الرباط ـ من أحمد بنميمون: تمثل نصوص الكاتب المسرحي محمد زيطان، لحظات ذات طعم خاص في مسار التجربة المسرحية ليس المحلية فقط، بل على صعيد المغرب. حيث لا يكاد يعرف ما يعرض من المسرح المغربي فترة انتعاش، حتى يعود إلى ما يشبه الموت، أو الغيبوبة على الأقل، متأثراً بانعكاس الظروف السياسية الخانقة، لحساسية ارتباط المسرح كفن قائم على الحوار بالواقع السياسي. لذلك فإن أي مس بالحريات في أي بلد يتأثر به العرض المسرحي قبل ان تتأثر به الصحافة مثلاً، فيتحول إلى تهريج، كما تتحول الصحف إلى نشرات صفراء ملقاة على الأرصفة، لا تثير غير الألم، ولا تبعث غير الأسف، والتحسر على ما ضاع وما سوف يضيع، فالحياة كما يدل على ذلك بندول المسرح لا تتوقف، ومعايير الحياة تقول لنا: إن من لا يتقدم يتأخر، وهذا ما يجعلنا نُـقِرُّ في أعماق أنفسنا بما ضيعته التجربة المسرحية في المغرب عبر عقود غير قليلة، تأثراً بمقص الرقيب حيناً، ومخافة أحياناً، من سيف الرقابة المُصْلَتِ على رقاب فنانين لا حياة لهم ولا لفنهم بدون حرية عامة و خاصة، وبغير أجواء انفراج عام.
ولأن الإنسان لا يمكن أن يعيش بدون مسرح، في أي شكل كان، فإن أساليب من التحايل على أجواء خنق الحريات، كانت تظهر هنا أو هناك، ليستر صوت الاحتجاج على الاستبداد والاستغلال وما يُكره عليه الإنسان من خضوع. تجاوباً مع معطيات الواقع السياسي وتأثيراته المباشرة، وفي هذه الأجواء تظهر أعمال محسوبة على المسرح لا تسيء بما تبثه من وعي زائف إلى فن المسرح قدر ما تقدم صورة لا تبث إلا اليأس في نفوس المبدعين الواعين وحدهم، وإنما في نفوس جمهور هذا الفن شديد الذكاء عالي الحساسية، لكن ظهور نصوص تراهن على نجاعة أطروحات الوعي الشامل وتقديمها ولو بأساليب رمزية من خلال أيقونات إشارية وعلامات غير مباشرة. كانت تبدو نقاطَ ضوء في آخر النفق دالة على أن الكائن الإنسان لا يعدم وسيلة للتعبير عن ذات نفسه، مهما أظلمت الآفاق من حوله
ونصوص محمد زيطان كانت من هذا النوع الثاني، ورغم موهبة الكاتب التي لا تنكر ومهارته في إنشاء أبنية مسرحية في أعماله المتعددة، (من ذلك مهارة في إقامة حبكة مسرحيته هذه وتسارع الأحداث وتناميها بطريقة تبعث على الإعجاب ولا تترك مجالاً لملل المتلقي، فالمؤلف يدير الصراع بمهارة لا تتعارض مع الطريقة الطبيعية التي تتوالى بها حلقات الصراع عبر المشاهد الثمانية في هذا النص المسرحي الذي يحمل عنوان «قصر البحر» وهو من ثم يحاول الرهان على كتابة عرض مسرحي بعين مركزة على تقنيات العرض وزمنه ومكانه، وواقع المسرح كمبنى وإخضاع كل ذلك بما يحوله إلى معطى. جعل المكان في حد ذاته، موضوعاً يتخذ أكثر من مظهر وشخصية فنية، لمناقشة ما استقر عليه وعيُ المشاهد بما يجريه عليه من أشكال الصراع، كل ذلك للتحايل على معيقات سياسية في الغالب، تحول دون مقاربة الفنان لمواضيع أفكاره..
وقد وقَفْنا ونحن نرى طبيعة المكان في مسرحية «قصر البحر « ـ ما لجأ إليه الكاتب وهو يحدد الملامح السينوغرافية للساحة التي يجري فوقها الحدث المسرحي من إكسسوارات وملابس ـ على ما يجعل الأمر يختلط على متفرج شهدنا له بشدة الذكاء وعلو الحساسية، وكذا بالنظر إلى مقومات كل فرد من شخصيات هذه المسرحية، فإنني ألاحظ أنها من نوع واحد، تتنازعها جميعاً رغبة شريرة واحدة، لا فرق كبير بين الضحية والجلاد، بين أفرادها، بما في ذلك الفتاة «زهرة» التي تمتلئ بغضاً، حتى لمن يفترض أنها أقرب الناس إليها، فما أقسى أن تتحول الأم إلى سجان يتآمر على حرية ومصلحة فلذة كبدها، كل ذلك لكون «زهرة « نتيجة علاقة زوجية هي بالاغتصاب أشبه منها بالزواج الشرعي.
وبالنسبة إلى زمن المسرحية فإن من الممكن القول إنها تتحدث عن مرحلة ما بعد الاستقلال في المغرب، وما أعقب هذه المرحلة من انتقال الصراع، من صراع الأمة ضد المستعمر إلى صراع بين فئات من الناس أفرز لنا شخصيات بملامح عدوانية تتحكم في علاقات اجتماعية غير عادلة، وليس سهلاً القول حول المكان الذي تجري فيه الأحداث، فإن الإجابة عن سؤال المكان أساسية في إدراك مستوى تحفيز تلقي المتفرج لما يشاهده، فرغم أن «باحة البيت ريفيةً « في هذه المسرحية، إلا أن ما يجري عليها من أحداث، هو إلى السلوك المديني أقرب منه إلى السلوك القروي في البيئة المغربية، وحتى نتفاعل مع ما تعيشه شخصيات هذه المسرحية من صراعات ينبغي أن نحدد جنسية مفترضة لعناصرها، وهذا أمر يمكننا من الوقوف على تماسك منطق الأحداث الداخلي، من حيث علاقة الحدث بالزمن التاريخي، ووضعية الشخصيات اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، خاصة أن الحوار الذي يدور بينها يدل على أن من بينها من راكم أوالاً وأدرك درجة من الثراء أصبحت تتحكم في سلوكه وممارساته، ورغم أننا ندرك أيضاً أن هذه الشخصيات ليست ذهنية تمثل أفكاراً، بل بشرية تتحكم فيها انفعالات وتوجهات، إنسانية وإن أصبحت شيطانية في ما أوحته الأطماع إلى بعضها، ورغم اختلاف التطلعات في ما بينها، فإن هناك أحلاما توحدها، فالجميع يحلم بالوصول إلى (قصر البحر) فماذا يكون هذا القصر الذي تحلم به «الأم» في قمة سلوكها الإجرامي، كما تحلم به ابنتها «زهرة»، وهي رمز البراءة والسلوك الطفوليين؟
إن كل شخصيات هذه المسرحية إشكالية، ووراء كل منها مجموعة أسئلة يسعى المؤلف إلى بسطها من خلال حوار موجز مقتصد، وينتظر المتلقي الإجابة عنها من خلال نتائج الصراعات متعددة الوجوه: فالأم تنتظر تزويج ابنتها، حتى يتسنى لها هي أن تذهب إلى المدينة بحثاً عن محبوبها، الذي كان قد واعدها بالزواج، وأمل «زهرة أن يفتح الباب لتحلق في إثر الغريب ـ وهو الوحيد الذي استطاع امتلاك قلبها وحتى جسدها الذي عرته أمامه ليرسمه ـ طمعا منها في مصاحبته إلى «قصر البحر». أما الثري «الصافي فيحلم بضمِّ «زهرة» زوجة رابعة إلى نسائه الثلاث، ويبقى جلول: زوج الأم بعد أن قتل والد «زهرة « أو شارك في قتله طمعاً في وعد من الأم أن تملكه (البيت وسبعة فدادين) وهو لا يكف عن مطالبتها بإنجاز وعدها له حتى ينتهي مما يجمعها به، أما الأعرج وابنه، فيحملان أيضاً أسئلة إذ يفخر الأعرج بماضية في قتال المستعمر، ولذا ينتظر رجوع ابنه ليزوجه من «زهرة « هذه التي تمثل حلمُ كلِّ الشخصــــيات بامتلاكها عنصُرَ تجاذب ونزاع.
وكل هذه الشخصيات تملك ماضياً ملوثاً بما يضج به من أخطاء كبيرة وصغيرة، منها جرائم قتل في الحد الأقصى، وهتك أعراض وخيانة زوجية في الحد الأدنى، بل إن وجود (باكو) يمكن أن يمثل وجها من جريمة سياسية جاسوسية، إذ أن هذا الغريب يعيش في حماية «شيخ القرية» الذي لا يحضر أحيانا إلا من خلال إشارات حوارية، على لسان هذه الشخصية أو تلك.
