسات في هذا الموضوع بعد «لايكوف». وتعرّض في المبحث الرّابع إلى أهميّة الوظيفة الإقناعيّة للاستعارة في الخطاب السّياسي.
الفصل الثّاني من الكتاب قام على مباحث إجرائيّة حللّ فيها الباحث خُطبا سياسيّة لزعماء ورؤساء دول مثل، جمال عبد النّاصر والحبيب بورقيبة وياسر عرفات، كما نظر في الاستعارة وأبعادها الأيديولوجيّة في خطاب المثقّف السّياسي، متخذا أنموذجا لذلك تعليقات الأكاديمية التونسية ألفة يوسف على صفحتها في «الفيسبوك»، وانتهى الكتاب بالبحث في الاستعارات الجنسيّة باعتبارها خطابا سياسيا.
ولعلّ من صُوَرِ وجاهة هذا الكتاب هو انصبابه على ثيمة السياسة، التي هي من معيش الناس جوهرُه، إذْ باتت موضوعا يشغل بال أغلب الفئات بعد ثورات الربيع العربي. وهو ما جعل الخطاب السياسي يشهد اهتماما ملحوظا من قبل محلّلي الخطاب، الذين توسّلوا آليات البحث اللّساني والسّيميائي والثّقافي سبيلا إلى الكشف عن أبعاد جديدة يختزنها هذا الخطاب «من حيث انتظامُه علاماتٍ لغويّةً، وما يحفّ بها من علامات سيميائيّة أخرى مثل، الحضور الجسدي للسياسي ولباسه ومحمولاته وإشاراته، ونبرة صوته، وعلامات التّأثر على وجهه، وبكائه وضحكه، والخلفيّة التي تحتضن خطابه، والسّياقات التّاريخيّة المتحكّمة في أدائه، وأفكاره، ونوعيّة الجمهور المخاطَب، ونجاعة الإقناع والوسائل التي اعتمدها ليؤثّر في مخاطبيه، وكيف تناولته وسائل الإعلام؟ ما الذي انتقته وأبرزته؟ وما الذي همّشته وأقصته؟ وكيف يتحوّل الخطاب الواحد خطابا متعدّدا في وسائل الإعلام البصريّة منها والمقروءة؟ ما اختار منه مؤرّخ الأحداث ومؤرّخ الأفكار؟ وكيف تتحوّل النّظرة إليه من عصر إلى آخر؟ فالخطاب الذي كان علامة خيانة في عصر مّا يتحوّل إلى خطاب صمود ومقاومة في عصر آخر. والخطاب الذي انساقت وراءه الجماهير كناي الخرافة، أضحى منبوذا مرفوضا».
وقد خلص كتاب البوعمراني إلى تقرير مجموعة من النتائج لعلّ أهمّها أنّ الاستعارة لم تعد مبحثا حكرا على النّصوص الأدبيّة والشّعريّة منها خاصّة، بل هي تخترق جميع الخطابات العاميّة والخاصّة، الأدبيّة والعلميّة، ومنها الخطاب السّياسي. وهي تلعب دورا مهما في المغالطة والإيهام والتّحشيد العاطفي للجماهير. وهو أمر يجعل منها آلية خطيرة بها تُخاض الحروب وتباد الشعوب وتندثر الحضارات، وبها يقاوم الخصوم ويُرَدّون، وبها تُحصَّن الثّقافة من الاختراقات ومن الفيروسات المضادّة، إضافة إلى كونها آلية قوّة وآلية عنف، تسبق العنف المادي، وقد تأتي لتبريره. ويؤكّد الباحث في هذا الشأن أن الجنس والدّين حاضران أساسيّان في استعارات رجل السّياسة، ومن ثمة فإنّ الدّين والسّياسة والجنس عناصر تشكّل المحرّكات الأساسيّة للتاريخ البشريّ.

٭ كاتب تونسي

قوة الاستعارة وعنفها في الخطاب السياسي العربي

عبدالدائم السلامي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية