جدل السلطة والتمرد عليها في رواية رضوى عاشور «خديجة وسوسن»

حجم الخط
1

«خديجة وسوسن» رواية عبرت بعمق عن ذلك الجدل بين السلطة والتمرد في شكلها الأولي المتمثل في علاقة أم بابنتها، ثم ما نلبث أن نكتشف بالتحليل الدقيق أنه جدل يمتد ليشمل السلطة في أوسع معانيها ويضم التمرد في أوسع نطاقاته أيضاً. فهذه رواية عن جدل السلطة والتمرد عليها، تأخذ من حياة أم (خديجة) وابنتها (سوسن) ستاراً لتعبر عنه، وهي (الرواية) أيضاً تلتقط شيئاً من ملامح تاريخنا الراهن في فترة الستينيات والسبعينيات، فخديجة زوجة لطبيب مشهور أنجبت منه ثلاثة أبناء (زينب وسوسن وسعد)، أدارت خديجة مستشفى خاصا بزوجها، كانت خديجة متسلطة في رأيها طوال فترة تربية أبنائها، فأما زينب فتزوجت وأنجبت وعاشت حياتها بشكل تقليدي، وأما سوسن فكانت طفلة مشاغبة ومتمردة على أمها وانضمت لجماعة معارضة سياسياً أثناء دراستها الجامعية وما بعدها، عاشت تجربة الحب وفقدته، وأما سعد فأجبرته أمه على دراسة الطب، ولكنه سافر إلى الخارج وانتحر وعاد ملفوفاً في كفنه، بعد موت الأب (كمال) تكتشف سوسن أنه كان متزوجاً من امرأة كان يحبها منذ أيام الطفولة ولكنه تزوجها بعد أن تزوج من خديجة، وأخفى ذلك الزواج عن المجتمع طوال عمره، ولم تعلم به خديجة، وفي الرواية تظهر أحداث نكسة 1967 وموت جمال عبد الناصر 1970 وحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 واغتيال أنور السادات 1981، وتأثير تلك الأحداث على شخصيات الرواية ومواقفهم منها وانفعالاتهم تجاهها. صحيح أن الرواية فيها الكثير من الْهَمْ التاريخي والواقعي للمجتمع المصري، وهذا ما لا تنفيه رضوى عاشور عن مشروعها الروائي.
إذا كان اسم خديجة يعني الطفلة غير مكتملة النمو فهل يكون اختيار هذا الاسم مما يشكل دلالة على أن خديجة كانت طفلة محبطة ومقهورة أمام سلطة الوالدين، ومن ثم فلم يكتمل نموها النفسي بعد، ولم تكن تستطيع حيال تلك السلطة إلا أن تقوم بعميلة مسايرة أو ما يسمى بالتوافق النفسي والاجتماعي، من كونه الرضا بالواقع والتناغم بين الفرد والبيئة الاجتماعية، فخديجة كانت طفلة محبطة ومقهورة، ومن ثم ستلجأ إلى التوحد بالأم والأب في تسلطهما لكي تمر مرحلة النمو في الطفولة بسلام، ولكنها لا تدري بأنها ستكون على الصورة المستبدة للوالدين في المستقبل، ونتيجة للإحباط الذي واجهته خديجة في الطفولة وجدناها تنزع نحو التخييل كوسيلة للهروب من ذلك الإحباط، ويعد التخييل دفاعا وإعلاء وتجميلا للواقع، بحيث يعطي الأنا فسحة من الوقت لكي يغير من الظروف الخارجية حتى يحصل على إفراغ غريزي لا تسمح به ظروف الواقع الخارجي. فتقول خديجة: «أفكر في صورة أبي المثبتة في إطار المرآة المواجهة لسريري وأغمض عيني