هناك إشارة أيضاً إلى «لباس الفتاة «زهرة» الغجري، وعموما فإن في هذا ما يضفي على الواقع داخل المسرحية وعلى الشخصيات أيضاً طابعاً يمكن نسبته إلى أي بيئة خارجية، ما يمكن أن يشوش على المتلقي في إنتاج قراءت خاصة، فإذا كنا قد أقررنا أن زمن النص مغربيٌّ ـ وإن ورد في الحوار ما يشير إلى أن زمن الأحداث هو فترة ما بعد الاستقلال في المغرب، حيث تطورت الأوضاع وانتقلت الثروة إلى أيدي بعض «المغاربة يمثلهم في المسرحية «الصافي» الذي تحول بيته إلى ما يشبه حظيرة تعج بالنساء/الأبقارـ فإن اضطراب بعض الإشارات إلى اللباس أو نوعية الأثاث من شأنه أن يقلل من ثراء الدلالات، ومن المرونة المكانية، التي كلما تضافرت مع المعطيات التاريخية أسهمت في غنى ما تثيره في نفس المتفرج.
ومما يثبت أن حبكة المسرحية مفكر فيها بدقة انبنائها على قاعدة ثلاثية الحُبِّ، التي دفعت بالأحداث إلى ان تتنامى وتتطور في مسار مضبوط ليقف عند نهاية محددة، وزوايا تلك القاعدة «الصافي»، الذي يمتلك السلطة والمال، والأعرج: قريب العائلة، والأجنبي الغريب: الذي يمتلك حُبَّ «زَهرة» ومن ثم جَسَدَها. ولهذا السبب فإن المسرحية كانت ذات طول محدد أيضاً، لا يستطيع حتى كاتبها أن يزيد فيها أو ينقص شيئأً.
لقد قدّمَ الكاتب الفنان محمد زيطان، «قصر البحر» نصاً راعى فيه تقنية العرض وبناءه بما يستجيب لرغبات أي مخرج لن يجد صعوبة في تقديمه، وبرؤية إخراجية لن يضيف إليها جديداً، وإن كان من شأن هذا ألا يرضي إلا المخرجَ الكسول في غالب الأحيان، ما دام المؤلف قد ساهم إلى حد بعيدِ في خدمته من هذا الجانب، بل ساهم أيضاً حتى في رفع الحرج عمن يضطلع بمسؤولية العرض، تحت أي ظروف كانت، ما دامت لم تقع الإشارة إلى أي سلطة نافذة، وإن تمت إلإشارة إلى «شيخ القرية» لكن بدون حضور مادي، إلا ما يمكن أن يراه النقاد المسرحيون من حسنات هذا العرض، فإن اقتصاد الكاتب باللغة أثر على طابع النص الأدبي. وقد يبدو من بيننا من يدافع عن هذا الجانب بتذكيرنا بأن المسرح يطلب في أبعد الأوال، لغة ثالثة، لكنني أتكلم عن جانب له مكانته بين عناصر الإمتاع الفني، فقد لاحظت شدة اقتصاد الكاتب في لغته، مما يحرم قارئ النص من المتعة، وإن كان يوفر للمخرج فرصة تقديم عرض فنيٍّ ناجح، فإن من حقنا في أي نص مكتوب ألا نحرم من تلك الخصائص والسمات التي تجعل من كل كتابة أدباً، اجتهد صاحبه في توفير عناصر جمالية تمنح القارئ متعة ًوهو يتناوله، قبل أن ينقل إلى الركح كما يقولون، ليطبق كل مخرج تقنيات العرض بالشكل الذي يرضيه.
والكاتب محمد زيطان كان «يؤلف للعرض وليس للقراءة، هو الذي يملك كل الإمكانيات التي تجعله يحقق الهدفين في آن، فقد قرأت نصوصاً مسرحية كان كتابها لا يحرمون أنفسهم، ومن ثم قارئهم من الإمتاع الإدبي، بل وكانوا حتى وهم يطيلون في منولوجات أحياناً، يضعون إشارت للمخرج بما يمكنه حذفه أثناء العرض، بدون إخلال بمضمون المسرحية، فجمعوا في ذلك بين إمتاع القارئ بالنص كمعطى أدبي يتلقاه في كتاب، وإمتاعِ المتفرج وهو يتلقى النص على كرسي في قاعة مسرح. لإدراكه أن صاحب مسرحية «نص البحر» في هذا النص، وفي سائر نصوصه الأخرى، ينتصر لكل ما هو مسرحيٌّ، وهو «يكتب» أعمالهُ، إلى درجة أن القارئ المطلع ذا الخبرة لا يستطيع أن يمنع نفسه من القول بأن محمد زيطان دراماتورجيٌّ أكثر منه مؤلِّفا مسرحيا.
« قصر البحر ـ صخور سوداء» : محمد زيطان منشورات: السليكي إخوان ـ طنجة 2015