وأحكم الغطاء حول جسمي فأرى نفسي على ظهر سفينة كبيرة فيها بحارة كثيرون وصناديق ضخمة بعضها مطعم بالذهب والفضة، أروح وأغدو، أتحدث وأضحك، تشق السفينة البحر الهائج وصيحات الاستغاثة.. أشهق في رعب… ثم أبتسم وأنا أخطو في جزيرة بديعة كلها زهور برية وأشجار عالية تتدلى منها ثمار المانجو الشهية. أتوغل في الجزيرة التي بلا أصوات. أرى المشاهد الملونة وأستنشق الروائح الزكية ولا أسمع سوى حفيف الأغصان.. أجفل فزعاً وقد هبط الليل على النهار فجأة اظلمت الدنيا. كان طائر الرخ قد نزل الجزيرة فارداً جناحيه الهائلين، ثم طار وأنا أمسك بطرف مخلبه. رأيت الجزيرة كقرش صغير في المحيط وضحكت وأنا خائفة.. راح الخوف وبقيت أضحك وأنا في مدينة عجيبة يتحدث أهلها بالمعكوس. أتصبب عرقاً وأنا أصعد جبلاً شاهقاً مغطى بالثلوج وأبلل شفتي بلعابي أكاد أموت عطشاً في الصحراء التي تمتد بامتداد البصر. ارتعد خوفاً وأنا في الغابة وتكاد ساقايَّ لا تحملانني ثم ابتسم، أضحك وأنا أحيي المستقبلين الذين جاءوا إلى الشاطئ لتحيتي». وهنا في هذا التخييل الذي قامت به خديجة نلاحظها وقد عاشت التوافق النفسي مع الحياة بالمفهوم الذي يذكرنا بدعوة «نيتشه» للإنسان بأن يعيش في خطر وعلى حافة بركان تلك الدعوة التي تستند إلى دافع حيوي أساسي لدى كل فرد يقيم بتناقضاته مع دافع المحافظة على الحياة خفضاً للتوترات وإزالة للاستثارات، وهذا هو المضمون الصميمي لجدل الحياة والموت عند الإنسان، كل شيء يبدو وكأن الفرد لا تكاد ترتفع به استثارة حتى يعمل على خفضها، ولا تكاد تنخفض به استثارة حتى يعمل على توليدها من جديد وعلى رفعها وهذا هو التوافق النفسي الحق.
أما خديجة الأم فقد كانت متسلطة وكانت صاحبة شخصية عدوانية تعود تلك العدوانية إلى الإحباط الذي عانته في طفولتها، فها هي تقول: «ما أن عادت زينب حتى أخذتها إلى غرفتي وأغلقت الباب واجهتها بالرسالة، ضربتها وشتمتها وصرخت فيها قائلة: إن البنت التي لا تحترم نفسها لا يحترمها أحد. قلت لو تكرر هذا الأمر فأنا أنذرك سأحبسك في البيت، لا مدرسة ولا ناد حتى باب البيت لن ترينه بعينيك، في المساء دخلت حجرة البنتين فوجدت زينب تبكي زجرتها وهددتها بالضرب إن لم تكف «ويكفى دلع وقلة أدب!». أما سوسن فيرمز الاسم إلى نبات ينتهي بزهرة أو عدة زهور جذابة يختلف لونها باختلاف النوع فمنه الأبيض والأزرق والأصفر والأحمر، وتعرف بعض أنواعها بجذور الطيب لأنها عطرية. فسوسن منذ الطفولة تقول عنها أمها خديجة: «فيا خوفي من سوسن.. كانت تنظر إليَّ بصفاقة، إنها لا تخافني ولا تخاف أحداً.. فما العمل في بنت لا تخاف أحداً؟ سألني كمال:
■ ما بك ؟
□ لا شيء .
■ كنت تبكين .
□ سوسن قليلة الأدب . كنت أوبخها فردت عليَّ بشكل لا يليق».
فسوسن متمردة على عنف وسلطة الأم منذ طفولتها، ويأتي مشهد آخر عندما حدثت نكسة عام 1967 فخرجت سوسن تجري في الشارع وتقول أمها: «أنادي عليها ولكنها لا تستدير. أركض حتى ألحق بها وأمسك بذراعها» هل جننت.. إلى أين تذهبين؟» أجرها جراً في اتجاه البيت وهي تكرر بالحاح، برجاء، بتوسل «أرجوك، أرجوك يا أمي إتركيني! ولكنني أسحبها حتى أعود بها». إن هذا المشهد يصور بداية انشغال سوسن بالقضايا الاجتماعية ونزوعها نحو الفعل والحركة بدلاً من الكلام فقط، وكان عمرها حينئذ ثلاثة عشر عاماً إنها المراهقة والرغبة في التمرد لإثبات الذات والوجود في مقابل ذوات الآخرين. ولكن بداية توتر العلاقة بين خديجة وسوسن يعود لطفولة سوسن وتذكره لنا بقولها: «عندما وقعت الواقعة وانهزم الجيش المصري في سيناء عام 1967 بكت زينب طويلاً، أما أنا فركضتُ في الشارع كان فيه النجاة من الموت، وأعادتني أمي عنوة كأني نعجة شاردة وقيدتني بالحبال ليلتها قلت لزينب أمي تريد قتلي». وتقول سوسن: «وفي سنوات المراهقة انقلب الحال فكنت أشعر بأنني منكوبة بها وهي تضغط وتقتحم وتقمع تركتها تمسك بلجام وهمي. حفرت لنفسي سراديبي الأرضية التي لا تعرفها. أدرت شؤوني بما يحلو لي بعيداً عنها، الكتاب الذي أقرؤه، الشاب الذي أحبه كلها في السرداب أمور لا تعلم عنها شيئاً، هكذا تحاشيت صدامات يومية تنهكها وتنهكني، وأحياناً رغم ذلك يقع الحدث المؤسف. واستعدت سوسن لدخول كلية الحقوق وعندها مات عبد الناصر: «استبدلت سوسن بثوبها الأبيض ثوباً أسود، تجلس بملابس الحداد صامتة جامدة الوجه كأنها تحولت إلى حجر. أصرت سوسن أن تلبس أسود أربعين يوماً. حاولت أن أثنيها ولم أفلح فقررت أنها مجنونة»، ثم رسبت في الامتحان لأنها كانت تقرأ كتباً لا علاقة لها بالامتحان: «ماذا كنت تقرأين؟
■ كتب. أعرف أنها كتب، في أي موضوع؟
□ في التاريخ. في السياسة. في الاقتصاد»
وبدأت سوســـــن تشارك في مجلة حائط فيها مقالات معارضة سياسياً وذلك أيام حـــكم السادات: «تقول خديجة: «أخذت أمزق المجلة وصرخت سوسن» ماما ماذا تفعلين؟ هذه المجلة ليست ملكي.. ثم إنها» «إخرسي!» قلت وأنا أصفعها على وجهها «إخرسي تماماً لقد تعبت من الكلام معك»، وبعد ذلك انضمت سوسن لعمل سري معارض للحكومة تقول خديجة: «لكنها ليست مجنونة إنها ذكية وربما كانت أكثر أولادي لماحية فما الموضوع إذن؟ طيش، عناد، عدم تقدير للمسؤولية؟».
إن تلك المعارضة السياسية للسلطة ربما كانت معارضة في الأصل للسلطة الوالدية التي تمثلها الأم بديكتاتوريتها البادية بوضوح في تعاملها مع سوسن. وفي حوار بين خديجة وسوسن تقول خديجة: «هويت بكفي على وجهها مرة أخرى أمسكتها من كتفيها ورحت أهزها وأصرخ فيها وأسبها وأبصق على وجهها. تخلصت مني وقفزت باتجاه الغرفة وهي تقول:
■ إنك تريدين قتلي، هل تعرفين ذلك؟ إنك تريدين قتلي، هل تعين ذلك؟
□ خديجة عنيفة مع سوسن لأنها تذكرها دائماً بصورتها المعكوسة في المرآة خديجة غير مكتملة النمو في مقابل سوسن مكتملة النمو. ولمَّ لا؟ فالكل كانوا يقولون سوسن تشبه خديجة الخالق الناطق، حتى مجدي لاحظ ذلك ولاحظت سوسن ذلك الشبه أيضاً ولكنها تقول: «بأنها كانت تشبه أمها في الماضي أما الآن فلا تشبهها أبداً. وتدرك سوسن ذلك فتقول: «ولم تعلم أمي سوى التملك والاستبداد، ولماذا يختلف أبي عنها إلى هذا الحد؟ إنه أكثر سلاسة منها يمكن التفاهم معه حتى عندما لا يتقبل ما أقوله أو أفعله يعلن اختلافه ولكنه لا يشعلها كالنار وينفجر، إنه سهل المعشر ومشغول، ويحبها إفعلي ما تريدينه يا خديجة، أليس هذا ما تفضلينه، تتكرر هذه العبارات في بيتنا كلازمة لحياتنا اليومية. سلمها كل شيء عن طيب خاطر، تفزعني وأحبها وأرتبك لأني لا أعود أفهم إن كانت سوسن الواقفة بعيداً تحمل ألف مأخذ على خديجة، واقفة حقاً بكامل روحها أم أن شيئاً ما ينسلت منها ويخطو متلصصاً إلى المرأة الواقفة هناك يفتح ذراعية ليطوقها وهو يهمس: «أنظري إليَّ يا أمي فأنا أحبك» فهل تطوقني أمي أم أنني قطعت الرباط وأقيم وحدي ولا يملي خطواتي إلا ما أقتنع به وأعترف من ضرورة… انقطع الرباط.. انقطع ولكنه يترك علامة كتلك العقدة الغائرة في منتصف البطن تميز جسد الإنسان منذ ولادته وإلى الأبد».
قامت سوسن بالانتقام من أمها حين رأت الحلم التالي: «رأيت أمي. كانت أصبى وأحلى تلبس ثوباً ربيعياً من القطن المنقوش بالألوان الزاهية. كانت تضحك. ثم جاء شرطي وقال إنه يريد أن يحقق في حادثة القتل واقتادنا جميعاً للتحقيق. ثم دق ساعي البريد الباب. وقال جئت لأعتذر عن الخطأ في البرقية ليس أبوك الذي مات ولكنها أمك. سألني:
■ «ألست ابنة الست؟
□ أجبت: «لا، أنا ابنة الجارية»
كان هذا الحــــلم بعد موت أبيها وفيه نرى صورة أمها في اللاشعور تمـــثل صورة جمـــيلة وبراقــــة من الخارج فقط حــيث تلبس الألوان الزاهية، ولكن المضمون لم يظهر في الحلم، ومن حيث رغبتها الكامنة فقد تمنت موت أمها بدلاً من موت أبيها، وتأتي رغبة أخرى لتتحقق في الحلم وهي عدم الانتساب إلى الأم. فسوسن تتمنى أن لو لم تكن خديجة أمها ومن شدة الرغبة قالت أنا ابنة الجارية فقبولها بالجارية أماً لها في مقابل خديجة هو ما يكشف عن بغض عميق لخديجة (الأم).
وبهذا انحسم الجدل الدائر بين السلطة والتمرد، حيث يستمر المتسلط في أداء دوره في قمع من هم دونه، ويقوم المتمرد بالدفاع عن وجوده وقيمه بالاعتراض الدائم عليه وتجنبه ما أمكن ذلك واتخاذ أساليب مضادة لمواجهته.

٭ كاتب مصري

جدل السلطة والتمرد عليها في رواية رضوى عاشور «خديجة وسوسن»

خالد محمد عبدالغني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية